باحثان: تأثير المواطن العادي في سياسات الديمقراطيات الرأسمالية = صفر!

تتربع أمريكا على عرش الصراع الطبقي بأكبر فجوة بين الأغنياء والفقراء

راتب التقاعد والصحة وإعانة البطالة والتعليم تتصدر أولويات المواطن العادي مقابل لوبيات الأثرياء

الأغنياء أقل تأييدًا للإنفاق الاجتماعي وأكثر تأييداً لتخفيض الميزانية ويعارضون التوظيف الحكومي

 

تتشدق الديمقراطيات الرأسمالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية بقيم العدالة والمساواة، بينما الواقع يؤكد أن سياساتها أسيرة مصالح إمبراطورية الأثرياء (البلوتوقراطية) وحدهم، بينما يأتي الأمريكي العادي في ذيل اهتمامات السياسة العامة للسلطة الحاكمة.. فإذا كان هذا هو حال الحكومة الأمريكية التي تستجيب فقط لرغبات القلة من شعبها.. فماذا عن بقية العالم؟

منذ فجر الديمقراطية، دارت نقاشات حادة حول كيفية استجابة السياسيين لناخبيهم. وهذا ما توصل إليه أكاديميون مؤخرا فقط  بعد أن تمكنوا من استخدام البيانات لاختبار كيفية تمثيل المجالس التشريعية للأشخاص الذين تخدمهم ظاهريا. وقد دار نقاش مؤخرا بين رائدين أكاديميين تبين من خلاله “أن أولويات الأمريكي العادي تمتلك تأثيرًا ضئيلا يقارب الصفر على السياسة العامة”.

أولويات محدودي الدخل

يركز معظم العمل الأكاديمي وتقريبًا كل التغطية الإعلامية في هذا المجال على الولايات المتحدة فقط. وقد وسع الباحث السياسي لاري بارتلز في ورقة عمل حديثة تحليله لاستكشاف العلاقة بين السياسة والأولويات العامة على الساحة الدولية. وجد بارتلز اعتمادًا متزايدًا على شبكة سلامة أقوى عبر العديد من الدول حيث تتوافر بيانات تمتد لأكثر من عقدين بما فيها الولايات المتحدة. (في الواقع فإن الدعم للمزيد من الإنفاق الاجتماعي تصاعد بشكل كبير في الولايات المتحدة).

وطرح بارتلز على الأفراد سؤالا حول القطاع الذي يرغبون أن يكون الإنفاق الحكومي عليه أكبر. (ينوه السؤال إلى أن الزيادات الضريبية يمكن أن تكون ضرورية لدعم الإنفاق الحكومي). وعلى الرغم من تواجد ثمان قطاعات للإنفاق في بيانات برنامج المسح الاجتماعي الدولي (ISSP) إلا أن بارتلز ركز على أربعة وهي: الرواتب التقاعدية والصحة وإعانات البطالة والتعليم.

اتجاهات الدعم الصافي للمزيد من الإنفاق الاجتماعي في أربع بلدان في الفترة 1985 - 2007

اتجاهات الدعم الصافي للمزيد من الإنفاق الاجتماعي في أربع بلدان في الفترة 1985 – 2007

اختلافات هائلة

وفيما يظهر لأول وهلة على أن صناع السياسات يستجيبون للتغيرات في الأولويات العامة، فإن بارتلز يظهر بأن الحقيقة وراء هذه التغيرات داخلية المنشأ. عندما يراقب بارتلز النمو الاقتصادي والبطالة، فإن العلاقة الجلية بين الرأي العام والإنفاق العام تكون مستبعدة (انظر للخط المنقط في الشكل أدناه).

أولويات الإنفاق وسياسة الاستجابة

أولويات الإنفاق وسياسة الاستجابة

 

يكتشف بارتلز الاختلافات الهائلة بين أولويات الأغنياء والفقراء حول الإنفاق الاجتماعي وتخفيض الميزانية و”قيم دولة الرفاهية”. ولتحديد الدعم العام حول خفض الميزانية استخدم بارتلز سؤالا فحواه عن ما إذا كان خفض الإنفاق الحكومي على المواطن العادي مثل “بعض الأشياء التي يمكن أن تقوم بها الحكومة للاقتصاد”.

أما ما عزاه بارتلز لـ”قيم دولة الرفاهية” فهي أسئلة مثل “هل تظن أنه يجب أن تكون مسؤولية الحكومة تأمين وظيفة لكل من يرغب بذلك؟” و”هل تظن أنه يجب أن تكون من مسؤوليات الحكومة العمل على الحد من فوارق الدخل بين الأغنياء والفقراء؟”

وكما يوضح الشكل أدناه، فالأغنياء أقل تأييدًا للإنفاق الاجتماعي، وأكثر تأييدًا لتخفيض الميزانية، كما أنهم يعارضون بشدة التزام الحكومة بتوفير فرص العمل والحد من عدم المساواة “قيم دولة الرفاهية”.

