د.محمد قاسم: “علم الطاقة” هراء أكاديمي ينتشر في المجتمعات الخليجية

علم الطاقة والعلاج بالطاقة “هراء” يغيّب العقول ولا علاقة له بالعلم أو الطاقة!

مدربو الطاقة يستخدمون العلم والدين والقصص إما لغرض المال أو لإرضاء أنفسهم

نسعى لنشر العلم الصحيح ونعمل جاهدين على تنبيه الناس لمخاطر علم الطاقة

شيخة البهاويد

“المختصون في علم الطاقة يمارسون الخداع الأكاديمي لإيهام الناس بصحة ادعاءاتهم ومزاعمهم، ومن ثم السطو الإرادي على أموالهم تحت وهم العلاج بالطاقة”.. بهذا الاتهام الواضح والصريح أكد د. محمد قاسم، أستاذ الهندسة الإلكترونية والاتصالات والناشط في العربي في مجال العلوم، أن كثيرًا من المواطنين خاصة في المجتمع الخليجي تعرضوا للسقوط في الفخ الذي نصبه “المختصين” في علم الطاقة.

د.محمد قاسم

محمد قاسم

يدير د. قاسم، وهو أستاذ كويتي حاصل على الماجستير من جامعة أوهايو ستيت والدكتوراه من جامعة ساوثهامبتون، بودكاست (برنامج إذاعي على الإنترنت) بعنوان Sciware Podcast يهتم بالشؤون العلمية والتكنولوجية ويقدم في كل حلقة موضوع علمي أو تكنولوجي بالتفصيل وبأسلوب مشوق يجمعها بعد ذلك في موضوع مكتوب ينشر على موقعه الرسمي. وقد اختارته مجلة Nature Middle East المتخصصة في نشر العلوم في الشرق الأوسط ودحض الأساطير، كأحد أهم ست شخصيات عربية ناشطة في مجال العلوم نظراً للنشاط الذي يقوم به من خلال برنامجه ونشاطه لنشر العلوم بأسلوب مشوق ومبسط على شبكات التواصل الاجتماعي. وقد وردت للدكتور قاسم تغريدة مؤخراً حول ما يسمى بـ “علم الطاقة” قال فيها أن كل ما يشاع حول هذا العلم أمر خاطيء، فقادني فضولي للتواصل معه ومقابلته لمعرفة ما الذي يعنيه بهذا الأمر.

يقول قاسم، الأكاديمي الحريص على تدعيم آرائه بمصادر موثوقة، إلى أن مفهوم “علم الطاقة” لا يمكن أن يوصف على أنه “علم” من الناحية العلمية والأكاديمية، كما أنه لا يمكن اعتباره “طاقة”، مؤكدًا أن غالبية المعلومات التي يتم تداولها في هذا الموضوع لا تمت للحقائق العلمية بصلة، بل هي مجرد أوهام كلامية ينخدع بها الناشر والمتلقي على السواء، فكلاهما مخدوع بعلم زائف.

خداع بمصطلحات أكاديمية

قاسم الذي كانت له العديد من الإسهامات في المجال العلمي فحاز على جوائز عدة في ملتقيات العلوم العالمية كما نشر عدداً من البحوث والكتب التي تجمع بين العلم والأسلوب المسلي، يشير إلى أن الخدعة آخذة في التضخم والتمدد مع لجوء بعض “المختصين” في علم الطاقة لاستخدام مصطلحات علمية لإيهام الناس بصحة إدعاءاتهم، ومن ذلك استخدام عبارات كـ “ميكانيكا الكم” أو “فيزياء الموجات” و”الجذب”، وغيرها من المصطلحات الفيزيائية لإيهام الناس بأنهم يتحدثون بلغة العلم، بينما هم في الحقيقة أبعد ما يكونون عن العلم التجريبي الحقيقي. مشيراً إلى أن العلم الفيزيائي الذي يستخدمون مصطلحاته هو بدرجة عالية من الصعوبة والتعقيد والرفعة، ما يجعلهم غير قادرين على استيعاب حقيقته وحقيقة رياضياته المعقدة، لذلك تقتصر جهودهم الخداعية على استخدام مصطلحاتها كحد أقصى.

