إيدي هاو.. صانع مجد “بورنموث” من قاع الهبوط إلى مجد الدوري الممتاز

شارك في 202 مُباراة بألوان بورنموث والإصابة أجبرته على الاعتزال قبل الثلاثين

جاءت صافرة حكم مُباراة “الهروب الكبير” أمام جريمسبي تاون لتعلن ميلاد مُدربٍ فذ

أخفق “هاو” في تحقيق النجاح مع “برنلي” فعاد ليأخذ بيد ناديه إلى “التشامبيونشيب”

ستة أعوامٍ فاصلة بين فرحة النجاة من الهبوط وفرحة النصر والتأهل لدوري الأضواء

يقرأ كثيرًا ويشاهد الأفلام الوثائقية ويعيد مشاهدة مباراياته ومبارايات الآخرين والإبداع سر نجاحه

eddie-howe-bournemouth_3159477

أسامة يوسف

السبت، السابع عشر من يناير عام 2009، يقف إيدي هاو (Eddie Howe) على خط المنطقة الفنية في مُباراة فريقه، بورنماوث (Bournemouth)، أمام فريق روثرهام يونايتد (Rotherham United)، يراقب في حسرةٍ حكم المُباراة وهو يُشهر البطاقة الحمراء في وجه أحد لاعبيه، ليُجبر على أن يُكمِل المُباراة بعشرة لاعبين فقط. يقوم بإجراء تغييره الأخير، وتتضاءل آماله في أن يُحرز فريقه هدفًا ليعدل النتيجة بعد تأخره أمام مُضيفه بهدفٍ مُبكر، ويظل الفريق في موقعه بأسفل جدول الترتيب، مُهددًا بالخروج من بطولات الدوري الإنغليزي الكُبرى تمامًا.

رحلةٌ مليئة بالإحباطات

على الأرجح، أكمل هاو الدقائق المُتبقية من المُباراة، وهو يُشاهد الفريق الذي قد صُعّد لتدريبه مؤقتًا يتلقى الخسارة الثانية على التوالي، نفس عدد المُباريات التي لعبها الفريق تحت إِمرته، وهو يُفكر في أن أيام عالم التدريب بالنسبة له قد باتت معدودة، وسيتم الاستغناء عنه ويعود لمنصبه السابق في تدريب الناشئين. على الأقل، لن تكون هذه المرة هي الأولى له، فقد قام نفس النادي بالاستغناء عن خدماته كلاعبٍ ناشيء في عُمر السادسة عشر، بعد أن قضى خمسة أعوام يتدرب بين جدرانه.

رحلةٌ صعبة ومليئة بالإحباطات تلك التي قضاها هاو حتى هذه المُباراة، لكنها لم تتوقف عند استغناء النادي عنه في صباه، فبعدها قاموا بدعوته من جديد للّعب في فريقه، فقط لعدم وجود عددٍ كافٍ من اللاعبين. تمسّك هاو بالفرصة، واستمات في إبداء مهاراته الكروية في هذه المُباراة، ليتم الإبقاء عليه واستمرار مُشاركته في المُباريات، حتى رآه المدير الفني للفريق الأول ميل ماكين (Mel Machin)وقام بالتوقيع معه، ليُصبح لاعبًا مُحترفًا في صفوف بورنماوث.

بعد انطلاقته الأولى أمام فريق هال سيتي (Hull City) في ديسمبر من عام 1995، بقي هاو في الفريق حتى عام 2002، يلعب في مركز الوسط المدافع، ويظهر في 202 مُباراة بألوان بورنماوث، يُصارع في الدرجة السُفلى من دوريات إنغلترا الأربعة الكُبرى ولا يرى ما فوق ذلك، إلى أن أتى هاري ريدناب (Harry Redknapp)  مُدربًا إلى نادي بورتسموث (Portsmouth) ويتعاقد مع هاو كصفقةٍ أولى له مقابل 400 ألف جنيه استرليني ليمنحه فرصة تجربة اللعب في التشامبيونشيب (Championship)، لكن الحياة لم تبتسم تمامًا في وجه هاو، ففي الوقت الذي كان مُنتميًا فيه إلى بورتسموث، لم يلعب سوى مُبارتين فقط في ظل إصابة بالغة قد نالت منه، فبقي خارج الأضواء تمامًا وهو يشاهد فريقه يحصل على بطولة الدوري، ويترقى لُينافس في الدوري الممتاز المُسمى بالبريمير ليج (Premier League).

