ثقافة اليهود العرب: حبيب قلبي.. أغنية يمنية تتربع على قمة الأغاني في إسرائيل

طوال الصيف كانت الشوارع والبارات في تل أبيب تصدح بلحن غير مألوف لأغنية باللهجة اليمنية، غنتها ثلاث شاباتٍ على وقع أنغام الدربكة الصاخبة. حيث تمكنت أغنية “حبيب قلبي” التي أدتها ثلاث شقيقات إسرائيليات من أصول يمنية من تصدر قائمة الأغاني الأكثر شعبية في إسرائيل محطمة كافة التوقعات. كما انتشرت الأغنية على نطاق واسع في الخارج، حيث حصل فيديو الأغنية على مليون ومئتي ألف مشاهدة واجتذب الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء الشرق الأوسط.

يعود لحن الأغنية المميز إلى جدة الشقيقات اليمنيات التي ولدت في مدينة إب اليمنية، لكنها انتقلت للعيش في إسرائيل عام 1949، وكانت الجدة قد علمت حفيداتها الثلاث تاير وليرون وتاغل العديد من الألحان اليمنية القديمة.

كانت هذه هي المرة الأولى في تاريخ إسرائيل التي تتصدر فيها أغنية عربية قائمة الأغاني الأكثر شعبية، وقد تردد صدى الأغنية في البلدان المجاورة المعادية لإسرائيل، مما جعل الخبراء يتساءلون إن كانت هذه الأغنية مؤشرا لحدوث تمازج ثقافي وسط المشهد السياسي القاتم في المنطقة.

تأثير الثقافة العربية

yemni sisters

ولدت الشقيقات الثلاث في قرية صحراوية صغيرة في وادي عربة شمال إيلات، وشكلن فرقة “ايوا” وبدأن بغناء الأغاني اليمنية في سن مبكرة. وتحدثت الأخت الكبرى، تاير، لموقع “Middle East Eye” قائلة أن عائلتها تستمع لأنواع عديدة من الموسيقى لكن أبرزها الموسيقى اليمنية، فهي أغان حاضرة في أفراح الزفاف واحتفالات الحناء وغيرها، وتكمل:

“كانت الموسيقى اليمنية شيئا مميزا جدا بالنسبة لنا، فهي تنبض بالمشاعر. أذكر أني كنت في الخامسة من عمري عندما سمعت الموسيقى اليمنية لأول مرة في احتفال الحناء الخاص بعمي. وكانت المغنية تستخدم علبة صفيح كطبلة، لكن صوتها كان رائعا لدرجة أني بدأت بتقليدها”

منذ ذلك الحين بدأت تاير بالغناء على الطريقة اليمنية وسرعان ما تبعتها شقيقاتها الأصغر سنا. وغالبا ما تجلس العائلة بكاملها لتشاهد الفيلم العربي الأسبوعي الذي كان يعرض على التلفزيون الإسرائيلي في الستينات والسبعينات، وتعلمت الأخوات تدريجيا أنواعا أخرى من الموسيقى العربية.

وتقول ليرون الشقيقة الوسطى بأنهن كن يستمعن للأغاني في الأفلام العربية ويقلدن أيضا الرقص الشرقي وكن يحببن ذلك. وعلى الرغم من تشويه سمعة اللغة والثقافة العربية بشكل واسع في المجتمع الإسرائيلي منذ إنشائه عام 1948، إلا أن ليرون أشارت أنهن نشأن على الموسيقى والأغاني العبرية والعربية، ولم تكن العربية لغة أجنبية بالنسبة لهن.

التزاوج العبري العربي

أغنية حبيب قلبي من الأغاني التقليدية التي تغنيها النسوة في اليمن بالعربية، في حين أن الموسيقى اليمنية اليهودية الأكثر شهرة هي التراتيل الدينية بالعبرية. هناك الكثير من المطربين الإسرائيليين من أصول عربية، لكنهم لم يغنوا بالعربية بل قاموا بترجمة الأغاني التقليدية التي أتوا بها من مواطنهم الأصلية إلى العبرية، أو استخدموا ألحانا دينية عبرية الأصل.