وعن السبب الذي يدعو أولئك المختصون في علم الطاقة إلى استخدام المصطلحات العلمية، أوضح أن ذلك محاولة لاكتساب قدر من المصداقية لدى الناس، فكل ما نراه حولنا من أجهزة، بناء، طعام، كهرباء، وسائل نقل، طب، علوم، وغيرها، هي أمور تعتمد على منهج علمي عالي الكفاءة… منهج تجريبي علمي ودقيق.. ومن ثم فإن هذه النتائج المحسوسة تجعل من يتحدث بلغة العلم قادرًا على إقناع المستمع بوجهة نظره، حتى وإن كانت زائفة أو خادعة.

وهم الجذب ينتشر خليجيًا

وبسؤاله عن سر انتشار ما يسمى بعلم الطاقة خاصة في المجتمعات الخليجية، أكد أن الناس تبحث عن حل مباشر وسريع وغير مكلف لمشاكلها، ومع كثرة الترويج الإعلامي تتحول فكرة جذب الحلول من خلال الطاقة للتخلص من المشاكل الحياتية إلى فكرة جذابة، فلا يحتاج المرء لأن يجهد نفسه أو يصرف من موارده كي يحصل على ما يريد، بينما هو في بعض الأحيان يصرف الكثير من المال في محاضرات من أجل الوصول إلى درجة وهمية تؤهله لمعرفة كيفية الجذب.

وكشف قاسم عن سبب آخر لانتشار علم الطاقة متمثلا في استخدام أسلوب السرد القصصي، واعتباره دليلا على صحة إدعاءات مختصي علم الطاقة، ويمكن ملاحظة ذلك في أي محاضرة يقدمها من يطلق على نفسه “ماستر علم الطاقة”، إذ نجد أن الطابع القصصي هو الغالب، كمن يقول إنه فكَّر في الحصول على بيت ومن ثمَّ حصل عليه، أو تمنَّى سيارة فإذا بها تصل إلى منزله كهدية، أو أن امرأة أزالت بعض أنواع الأثاث السلبي، وإذ بزوجها يعاملها معاملة حسنة، أو يقلع عن التفكير في الزواج من أخرى، مشددًا على أن هذه النوعية من القصص تؤثر في الناس في حال سردها بأسلوب مشوق، فغالبية الناس يحبون سماع القصص، ومن ثمَّ يتأثرون بها!

وأوضح أن الحياة من حولنا مليئة بالقصص، ننصت لها، ونتأثر بها، وكثيرًا ما نعمل بالإشارات الخفية المخبأة في جوفها، بينما العلم لا يعمل بهذه الطريقة العاطفية، فهو يعتمد على التجربة وعلى تكرارها، ومن ثمَّ استخراج نتائج حقيقية منها، في المقابل فإن علم الطاقة والقصص المنتشرة عنها لا تتعدى كونها قصة سردية شخصية، إن حدثت فعلا للشخص الذي يسردها، فليس بالضرورة أن تحدث لشخص آخر.

الطاقة الوهمية وقانون الجذب

Reiki2

وشدد د. قاسم على أنه لا يوجد في العلم نهائيًا ما يروج له البعض تحت مسمى “طاقة الإنسان”، موضحًا:

“أولا – ومن الناحية المبدئية – هناك طاقات متنوعة في العلم، فعن أي طاقة يتحدثون؟ نحن نعرف أن هناك العديد من الطاقات الفيزيائية المؤثرة، فهل يتحدثون عن الطاقة الكهربائية؟ أم الطاقة الحرارية؟ أم الطاقة الحركية، أو ربما الطاقة الداكنة؟ هل يعرفون عم يتحدثون؟ أم أنهم يتحدثون عن طاقة وهمية وغير فيزيائية؟”