اعتزال مبكِّر

3040-lsh

يعود هاو في إعارةٍ إلى بيته الأصلي، بورنماوث، مُثقلًا بفشل التجربة. لم تتم صفقة البيع بشكل نهائي، لا لتمسك بورتسموث به، بل لأن ناديه القديم لا يمتلك الأموال الكافية لشرائه، لتقوم جماهير النادي بتجميع المبلغ الذي طلبه بورتسومث وهو 21 ألف جنيه استرليني، ما يُمثل خمسة بالمائة فقط من المبلغ الذي دفعوه لشرائه. يبدأ بعدها هاو بالظهور بالألوان التي اعتاد عليها في خمسين مُباراة أخرى على مدار ثلاثة مواسم، حتى اُضطر للإعتزال بسبب عودة إصابته القديمة، ليغادر الملاعب رسميًا في عام 2007 وهو لم يبلغ الثلاثين بعد.

نال إيدي فور اعتزاله وظيفة في جهاز مديره الفني السابق كيفن بوند (Kevin Bond)، بينما يتخبط الفريق في العقوبات بسبب الأزمات المالية والإدارية، فبعد خصم عشرة نقاط في موسم 2007-2008 أدت إلى هبوط الفريق من الدرجة الأولى إلى الدرجة الثانية، بدأ الفريق موسم 2008-2009 بخصم سبعة عشر نقطةٍ من رصيده، ولم يستطع بوند حصد أكثر من نقطتين في أول أربع مباريات بالموسم الجديد، ليتم استبعاده، ومنح إيدي هاو منصبًا جديدًا ليُشرف على قطاع الناشئين بالنادي.

المعجزة

 لم يبق الجهاز الفني البديل في قيادة بورنماوث أكثر من ثلاثة شهور، لم يُقدم فيهم ما يدل على قدرته على الإتيان بالمُعجزة المُنتظرة التي ستمنح الفريق قُبلة الحياة وتبقيه في دوريات إنغلترا الكُبرى وهو على حافة السقوط، وأصبح الفريق في حاجة إلى من يقوده بشكل مؤقت حتى الاستقرار على مُدير فني جديد، واستقر الأمر على إيدي هاو. “كنت أظن أنها مُزحة! قُلت لهم أنني صغير للغاية وخبرتي لازالت محدودة، لست الشخص المُناسب على الإطلاق لهذا الدور، لكن رفضي لم يكن خيارًا مُتاحًا بالنسبة لهم.”

مُحملًا بهذه الرحلة المُتخبطة بين الفشل وحافة النجاح، صار إيدي هاو مديرًا فنيًا للفريق، ولم يُعزل من منصبه بعد الخسارتين التي مُني بهم في أول مبارتين له، بل أُتيحت له الفرصة كاملة كي يلعب دور البطل الذي أعدته حياته السابقة له وانتماؤه لبورنماوث، ويصبح أصغر مُدرب في بطولات الدوري الإنغليزي حينها بواحد وثلاثين عامًا.

وكان “هاو” على موعد مع سبتٌ آخر، يوم الخامس والعشرون من أبريل عام 2009، في ذلك اليوم وقف شابٌ في مُدرجات ملعب مدينته الممتلئة عن وسعها انتظارًا لبدء مُباراة “الهروب الكبير” أمام جريمسبي تاون (Grimsby Town)، يحمل لافتةً كُتب عليها بحروفٍ كبيرة “إيدي هاوديني” (Eddie Howdini)، مزيج بين اسم المُدير الفني لفريق مدينته، والساحر التاريخي الشهير هاري هاوديني (Harry Houdini)، ثلاثة وثلاثون نقطة في النصف الثاني من الموسم حققها الفريق تحت قيادة إيدي هاو، والمُعجزة الآن على وشك الحدوث، الفوز يؤمن بقاء الفريق في الدوري ويحميه من الهبوط.

