روسيا وإيران والأسد: ما الذي يجري في سوريا؟

putin assad

تكاد الساحة الحربية والسياسية المحيطة بدمشق تشهد تطورات متقلبة بشكل يومي في الشهور الأخيرة، فنشهد الاجتماعات المكوكية بين وزراء خارجية الدول، فهذا يتجه إلى موسكو وآخر إلى جدة ولقاء في الدوحة وآخر في جنيف.. وفي موازاة ذلك نشهد على الأرض تحركات غريبة في ساحات المعارك، فتركيا تقصف الأكراد والمعارضة السورية، فيما تنسحب قوات جهادية من مواقع لمصلحة قوات جهادية أخرى كانت تعاديها فيما يشبه توزيع الأدوار، بينما نرى روسيا تلقي بثقل أكبر في المنطقة.. فما الذي فعلاً يجري في سوريا؟

قبل أيام، نشرت مجلة شبيغل الألمانية تقريراً صحافياً يطرح سؤالاً رئيسياً: “لماذا طلب الأسد المساعدة من موسكو؟”، ولعل في إجابة هذا السؤال مدخلاً مهماً لفهم ما الذي يجري في الصراع الدائر في سوريا. فتقول المجلة أن  إيران ظلت لفترة طويلة تمد النظام السوري بالجنود والمعدات لمساعدة الحكم الاستبدادي في سوريا بقيادة بشار الأسد على شن حرب ضد شعبه، إلا أن التطورات الأخيرة على المشهد المحلي السوري دعت بشار لطلب المساعدة من موسكو بعدما بات يخشى أصدقائه الإيرانيين، بحسب رأي مسؤول روسي عمل لفترة طويلة في سفارة بلده في دمشق.

ويعامل الإيرانيين سوريا وكأنها مستعمرة تابعة لهم وهو ما يدعو الأسد وكل من حوله للخوف منهم، بحسب رأي المسؤول الروسي، ويضيف “لكن أهم ما في الأمر أنّ السوريين لا يثقون بأهداف طهران، لذا يريد السوريون أن نحضر إلى بلدهم”. قد يبدو كلام الدبلوماسي الروسي الذي يرفض الكشف عن هويته صادماً للوهلة الأولى، فلولا أفواج المقاتلين الشيعة الذين جندهم وأحضرهم الحرس الثوري الإيراني من إيران وأفغانستان وباكستان والعراق ولبنان لكان حكم الأسد قد انهار منذ فترة طويلة. فما الذي تغير في العلاقة؟ ولماذا لم يعد الأسد يثق بطهران؟

الحرس الثوري الإيراني وسوريا

Mideast_Iran_Election_Cork

في إيران، يُعتبر الحرس الثوري من بين الجماعات الرئيسية التي تسعى إلى متابعة “الثورة الإسلامية” وتعمل على ضمان تمددها، وهو أشبه بدولة داخل الدولة فيملك الحرس شركات عدة ولا ينفذ إلا أوامر القائد الأعلى الإيراني علي خامنئي. أما الرئيس حسن روحاني، فليس له أي سلطة على الحرس الثوري.
وفي سوريا، فقد اضطلع الحرس الثوري الإيراني منذ فترة طويلة بتخطيط وتنفيذ أبرز المهام العسكرية، فقد كان مسؤولاً عن أدق تفاصيل العمليات الهجومية التي حققت نجاحاً متقطعاً وبدأت في عام 2013 في حلب شمالاً وفي درعا جنوباً. إلا أن أهداف الحرس الثوري لم تكن تقتصر على توفير الدعم العسكري للنظام السوري وتأمين مواقعه، ففي بداية عام 2013، قال حجة الإسلام مهدي طائب، وهو أحد المخططين لتحركات إيران في سورية:

“سورية هي المقاطعة رقم 35 من إيران، وهي مقاطعة استراتيجية بالنسبة لنا”

وطوال عقود عدة، كان التحالف بين عائلة الأسد وإيران مربحاً، وتحديداً على مستوى مواجهة العراق في عهد صدام حسين، إذ كانت سورية في ذلك الحين تفرض سيطرتها على المنطقة، أما اليوم، فيتكل الأسد على إيران للبقاء في السلطة وتستفيد طهران من هذا الوضع.
وتلجأ طهران الآن إلى العديد من المسارات المتنوعة منها المدنية  والعسكرية، وذلك تمهيداً لترسيخ مكانتها في سورية. فيتم استعمال الوسائل عسكرية لتقوية معاقل حزب الله في المناطق المجاورة للحدود مع لبنان. ولتحقيق هذا الهدف، تم تجنيد قوات الدفاع الوطني السورية، وهي القوات التي تعمل إلى جانب الجيش السوري النظامي وتشمل عشرات آلاف المقاتلين الذين تدربوا في إيران. مع ذلك، بدأت قوات الدفاع الوطني تتفكك وتتحول إلى ميليشيات محلية مما جعل الدولة تخسر سيطرتها على تلك المناطق بوتيرة أسرع.