لم يتوقف د. قاسم عند هذا الحد، بل تطرق إلى موضوع قانون الجذب الذي يروج له مدربي الطاقة قائلا: “أي جذب هذا بالضبط؟ نحن نعرف عن الجاذبية والمغنطة والكهرباء الاستاتيكية، والقوة النووية القوية والضعيفة، كلها تقوم بالجذب، لكن أود أن أعرف من مختصي علم الطاقة عن أي من هذه القوى الجاذبة يتحدثون؟ بالطبع لن يجرؤ أحد منهم أن يتحدث عن هذه الأنواع، لأنها كلها معروفة بدقة متناهية ولها قوانين رياضية واضحة، أما ما يروجون له فهو جذب وهمي هلامي لا وجود له إلا في مخيلتهم، وهو لا يقوم على العلم نهائيًا”.

سيجذبوا حافظة نقودك!

وأوضح أنه تابع الكثير من مدربي الطاقة على قنوات اليوتيوب، وأنه يعرف بعض الأسماء اللامعة سواء في المنطقة أو في الغرب، مؤكدًا أن كل ما يقدمونه ليس إلا هراء، ولا يقوم على أي مبدأ من مبادئ العلم، حتى أنهم هم أنفسهم لا يتفقون مع بعضهم في الطرح، فليس لهم منهج موحد ولغة موحدة، ولا حتى اتفاق على ماهية علم الطاقة، وهذه الدرجة من عدم الوضوح سمحت لأشخاص لا علم لهم، ولا يمتلكون شهادات حقيقية، ولا ثقافة في أن يختطفوا عقول وأموال المساكين.

وأضاف أن علم الطاقة لا قدرة له على تغيير شكل بعض أجزاء الجسم أو علاجها، ساخراً بالقول: “علم الطاقة يغيِّر من شكل حافظة نقودك وكمية مال المختصين في علم الطاقة، وذلك بعد أن يجذبوا لأنفسهم ما في جيوب المساكين الذين يبحثون على أدنى أمل لرفع مآسيهم الشخصية”.

تدريبات لطرد العقل!

مواقع "التشاكرا" في جسم الإنسان التي يعتقد أنها مصادر لطاقته

مواقع “التشاكرا” في جسم الإنسان التي يعتقد أنها مصادر لطاقته

وحول مدى فعالية وجدوى التدريبات التي يقوم بها مدربو الطاقة والتي تعمل ـ وفق قولهم ـ على رفع هالة الإنسان للتحكم بالأحداث الحياتيه وجذب الإيجابي منها وإبعاد السلبي أو استخدام الأحجار الكريمة في ذلك، أكد د. قاسم أنه ومن خلال متابعته لعديد من المختصين في هذا المجال وجد أن الـ”ماستر” يقوم ببعض الحركات الرياضية التي تشبه “التاي تشي”، من تحريك يده فوق رأسه، ثم دفع يده إلى الأمام بسرعة أكبر طاردًا من نفسه الطاقة السلبية من خلال “التشكرا” (مصطلح لا يمثل شيء حقيقي وواقعي، ويطلق على سبعة أجزاء وهمية في الجسم يعتقد أنها تشكل مراكز طاقته)، مؤكدًا أن هذا الحركات لا تطرد سوى العقلانية من أذهان الناس. وكذلك بالنسبة للخرز والأحجار الكريمة، هذه لا تُحدث أي تغيير في حياة مستخدميها، وعلى من يدعي أن لها تأثيرًا فليأت بتجربة علمية يثبت بها صحة ادعائه.

وأشار إلى أن القائمين على هذا العلم المزعوم يستغلون أي أسس أرضية صلبة في أذهان الناس، فهم لا يريدون إرباك الناس بالدخول من الشباك، لذلك وجدوا أبواب العلم والدين كأفضل طريق للدخول إلى عقول وقلوب الناس.