بالنسبة للشقيقات اليمنيات فالغناء بالعربية بدا لهن أكثر واقعية، ولم يفكرن يوما في ترجمة الأغاني. كل ما أردنه هو أداء الأغاني كما هي وإعطائها بصمتهن الخاصة. وبعد إطلاق أغنية حبيب قلبي في الربيع الماضي وانتشارها المذهل ستقوم الفرقة بطرح ألبومها الأول قريبا.

وتوضح ليرون “نحن ثلاث شقيقات نغني الموسيقى اليمنية، وهذا أمر نادر في إسرائيل، أن تغني شابات هذا النوع من الموسيقى الذي بات مقصورا على الاجتماعات الخاصة والنساء الكبيرات في السن، لكننا أعطينا الأغاني صبغة عصرية لجذب انتباه الجيل الشاب لها”.

yemni sisters2

التاريخ المضطرب للثقافة العربية-اليهودية في إسرائيل

قد تبدو القصة بسيطة، قيام فتيات بإحياء أغاني جدتهن، لكن ما يكمن وراءها هو تاريخ مظلم من قمع الثقافة العربية في إسرائيل. فالمجتمع الإسرائيلي ينقسم إلى الإسرائيليين الشرقيين حوالي 50% وهم اليهود الذين تعود أصولهم لدول عربية كاليمن والمغرب والعراق مقارنة بـ 30% من الأشكناز ذوي الأصول الأوروبية. و 20% المتبقية هم من الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية.

لم يكن النجاح التجاري لأغنية عربية أمرا مسلما به، رغم أن غالبية السكان تتحدث العربية بغض النظر عن الدين. لكن السبب وراء الصعود الباهر لهذه الأغنية هو منع الموسيقى الشرقية في الراديو الإسرائيلي لعقود، كنوع من القمع الثقافي.

فبعد إنشاء دولة إسرائيل عام 1948 وصل إليها ما يقارب 700 ألف يهودي عربي في هجرة طوعية أو نتيجة اضطهادهم في بلدانهم الأصلية ردا على طرد الإسرائيليين للفلسطينيين من ديارهم. مما جعل الحكومة الإسرائيلية تسعى لإزالة تعريبهم وزجهم في قوالب أوروبية باعتبارها سمة الثقافة الإسرائيلية العبرية. وتضمنت هذه العملية إجبار المهاجرين على تبني اللغة العبرية.

Yemenite family

وتحدث يوري هورش وهو لغوي إسرائيلي يدرس العلاقة بين اللغتين العربية والعبرية، أنه ونتيجة للقمع اللغوي في تلك الفترة فقد توقف الكثير من اليهود العرب عن التحدث بالعربية، وتحاشى أبناؤهم التحدث بها أيضا باعتبارها لغة أعدائهم.

يحفل التاريخ بالعديد من النماذج لامتزاج الحضارة العربية بالتراث الإسلامي والمسيحي وحتى اليهودي، إلا أنه ومع تصاعد الحركة الصهيونية وفكرة الدولة اليهودية نشأ خط فاصل بين اليهود والعرب. في هذا المناخ أصبح الحفاظ على الهوية “اليهودية العربية” أمرا صعبا، ورفض العديدون من الجيل الأول من المهاجرين تعليم لغتهم الأصلية لأبنائهم.