التغلغل الإيراني في المجتمع

إلا أن التغييرات الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للنظام السوري هي تلك التي تجري في القطاع المدني بشكل أساسي في كل من دمشق واللاذقية وجبلة، إذ يزداد عدد المدارس الدينية الحسينية التي تفتح أبوابها، وهي مراكز تهدف إلى تشجيع السُّنة، وحتى العلويين (الطائفة التي ينتمي إليها الأسد)، على الارتداد عن مذاهبهم و”تصحيحها” عبر الإسلام الشيعي، ويتم إقناع الناس بوجهات النظر هذه من خلال عظات شيوخ الدين أو الرواتب والدعم المالي الذي يستخدم لمساعدة الأسر وجذبها. وقد ساهم نظام الأسد -في لحظة ضعف على ما يبدو- في نشر الرسالة الدينية الإيرانية، إذ أصدرت حكومته عام 2014 مرسوماً يفرض على المدارس الدينية التي تديرها الدولة تعليم مواد من المذهب الشيعي.
وتحصل هذه الأحداث كلها وسط انتشار الذعر بين العلويين الذين بدأوا يعبّرون عن استيائهم من الوضع، وقد كان ذلك واضحاً على “صفحة جبلة الإخبارية” على فيسبوك، إذ كتبوا: “هم يرجعوننا ألف سنة إلى الوراء. نحن لا نرتدي الحجاب ولسنا شيعة”، فيما اشتكى آخرون من فتح مسجد شيعي في اللاذقية فرد عليهم الإمام هناك: “نحن لا نحتاج إليكم… نحتاج إلى أولادكم وأحفادكم”.
على صعيد آخر، يعمد مبعوثون إيرانيون، بشكل مباشر أو عن طريق وسطاء، إلى شراء الأراضي والمباني في دمشق، حتى أنهم اشتروا حياً يهودياً كاملاً، وتسعى إيران إلى جلب الشيعة من بلدان أخرى للاستقرار هناك.
ويلخّص طالب ابراهيم، وهو شيوعي علوي من بلدة مصياف كان قد هرب إلى هولندا منذ بضع سنوات، المزاج السائد بالكلمات التالية:

“يريد الأسد استعمال الإيرانيين كمقاتلين لكن يزداد تدخلّهم الإيديولوجي بالشؤون المحلية. الروس لا يفعلون ذلك”.

لذلك، قرر الأسد الآن وضع مصيره بيد روسيا التي لا تطرح أي مشكلة دينية ولا علاقة لها بالصراعات المذهبية، وقد نقلت منذ أسابيع طائرات حربية وعدد من الجنود إلى قاعدتها العسكرية في بلدة اللاذقية في شمال سورية وبدأت تطلق الضربات الجوية. كانت المعركة ضد “الدولة الإسلامية” (داعش) مجرّد عذر لتنفيذ العملية، لكن لم تستهدف أولى الضربات الإسلاميين بأي شكل، بل أنها تحركت ضد المناطق التي يسيطر عليها الثوار السوريون لتواصل بذلك حرب الأسد على أعداءه.

المشروع الإيراني بعيداً عن الأسد

iran revolutionary guard

ولا يمكن اليوم التشكيك في مدى النفوذ الإيراني المتوسع في سوريا، فقد أثبتت المفاوضات الجارية في مدينة الزبداني مدى تقدم ما يمكن تسميته بـ “المشروع الإيراني”. إذ تحتل هذه المدينة الواقعة في شمال غرب دمشق والمحاصَرة منذ ثلاث سنوات أهمية استراتيجية لـ “حزب الله”. إذ تسيطر قوى الثوار السوريين على الزبداني التي تشكل آخر عائق يقف في وجه خطة “حزب الله” الرامية إلى السيطرة على كامل المنطقة الحدودية السورية المحيطة بلبنان. وفي بداية شهر يوليو 2015، بدأ “حزب الله” عملية هجومية واسعة ضد الزبداني، وقد رد الثوار في إدلب على هذه العملية بمحاصرة وقصف بلدتي الفوعة وكفريا حيث يعيش أكثر من 10 آلاف نسمة من الأقلية الشيعية، مما دعا طهران لأن تتدخل وتبدأ بالتفاوض بشكل مباشر مع الثوار السوريين، بما فيهم “جبهة النصرة” التابعة لتنظيم القاعدة، ولم تشارك القيادة السورية في دمشق في تلك المحادثات.

تم التوصل إلى اتفاق يتجاوز كل ما وافق عليه الأسد يوماً مع الثوار، إلا أنه اتفاق مفخخ، فهو يثبت أن الإيرانيين ما عادوا مقتنعين باحتمال انتصار الأسد وأن تقسيم البلد قد بدأ فعلاً وهي مسألة تشمل عملية تطهير وتهجير طائفي.