ولكن ماذا عن المؤمنين بهذا “العلم” ممن لا يبحثون عن المال بل ينشرون الفكرة بهدف ما يرون أنه “نشر للخير”؟

يقول قاسم “لا يهم إن كان الشخص يقدم الخدمات بمقابل مادي أو أن يقدمها مجاناً، فالأمر كالذي يوزع السجائر على الناس بمقابل أو يوزعها مجاناً، ويخبرهم أن السجائر علاج للأمراض.. فالضرر يتحقق في الحالتين. المشكلة في حالة الذي يقدمها مجاناً هو أنه أيضاً مخدوع، فيعتقد أن ما يقوم به هو عمل خيري”.

توعية مجتمعية

Mohd Qasim

وحول دوره كمتخصص في توعية المجتمع ومن يدفعون مبالغ طائلة لمدربي الطاقة دون انعكاس إيجابي حقيقي عليهم قال قاسم: “أنا شخص واحد، وهناك عدة آخرون، كل منا يعمل على نشر العلم الصحيح، وبين الحين والآخر نقوم بتنبيه وتوعية الناس من مخاطر مثل هذه الأفكار، صحيح أن هناك أفكار جذابة في أطروحات “مختصي” علم الطاقة، وتأتي على شكل أفكار إيجابية ترفع من معنويات الشخص، لكنها تمتزج مع أفكار أكثر خطورة، منها علاج الأشخاص من الأمراض سواء عن طريق الطاقة أو عن طريق أجهزة إلكترونية تعمل على الطاقة، وهذه أحيانا تكلف الناس حياتهم، لأنها تبعدهم عن الأطباء الحقيقين الذي كرسوا سنوات طوال لفهم فسيولوجية البشر من أجل علاجهم. فيتجه المريض إلى مدرب غير مختص في الطب حصل على شهادة وهمية في دورات على مدى عدة أسابيع، ليعالجهم بتمرير يده عليهم”.

ونوه قاسم إلى مثال شهير في هذا الصدد وهو ديبرا هاريسون التي توفيت تحت يد الدكتورة ميري لينش الـ”مختصة” في علم الطاقة، موضحًا أن ديبرا رفضت التوجه للأطباء لإيمانها الكامل بأن العلاج بالطاقة هو الأسلوب الأمثل لعلاجها من مرضها بالسكر، بل إن ديبرا كان هي السبب في وفاة أمها من السرطان قبل وفاتها هي أيضًا، حيث كانت ترفض أن تذهب أمها للعلاج عند الأطباء، ولكن بعد ذهابها إليهم بعد أن اشتد بها المرض اكتشف الأطباء أنها حالة متأخرة من السرطان، حيث لا يمكن علاجها، فكانت أم ديبرا هي ضحية علم الطاقة الأولى، بعد ذلك مرضت ديبرا بالسكر، ونحفت إلى حد كبير، وأصبحت تهذي، وفي المقابل منعتها الدكتورة ميري لينش من التوجه للأطباء، كما منعت الأهل من نصحها، حتى ماتت وهي تحاول علاج نفسها باستخدام أساليب الدكتور ميري لينش التي لم تجدي نفعاً.

وأشار قاسم إلى أن ميري كانت تستخدم المصطلحات العلمية للترويج لعلم الطاقة، فمثلا كانت تدعي “أن الجسم يستطيع أن يغير من حالته ليعالج نفسه، وأن العلاج بالطاقة يعمل باستخدام نظام الإلكترومغناطيسي والذبذبي للجسم عن طريق الانعكاس الذي يعادل الاضطراب، وبذلك يُثبّت التضخم خلال ديناميكيات السوائل، ليرجع التوازن إلى المستوى الذي يتسبب في تكوين جسر يؤدي للصحة والتفاؤل الدائمين”.

وأكد أن من يقرأ هذه الكلمات يستشعر قوة المصطلحات العلمية، لكن من يعرف العلم يعرف أنه ليس سوى هراء.

ويقول قاسم: “أنا وغيري ممن ينشرون العلم الصحيح مدركون لهذه المشكلة، ونعمل جاهدين في تنبيه الناس إلى مخاطر علم الطاقة، ونتمنى أن يشاركنا الجميع بأيديهم وألسنتهم وقلوبهم”.

فهل فعلاً لا توجد طاقة بخلاف تلك التي يراها العلماء؟