وفي السبعينات بدأت قبضة الاحتكار الأشكنازي (اليهود ذوي الأصول الأوروبية) للثقافة الإسرائيلية بالتراخي، فأخذت موسيقى اليهود الشرقيين تجد لها مكانا عبر موجات الإذاعة بعد أن كانت مقصورة على التجمعات الخاصة لعقود. ولكن هذه الأغنيات كانت دائما باللغة العبرية. ورويدا رويدا بدأت موجة استكشاف الجذور الثقافية تنمو لدى الجيل الثاني من الإسرائيليين، وفي أواخر الثمانينات بدأ بعض الفنانين الإسرائيليين بالغناء بالعربية وكانت عفرا حزه أشهرهن وهي فنانة يمنية أعادت للحياة أغان قديمة كادت أن تضيع مع موت الجيل الأول وفقدان الجيلين الثاني والثالث للهوية العربية.

في الشرق الأوسط ولكن ليس من الشرق الأوسط؟

وحتى بعد انحياز الاسرائيليين نحو اليمين في بداية التسعينات وتزايد وحشية ممارسات نظام الاحتلال والفصل العنصري ضد الفلسطينيين، فإن الثقافة الشعبية الإسرائيلية كانت تنجذب بشكل متزايد نحو الطابع الشرق أوسطي.

ويصف هورش الوضع بأنه غير طبيعي، فالإسرائيليون يدركون أنهم في الشرق الأوسط وأن نصف اليهود هم من أصول شرق أوسطية، لكنهم في المقابل يعتبرون أنفسهم دولة غربية ويشبهون الأوربيين أكثر. ويشير هوش إلى أن نجاح أغنية حبيب قلبي يشير إلى حقيقة أكثر قتامة حول العنصرية في المجتمع الإسرائيلي. وفيما يزداد توجه اليهود الشرقيين نحو ثقافاتهم التاريخية فإن هذا لا يشير إلى انتشار أجواء التسامح.

ويعقب هورش بأن هناك تحولا بين اليهود، ففي الخمسينات والستينات كانت النخبة الأشكنازية تتعامل مع اليهود الشرقيين بفوقية وتعالٍ، لكن اليوم غدا من المحرمات الإساءة بشكل عنصري لأي يهودي. هذا لا يعني اختفاء العنصرية من الشارع لكنها لم تعد موجودة تقريبا في الخطاب العام. على عكس العنصرية تجاه الفلسطينيين أو المسلمين أو كل ما هو غير يهودي. كما أن التعامل بعنصرية ومضايقة الفلسطينيين في المجتمع الإسرائيلي يعد أمراً مرحب به.

حقائق اقتصادية قاتمة تواجه اليهود الشرقيين

وتصرح سمادرا لافي، وهي ناشطة نسوية من اليهود الشرقيين وتعمل كباحثة في جامعة كاليفورنيا، أنها تحس بمشاعر مختلطة فيما يتعلق بالازدهار الحالي في الثقافة الشرقية. فاليهود يعيشون إنكارا تاما لما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي الوقت ذاته تشهد الثقافة اليهودية العربية صحوة بين اليهود الشرقيين، عقب عقود من الاضطهاد من قبل الحكم الأشكنازي. وللمفارقة فإن هذه النهضة تترافق مع تصويت غالبية اليهود الشرقيين للأحزاب اليمينية المتطرفة!

وتبين لافي أن ظاهرة استخدام اللغة العربية من قبل الشرقيين كنوع من المقاومة الثقافية بعد عقود من القمع، تعمق الوضع الشرقي-الشكنازي فيما يخص السيطرة على الحكومة، وفي الوقت ذاته يستمرالمشروع الصهيوني للاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأراضي مع عدد أقل من السكان غير اليهود دون توقف. وتشير إلى أن السماح بممارسة الثقافة العربية لا يعدو كونه آلية تخدير. حيث يستمر تجنيد اليهود الشرقيين في الحروب الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين، وبذلك تلهيهم عن محاربة العنصرية داخل المجتمع اليهودي. فالثقافة آمنة وناجحة طالما بقيت في إطارها المحدد ولا تمس العلاقات الإسرائيلية العربية. وهذا يسمح لإسرائيل بالادعاء بالتسامح وتعدد الثقافات في مجتمعها بينما تمارس التعتيم حول حقيقة خططها السياسية.

