في عالم مليء بالأفكار.. هل هناك وجود لـ “الحقيقة”؟

الموضوع مترجم عن مقال للكاتب جورج جونسون في النيويورك تايمز 

منذ خمسين عاماً، حدث ما يشبه ثورة غضبٍ لدى الأمريكان، في الوقتٍ الذي لم يكن الانترنت قد ظهر فيه بعد، وذلك على إثر العدد الأخير من مجلة تايم حينها والذي أثار حفيظة الناس، فلطالما كانت أغلفة المجلة تحمل صور قادة العالم أمثال أنديرا غاندي، وليندون جونسون، إلا أن الغلاف الذي نشر في الثامن من أبريل عام 1966 قد أتى مختلفاً فكان يحمل ثلاث كلمات باللون الأحمر على خلفية قاتمة السواد:

“هل مات الرب؟”

1101660408_400

أرسل آلاف القراء خطابات احتجاج لمجلة تايم وللصحف المحلية، وقام القساوسة بمهاجمة مجلة تايم في خطبهم ووعظهم. إلا أن المقال محل الغضب لم يقلل -كما تصور البعض- من شأن الدين. فقد استند محرر القسم الديني إلى بعض الفلاسفة وعلماء اللاهوت في نقاشه عن تكيف المجتمع مع دور الدين المتضائل في ظل عصر العلمانية والمدنية، خصوصاً في ظل التطور المذهل في مجالات العلوم.

ففي عهدٍ جديد، سار فيه رواد الفضاء على القمر، وأوشكت الأمراض المتفشية على أن تكون في طي النسيان، كان من الطبيعي أن يكون هنالك اعتقادٌ بأن الناس سيبدأون في التوقف عن الإيمان بالأشياء التي يصدقون بها.. فقط لأنهم وجدوا أنفسهم كذلك. فيتنحى الإيمان بثبات تاركًا المجال للأسلوب العلمي بعد وصول البشر إلى فهمٍ أعمق لما هو حقيقيٌ وما هو غير كذلك.

نقاش العلم والاعتقاد

thinking-statue-philosophy

خمسون عاماً قد مضت والحلم الآن قد أوشك على أن يتحطم بالكامل. فالنقاشات ما زالت في نفس المواضيع السابقة: فالخلاف بين المؤمنين بنظرية الخلق والداروينيين لا يزال في أوجه، بل وقد صار أكثر تعقيدًا. لكن الأمر لم يعد يتوقف على المعتقدات الدينية التي لازالت تصر على الحقائق من وجهة نظر المؤمنين بها، بل أصبحت هنالك جبهات عدة، تضطر فيها النظريات العلمية إلى محاولة استيعاب وجهات النظر الشخصية أو الدينية أو غيرها في مسائل علمية بحتة مثل: عدم سلامة لقاحات الأطفال، أو خطر الأغذية المعدلة وراثيًا، بالإضافة إلى النقاش الدائر حول صحة التغيرات المناخية العالمية من عدمها.

يأتي المؤمنون بهذه النظريات مسلحين بعلمهم الخاص الذي جمعوه من أبحاث مجهولة وجدوها على الانترنت، والتي قد تكون غير دقيقة أساسا. حتى أن غوغل قررت أن تعدل من أنظمتها كي يجد الباحث عن كلمات مثل “اللقاح” معلومات طبية موثوقة على قمة نتائج البحث وذلك في سبيل زيادة وعي الرأي العام.

ومع ذلك، فإن تقديم أفضل المعلومات العلمية المتاحة لا يمثل حلًا كافيًا لتغيير آراء البعض، فهم ينكرون الأفكار التي يعتقدون أنها سيئة فيما يمكن رؤيته على أنه رد فعل لجهازهم المناعي النفسي. فأشارت دراسة نُشرت مؤخراً على موقع “تقارير الأكاديمية الوطنية العلمية” (Proceedings of National Academy of Science) إلى أن الطريقة الأفضل للتأثير على معارضي اللقاحات هي استهداف مشاعرهم بقصصٍ وصورٍ عن الأطفال المرضى، مما يثبت أن المشاعر الشخصية تنال ثقة الناس أكثر من آراء خبراء العلم.