وحتى مع تأخر أصحاب الأرض بهدفٍ في الشوط الأول، إلا أن بعد دقيقتين كان الطريق مفتوحًا لأحد اللاعبين كي يصوّب باتجاه المرمى دون رقابة، ترتطم الكرة من العارضة مع آهات الجماهير، فيقابلها “ليام فيني” (Liam Feeney) بركلةٍ أخرى تُسكن الكرة في الشباك وسط صراخ الجميع. لكن الاحتفالات ظلت مكبوتة في صدور المشجعين حتى أتت صاروخية ستيف فليتشر (Steve Fletcher) في الدقيقة 80، مُعلنةً عن نجاح المُهمة، حينها صار كبح جماحهم مُستحيلًا، وبدأوا في الهبوط إلى أرض الملعب قبل انتهاء المُباراة، حتى جاءت صافرة الحكم لتأذن لهم باجتياح المساحة الخضراء تمامًا، واحتضان اللاعبين ورفع بطلهم الجديد، إيدي هاو، على الأعناق، مُعلنين ميلاد مُدربٍ فذ.

ستة أعوام

howe-forest-4-334-1555681_478x359

لا أحد في مدينة بورنموث يُصدق ما حدث في الستة أعوام الماضية، فمن احتفالات صاخبة لمجرد البقاء في دوري الدرجة الثانية عام 2009، إلى الحصول على المركز الثاني في السنة التالية والتأهل إلى الدرجة الأولى من الدوري الإنجليزي، لم يكتفي فريق حبات الكرز بذلك فقط، إنما نافسوا على التأهل إلى بطولة التشامبيونشيب، وخسروا إحدى بطاقات التأهل بشق الأنفس في الجولات الأخيرة الفاصلة.

 قرر إيدي هاو بعدها الرحيل إلى نادي برنلي (Burnley) الذي ينافس في درجةٍ أعلى من بورنموث، ولم يُحقق هناك نجاحًا يشار له ولم يجد في الفريق متسعًا لروحه، ليعود مرة أخرى إلى فريقه السابق بعد تسعة عشر شهرًا، ليجدهم في انتظاره دون تغييرات تُذكر، وكأن قدر الفريق والمُدرب أن يُحققا انجازاتهما سويًا. وسرعان ما واصل الفريق مشواره الحافل بالحصول على المركز الثاني مُجددًا لكن في دوري الدرجة الأولى، بفارق نقطةٍ وحيدة فقط عن حصد اللقب، ليتأهل بورنموث إلى التشامبيونشيب.

درجةٌ واحدة فقط كانت تفصل فريق هاو عن الوصول إلى الدوري الأقوى في العالم، صارعوا في سنتهم الأولى بالتشامبيونشيب واستقروا في منتصف جدول الترتيب، ثم كانوا على موعدٍ في عام 2015 مع أهم إنجاز في تاريخ النادي، وهو حصد لقب البطولة في المُباراة الأخيرة بشق الأنفس، والتأهل للبريمير ليج. ستة أعوامٍ فقط تفصل بين الفرح بالنجاة من الهبوط والفرح بالنصر والبطولة و التأهل لدوري الأضواء. ستة أعوامٍ كان العامل الأهم فيها هو إيدي هاو.

النجاح لا يٌشترى بأموال الروس

يربط البعض النجاح الذي يحققه بورنماوث، باستحواذ رجل الأعمال الروسي ماكسيم ديمن (Maxim Demin) على النادي، جاعلًا  منه “تشيلسي” جديد، كتجربة رومان أبراموفيتش مع النادي اللندني، عن ذلك يقول هاو:

“من المثير للإحباط أن ينسب الناس نجاحنا إلى ثروة مالك النادي، كما لو أن النجاح يُشترى، ولا يُحقق بالتفاصيل الهامة التي يحتاجها أي نادٍ ناجح: روح الفريق القتالية، عملٍ مُتفانٍ من الجميع خلف الكواليس، مجموعة مُتميزة من اللاعبين، ووحدة بين الجميع (..) يتهمنا الجميع بأننا مهدنا طريقنا للبريمير ليج بشراء العديد من اللاعبين، أعتقد أن لا شيء أبعد عن الحقيقة من هذا الاتهام، لو قمت ببحث وتحليل لتشكيلة الفريق التي نمتلكها الآن، ستجد أن ستة أو سبعة من لاعبي الفريق كانوا يشاركون معنا بينما كنا نصارع الهبوط”.