الاختلافات في الأولويات بين ذوي الدخل الأعلى وذوي الدخل الأقل

الاختلافات في الأولويات بين ذوي الدخل الأعلى وذوي الدخل الأقل

أولويات الفقراء عديمة التأثير

وبينما تتربع الولايات المتحدة على عرش الصراع الطبقي مع وجود أكبر هوَة فيها بين الأغنياء والفقراء في الإنفاق الاجتماعي من أي دولة، احتلت المركز الثاني فيما يتعلق بالهوة الأعلى لأولويات خفض الميزانية، (تمتلك فنلندا مستوى أعلى في الصراع الطبقي). أما الهوة فيما يتعلق بقيم دولة الرفاهية فحصلت أمريكا على المركز الرابع (بعد هولندا والسويد ونيوزيلاندا).

وتمثل بلدان الشمال الأوروبي الهوَات الأعلى في الرأي، وتشير دراسة بارتلز إلى أن العديد من الأغنياء يشعرون بأن الدولة تمادت كثيرًا في الحد من التفاوت الطبقي وتأمين الاحتياجات العامة. وفيما تعد كوريا الجنوبية الدولة الوحيدة التي يدعم الأغنياء فيها المزيد من الإنفاق الاجتماعي أكثر من الفقراء، بينما الحال في باقي دول العالم يؤكد أن الأثرياء أقل دعمًا لـ”قيم دولة الرفاهية” من الفقراء. وبذلك خلص بارتلز إلى أن أولويات ذوي الدخل المنخفض لم يكن لها تأثير عملي على نتائج السياسات الحكومية.

الركود السياسي وجذور المشكلة

في الاتجاه ذاته، أجرى الباحث ديريك إى إب دراسة أشار فيها إلى أن جذور المشكلة تعود لارتباط الحكومة بنشاطات سياسية أقل حول نطاق أضيق من المسائل خلال عهود عدم المساواة الكبيرة. وقد وجد أن إعادة التوزيع كانت من أولى القضايا التي أبعدت عن جدول الأعمال. وهذا يتفق إلى حد كبير مع عمل مجموعة من علماء السياسة الذين اكتشفوا أن الركود السياسي قلل قدرة الحكومة على الاستجابة لتصاعد اللامساواة.

وأوضح “إب” أن جدول أعمال الفقراء يختلف عن جدول الأغنياء، فبينما الفقراء والطبقة المتوسطة أكثر اهتمامًا بقضايا إعادة التوزيع مثل الفقر والحد الأدنى للأجور. تتمدد الهيئات التشريعية بشكل متزايد وتعتمد بشكل أكبر على مشاريع قوانين معلبة سلفًا من قبل منظمات كمجلس التبادل التشريعي الأمريكي ALEC وتتجه لجماعات المصالح واللوبيات لمساعدتها على تحليل وإعداد التشريعات.

وفي هذا الصدد، قام “لي دروتمان” ـ الباحث البارز في برنامج الإصلاح السياسي في مؤسسة «نيو أميركا» ـ بعرض حجته، مشيرًا إلى أن “مجلس النواب ومجلس الشيوخ مجتمعين أنفقوا على مجموع العاملين (2 $ بليون في العام) أي أقل من إنفاق المؤسسات على الضغط (2.6 $ بليون في العام)”. والنتيجة عدم مساواة اقتصادية عززت المزيد من سلطة الأغنياء.. وأكد دروتمان أن الحل يكمن في دعم قدرة السلطة التشريعية عبر زيادة عدد العاملين ورواتبهم.

هل يمكن تقليل سلطة النخبة على السياسة؟

دراسة ديريك أكدت أنه على مستوى الدولة هناك حاجة لهيئات تشريعية مهنية (فيما يبدو المشرعون من المواطنين بدوام جزئي حلا جيدًا، إلا أن البحث أشار إلى أنهم يمثلون ناخبيهم بشكل سيء). وقد أجريت دراسات جديدة على مستوى الدولة تتعلق بالعرق، والجنس وتفاعلات العرق والطبقة.

وخلص الباحث إلى أنه يسهل تخيل الحلول، لكن يصعب وضعها قيد التنفيذ. فالنقابات تعزز المساواة الاقتصادية والسياسية من خلال مطالباتهم برفع أجور العمال والحشد السياسي لمصالح الطبقة المتوسطة. كما أن تسجيل الناخبين الآلي سيدعم معدل المشاركة في الانتخابات، وإشراك غير الحزبيين يعزز معدل المشاركة في الانتخابات بين الأفراد الأقل مشاركة فيها.

وأكد أنه يمكن تخفيف تأثير المال السياسي على الانتخابات عبر كشف حملات التبرع وسلامة التمويل العام للانتخابات والحد من قدرة الشركات والأفراد الأثرياء على التأثير على الانتخابات.

 الدعم الصافي للسياسة للحد من عدم مساواة السياسية

الدعم الصافي للسياسة للحد من عدم مساواة السياسية

مشيرًا إلى أن سياسات تقليل سلطة ونفوذ طبقة النخبة على السياسة تحظى بتأييد شعبي واسع. لكن المشكلة أن السياسيين هم بالفعل تحت سطوة المصالح القوية لتمرير قوانين تحد من سيطرتهم على السياسة.

المصدر: salon

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.