وعلى نحوٍ أكثر عمقًا، فإن صفات البشر التي كان يعتقد أنها تحدد سلفاً بشكل بيولوجي باتت تعامل مؤخرًا على أنها ذات بنية مجتمعية قابلة للتغير وليست أمراً جينياً ثابتاً. فمثلًا، تصر إحدى الناشطات على تصنيف نفسها كأمريكية سوداء على الرغم من ولادتها ببشرة بيضاء، بينما يعطي فيسبوك مستخدميه حرية تصنيف أنفسهم من بين 56 نوعًا، من بينها المتحولون جنسيًا، أو الذين يصنفون أنفسهم على الهيئة التي ولدوا عليها – كأغلب الناس.

حتى الحالات التي كانت تُصنف على أنها أمراضًا أصبح يعاد تعريفها الآن من جديد. فبينما يتهم بعض الآباء اللقاحات بأنها السبب في إصابة الأطفال بالتوحد، مستندين على أبحاثٍ غير دقيقة علميًا، يحتوي الآخرون هذه الحالة التي يعتبرونها إحدى الصور الطبيعية للوجود الإنساني، مطالبين بنوعٍ جديد من حقوق المساواة تحت اسم “التنوع العصبي” (Neurodiversity) وهو ما لاقى ترحيباً كونه خطوة في مسار التطور الإنساني خصوصاً لمرضى التوحد المصنفين على أنهم يمتلكون ذكاءً مرتفعاً.

لا توجد حقائق بل وجهات نظر

وبإلقاء نظرة من الأعلى، ستجد أن العالم أصبح على شفا التسليم بأنه لا يوجد ما يسمى بالحقائق، بل هي مجرد وجهات نظر تصارع وجهات نظرٍ أخرى. وفي هذه الحرب المعرفية، يُتهم أولئك الذين يمتلكون القوى بأنهم يفرضون وجهة نظرهم الخاصة حول الواقع على الآخرين، تاركين الضعفاء ليحاولوا الدفاع عما يؤمنون به من خلال صياغته بشكل متجدد، فقد أصبح كل شيء وجهة نظر.

تتبادر أفكار كهذه إلى الذهن عند التأمل في مشهد تظاهرات السكان الأصليين لهاواي وهم يواصلون مطالبتهم بإلغاء بناء مرصد فلكي جديد على قمة جبل مونا كيا ظنًا منهم بأن ذلك سيدنس المكان الذي ولدت فيه البشرية من قبل السماء (التي تمثل الأب) والأرض (التي تمثل الأم) بحسب اعتقاداتهم، وقاموا بتنظيم احتجاجات على هامش المؤتمر السنوي للاتحاد العالمي للفلك في هونولولو.

أحد الباحثين الشباب في مجال الأنثروبولوجي (علم الإنسان) خاطبني مؤخرًا، متحدثًا بلهجة ما بعد الحداثة وهو يخبرني بأن العلم ليس إلا أداة أخرى في يد الآلة الاستعمارية الغربية التي تستخدمها لفرض هيمنتها الثقافية وتهميش ما لا تراه صحيحًا، فتزكي بذلك رؤيتها للعالم.

ووفقًا لهذه الرؤية، فإن العلم لا يكتشف المعرفة، بل “يصنعها” وكأنها سلعة تُسوق.

يمثل الإيثار والتعاطف مع مشاعر الآخرين أفضل ما في الطبيعة الإنسانية. ومن الجيد أن نواجه الرؤى الجامدة والعقائد الراسخة باستمرار، إلا أن ذلك لا يأتي دون التضحية من خلال إعلاء وجهات النظر فوق الافتراضات التي تقنعنا بأن ما يجري أمامنا هو “الحياة الحقيقية”.

إن مدى الاعتقادات المرتبكة يزداد اتساعًا كلما زاد تحرر الانترنت، لكنها في الوقت ذاته تقوم بتوسيع مدارك العقول، فاتحةً الطريق أمام العديد من النقاشات التي تجبر الناس على أن يذهبوا بعيدًا بأفكارهم ومعتقداتهم، ومن جانب آخر فإنها قد تحبس الناس في فقاعات ذات فهم حاد للأفكار وذلك نتيجة اتجاههم للقراءة والتحليق في دائرة مغلقة من الأفكار.

في النهاية، فإنك مجبراً لأن تتساءل إن كنت محبوساً بالفعل في فقاعتك الفكرية وأنك لست مجرد رهينة، بل مروجاً كذلك لكل ما في تلك الفقاعة تحت مسمى “العلم”، لتمنح أوهامك الخاصة معنى أكبر فتسميه “الحقيقة”.

المصدر: The New York Times

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.