وفي حدث قل نظيره، تم إقرار وقف إطلاق النار كي يغادر جميع السنة المقيمين راهناً في الزبداني باتجاه إدلب، وبالمقابل، سيُسمَح للشيعة الموجودين في الفوعة وكفريا بالتمركز في الجنوب. ومن المقرر أن يطبق وقف إطلاق النار في سلسلة كاملة من البلدات والقرى الواقعة في هذه المنطقة، كما يدعو الاتفاق إلى جعل المجال الجوي هناك خارج صلاحيات طائرات ومروحيات النظام السوري، بما يشبه فرض حظر جوي محلي. وقد جاء هذا الاتفاق ليشكل انتهاكاً فاضحاً لاستقلالية النظام السوري، وهو ما يدعو الأسد الآن لبذل قصارى جهده لإعاقة تنفيذ الاتفاق الذي يشمل أيضاً إطلاق سراح 500 سجين.

اختفاء شخصيات بظروف غامضة

بالكاد وصلت أصداء الاضطرابات التي سبّبها تدخل إيران في أوساط الأسد إلى العالم الخارجي، فبوادر الانشقاق هذه تبقى حديث العالمين ببواطن الأمور، إلا أن سلسلة من الأحداث الأخيرة تؤكد اتساع الهوة بين الحلفاء، فقد اختفى حديثاً بعض الشخصيات النافذة التابعة للنظام السوري ممن يعارضون تحركات إيران لكسب النفوذ في الأراضي السورية، وقد اختفى بعضهم وسط ظروف غريبة.

ففي شهر ديسمبر 2014، أمر اللواء رستم غزالة، رئيس الأمن السياسي السوري، بتفجير عقار يملكه في جنوب دمشق، وقام بتصوير ذلك الحدث، ثم عرض الفيديو على الإنترنت وقد ترافق مع موسيقى ميلودرامية ووعود بالولاء للأسد.

وبعد فترة قصيرة، تعرّض غزالة للضرب حتى الموت على يد أتباع الجهاز السوري السري الذي شمل شخصين إيرانيَّين. حصل ذلك بسبب تصدي غزالة للميليشيات الشيعية التي شكلتها إيران ورفضه لأي شكل من أشكال التعاون معها. ويشاع أن الإيرانيين أرادوا استعمال الفيلا الخاصة بغزالة كمقر لهم، لذا قرر تدميرها وتصوير عملية التدمير.

في شهر يوليو 2015، حان دور العميد ذو الهمة شاليش الذي ترأس الحرس الجمهوري طوال عقود وهو أحد أقرباء الأسد. فقد أعلنت وسائل الإعلام السورية الرسمية أن إقالته المفاجئة أتت نتيجة للفساد. لكنه ادعاء مثير للفضول لأن شاليش لم يكن مجرد مسؤول فاسد، بل أنه كان رمزاً للفساد وقد تورط في صفقات العقارات والمخدرات والأسلحة. كذلك كان شاليش شخصية محورية في نظام التجارة غير الشرعي الذي شهد على تهريب أسلحة وتقنيات بقيمة ملايين الدولارات عبر سورية إلى بغداد أثناء حكم صدام حسين، بما ينتهك قرار الحظر الذي كان مفروضاً حينها.

كشفت الولايات المتحدة عن أعمال التجارة السورية غير القانونية جزئياً في عام 2003، وقد أصبح نظام الأسد في تلك الفترة مهدداً بالانهيار نتيجة الضغط الخارجي أكثر مما كان عليه في أي فترة من السنوات الثلاثين الماضية. في تلك الفترة، بدا وكأن أحداً في سورية لم يكن يهتم بنشاطات العميد شاليش غير القانونية. لذا لا يرتبط استهدافه أخيراً بأعماله الفاسدة على الأرجح بل بدوره كرئيس للحرس الجمهوري.

ويثبت هذان المثالان حجم الضغط الإيراني المفروض على الأسد، لدرجة أنه ما عاد يستطيع حماية أقرب المسؤولين إليه. ويمكن أن يصبح هذا الوضع خطيراً عليه في نهاية المطاف.

يقول دبلوماسي أوروبي لديه معارف قديمة في دمشق:

“منذ رحيل شاليش، بات الإيرانيون قادرين على الوصول مباشرةً إلى الأسد”، ولا يزال الأسد اليوم تحت حماية الإيرانيين لكنهم يستطيعون التخلص منه بكل سهولة إذا أرادوا ذلك.

مؤخراً، تحسن موقف الأسد قليلاً مع وصول القوات من موسكو. فيستطيع الآن، ولو بدرجة محدودة، أن يضع القوتين اللتين تحميانه في المواجهة وأن يتابع حملته ضد بلده وشعبه.

لن يفوز بشار الأسد بهذه المعركة لكن يبدو أنه لن يخسرها في المستقبل القريب أيضاً.

Syrian-President-Bashar-al-AssadCelebrity-800x1280

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.