في الواقع، لا يتشدق هاو بكلامٍ عن العمل وروح الفريق دون أن يأتي بمثله، فالمدير الفني يواظب على الحضور إلى مكتبه مُبكرًا بشكل يومي، ولأنه يرى أن القاسم المُشترك بين الشركات الناجحة والفرق الناجحة هو الإبداع، فهو حريص على التعلم باستمرار، يقرأ كثيرًا، ويشاهد الأفلام الوثائقية، بالإضافة إلى إعادة مشاهدة مباراياته، ومبارايات الآخرين ليبحث فيها عن نقاط جديدة وينظر للأمور الفنية من زوايا مُختلفة. لا يخجل من أن يقوم بجولات مُعايشة في أندية أخرى ليتعلم من مديرين فنيين بحجم بررندن روجرز، وفي أنديةٍ مثل أتلتيكو بلباو وفيورنتينا، وإمبولي. بالإضافة إلى تعلمه من المديريين الفنيين الذين دربوه، مثل هاري ريدناب.

البحث عن الإبداع والإلهام

يقول هاو:

“إن أحد أكثر الأشياء مُضايقةً لي عندما نُكرر إحدى المُحاضرات لعدم وجود أفكارٍ جديدة… نحتاج دائمًا إلى إلهام اللاعبين، لا أن نلقي عليهم مُحاضراتٍ من الكُتب، ولا يعني ذلك ألا تستخدم الكتب لاستلهام بعضٍ من الأفكار، بل أقصد أن في بعض الأحيان يأتيني الإلهام من مشاهدة مباريات لنا أو لفرقٍ أخرى”.

ولا يكتفي هاو بالأقاويل بل يسعى دائماً لتطبيق ما يقوله، فبعد كل مُباراة يقوم ومساعديه بتجهيز مقاطع فيديو خاصة بكل لاعبٍ شارك في تلك المُباراة، كي يقيّم أدائه معه ويمنحه النصائح والتوجيهات بشكل شخصي، حتى تكون هذه الجلسات في إطار تعليمي وليس جلسات تأنيب أمام بقية اللاعبين. كذلك يهتم هاو بالإحصائيات، كي تعطيه نظرة عامة لقياس مستوى الفريق، لكنه لا يستخدمها أبدًا ضد اللاعبين.

يهتم إيدي هاو بالتفاصيل إلى حد كبير، فيحرص على طباعة اقتباسات عن المشاهير ووضعها على الحوائط في طرقات الملعب بغرض تحفيز اللاعبين، مثل اقتباسٍ عن محمد علي يقول فيه:”ما تفكر فيه لنفسك، هو ما ستكونه”. وعندما تتجول في الممرات المؤدية إلى الملعب، ستجد من حولك صورًا ضخمة للاعبي الفريق، على الأرجح لبث الخوف في المُنافسين، أو لمنح لاعبيه الثقة.

وفي ردهة العظماء بالملعب، حيث يتناول الفريق الغداء، قام إيدي بتعليق أربع لوحات تحمل أسماء: أرقامٌ فردية، أرقام الفريق، المُباراة الأخيرة، أرقام الموسم. وعن ذلك يقول: “خطر لي ذلك عندما بدأنا في فتح آفاق جديدة للنادي، فكرت حينها في أنه سيكون من الجيد إبقاء هذه الأرقام في مكانٍ يُسهّل من الوصول إليها، كما أنها ستُلهم اللاعبين لتسجيل أرقام جديدة ونجاحات للفريق عامًا بعد عام”.

البريمير ليج.. لحظة تاريخية

_82728194_howe1

سبتٌ ليس بأخير، الثامن من أغسطس عام 2015، أنهى إيدي هاو لتوه إلقاء المُحاضرة النهائية للاعبيه، وخرج خلفهم متوجهًا لأرض الملعب، توقف بُرهةً بين الرُدهات يحاول احتواء اللحظة الحالية في نفسه، اللحظة التي تُلخص مشواره الكروي المُتميز حتى هذه اللحظة، لا يُمكن اختصار الستة أعوام الماضية في جائزة مُدرب العقد في مسابقات الدوري الإنجليزي، ولا جائزة مدرب العام التي يقدمها اتحاد مدربي الدوريات الإنجليزية، متفوقًا على مدربين بحجم جوزيه مورينهو،  وآرسين فينجر، وأستاذه برندن روجرز. لم يعش إيدي لأجل هذه الجوائز، بل عاش للحظة التالية، التاريخ الآن يُكتب في أول مُباراة لنادي بورنموث في البريمير ليج. تسارعت دقات قلبه بينما يخطو لأرض الملعب المُشمسة ويجتاح روحه صياح الجماهير وهي تُحيي بطلها.

المصادر: 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.