وفيما تشعر لافي بالسعادة كون ثقافة الشرقيين تغلغلت إلى معاقل الأشكناز إلا أنها تؤكد أن ذلك في نهاية المطاف لا يؤدي لأي تحسن في الحياة اليومية لغالبية اليهود الشرقيين. فالليبرالية الجديدة في إسرائيل تفيد النخب الأشكنازية الصناعية والإدارية. فيما الهوة الطبقية آخذة في الاتساع كما تزداد صعوبة تحقيق الاستقرار السكني والغذائي للكثير من الأسر الشرقية. أما الشعر والألحان العربية التي يغنيها الشرقيون فلا تقدم حلا لهذه المشكلات.

وبجانب الاضطهاد الثقافي، فاليهود الشرقيين صُنفوا في أدنى درجة في المجتمع الإسرائيلي اليهودي منذ وصولهم إلى إسرائيل، حيث أجبروا على العيش في أطراف المدن النامية أو في غيتوهات وحرموا من حقهم في الحصول على الوظائف والتعليم.

وحتى اليوم فإن نسبة العاطلين عن العمل بين اليهود الشرقيين خمسة أضعاف تلك لدى الأشكناز وأقل من نصفهم يتمكن من الالتحاق بالجامعة. كما أن معدل الدخل لدى الشرقيين هو أقل بمقدار الثلث عن نظرائهم الأشكناز.

وبالنسبة للافي فإن الوقائع الاقتصادية وستة عقود من العنصرية المؤسساتية ألقت بظلالها على أي حديث حول “صحوة الشرقيين” الذي قد يستلهم من نجاح أغان مثل “حبيب قلبي”.

بالرغم من السياسة يبقى التواصل الثقافي العربي قائما

وبرغم وضوح مبررات التشاؤم، إلا أن البعض لا يفقدون الأمل.

فيقول تيد سويدنبرغ، وهو عالم أنثروبولوجيا (علم الإنسان) من جامعة أركنساس وقد درس علاقة الموسيقى الإسرائيلية بالعالم العربي، أن نجاح الإغنية يعد أمراً مثيراً. كما أن صعود أسهم فرقة “ايوا” -بالرغم من حقيقة مرور سبعين عاما على السياسات الفظيعة والعنف- يدل على أن الروابط الثقافية بين الإسرائيليين الشرقيين والعالم العربي لا تزال قائمة. ويضيف سويدنبرغ:

“علينا الحذر من إمكانية عدم تغير السياسات، لذلك فإن على الجميع عدم المبالغة في تقدير الأمل الذي بعثه نجاح هذه الأغنية”

الغريب في الأمر أن اللغط الدائر في وسائل الإعلام حول الفرقة ركز على أن فرقة إسرائيلية حققت نجاحا في العالم العربي، وحتى أنها ذهبت أبعد من ذلك للاعتقاد بأن الشباب العرب يميلون باتجاه إسرائيل.

singing

لكن بالنسبة للشقيقات الثلاث فإن نجاحهن حول العالم كان نعمة مكنتهم من التواصل مع عالم أرحب. وتقول تاير “الناس الذين يشاهدوننا وأحبونا لا يعرفون من أين نحن. حتى أن أشخاصا من بلوشستان تواصلوا معنا وسألونا إن كنا من البلوش لأننا كنا نرتدى ملابس تشبه تلك التي ترتديها نسوة بلوشستان”.

وتعقب “يسألنا الناس هل أنتم من اليمن أم إسرائيل؟ لقد أحببنا الغموض الذي يلف الموضوع، لأن التركيز أصبح على الموسيقى وهذا هو المهم في الموضوع.. نحن نمثل كل الناس. الموسيقى بريئة من السياسة وهي لغة يفهمها الجميع وهذا سر جمالها”.

المصدر: Middle East Eye

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.