الأدب العربي في الغرب: علاقة ملتبسة

مع مرور 14 عامًا على أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وبرغم كثير من الانتقادات الموجهة إليه، اكتسب الأدب العربي خلال السنوات الأخيرة مكانة أبرز لدى القارئ الغربي، وباتت روايات لمؤلفين عرب تصل إلى قُرّاء جُدد في الغرب أكثر من أي وقت مضى.. لاسيّما مع ترجمة العديد من المؤلفات العربية إلى لغات عالمية تتصدرها الإنكليزية والفرنسية.. الأمر الذي يفتح مسارًا للتساؤل حول أي مستقبل ينتظر الأدب العربي مع تزايد خطوط اتصاله بالغرب؟

في هذا الصدد، استعرضت جلسة نقاشية ضمن فعاليات مهرجان “شُبّاك” (Shubbak) الذي أقيم أخيرًا في العاصمة البريطانية لندن، عواقب الانفتاح على الغرب بالنسبة لأولئك المؤلفين ولقُرّائهم؟ ومدى تاثير وجود قاعدة أوسع من القراء غير العرب على الطريقة التي يكتبُ بها المؤلفون العرب؟ وكيف يُسهم اختلاف جمهور القُرّاء في تغيّر التصورات إزاء تلك الأعمال الأدبية – ناهيك عن اختلاف الناشرين في الدول المختلفة؟

“عندما كُنتُ طالبًا، كانت كتابات نجيب محفوظ ونوال السعداوي هي المؤلفات الوحيدة تقريبًا المُترجَمة والمتاحة في المكتبات”

بهذه العبارة بدأ مداخلته الكاتب البريطاني من أصل سوري روبن ياسين، واستطرد قائلًا: ٍٍٍٍٍ”أما الآن، فعندما تُلقي نظرة على موقع Amazon يبدو فجأة أن هناك الكثير من المؤلفات العربية، كما أن هناك كل هذه الفعاليات – كالمهرجانات الثقافية العربية وما إلى ذلك”.

طرق مختلفة لاستخدام الكلمات

The_Edinburgh_International_Book_Festival_is_vibrant_in_the_evenings_gallery_detail

وأثارت الجلسة النقاشية سؤالا محوريًا: ما الذي يجعل غير العرب يهتمون بالأدب العربي؟

وأجابت على هذا السؤال مارشيا لينكس كويلي، التي تدير موقع arablit، بقولها: إن القراءة حُرّية وإن القراءة خارج نطاق تراثها الثقافي تُعرِّضها ليس فقط إلى وجهات نظر متنوعة بل أيضًا إلى طريقة مختلفة لبناء الأدب، مضيفة بالقول: “الأدب العربي لديه 1500 سنة من الطرق المختلفة لاستخدام الكلمات”.

لكن ليس كل أعضاء جلسة النقاش نظروا إلى الأمر بتلك الطريقة المثالية. فليس هناك شكٌ في أنّ أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما أعقبها من اضطراب في منطقة الشرق الأوسط قد أسهم في تحفيز الاهتمام الغربي بالأدب العربي، حتى وإن لم يكن ذلك الاهتمام بسبب خصائصه الأدبية بل بسبب ما وصفه الشاعر والروائي العراقي سنان أنطون بأنه “اهتمام جنائي الدافع” – أي قراءة الأدب العربي كمحاولة “للدخول إلى العقل العربي”.

وقد أعرب أنطون عن استيائه بوضوح إزاء ذلك الأمر، إذ أنه قد يؤدي بالتأكيد إلى نوع من “الاستشراق الجديد” (neo-orientalism) أو إلى “إهتمام شهواني داعر” كما وصفه دانييل نيومان، أحد أعضاء الجلسة النقاشية.

لكن هل هذا أمر سيء بالضرورة؟ فالناطقون بغير العربية لا يمكن في واقع الأمر أن نتوقع منهم أن يتذوقوا النقاط الأجمل في الأدب العربي – إذ أن جزءًا من قوته اللغوية محكوم عليه بأن يضيع في الترجمة – لذا فإنه من المرجح لهم أن يركزوا على جوانب أخرى، بما في ذلك ما يكشفه ذلك الأدب من جوانب غير معلومة عن المجتمع العربي. وفيما قد تعطي بعض الكتب نظرة مشوهة للمجتمعات العربية، إلا أن هناك كتبًا أخرى قد تحمل صفة تنويرية. فمن المؤكد أن كُتبًا مثل رواية علاء الأسواني “عمارة يعقوبيان”، على سبيل المثال، تجعل مصر مفهومة أكثر لمن يعيشون خارجها.

هل تعبِّر الترجمات عن الأدب العربي؟

نوال السعداوي

نوال السعداوي

كما أثارت الجلسة سؤالًا آخر أكثر إثارة للقلق وهو: إلى أي مدى يعتبر ما يتم اختياره من كتب ومؤلفين للترجمة معبرًا عن الأدب العربي ككل؟

وفي هذا السياق فإن اسم نوال السعداوي (عمرها الآن 85 سنة) برز مرات كثيرة نسبيًا خلال جلسة النقاش. ففي الغرب، أصبح اسم السعداوي مرادفًا للحركة النسويةً العربية، وبالنسبة إلى روبن ياسين-كساب فإن “حقيقة كون جميع مؤلفاتها تقريبًا تمت ترجمتها تشير إلى أن أعمالها انسجمت تمامًا مع العقل الغربي”.

ويتفق معه في الرأي سنان أنطون موضحًا أن هذه العينة من الكتابات العربية لدى القارئ الغربي لا تعبر بالضرورة عن فكر وكتابات المؤلفين العرب جميعًا، موضحًا: “نوال السعداوي كانت مهمة لجيلنا عندما كنا مراهقين. والمشكلة، كلما رأيت كتب أو اسم السعداوي في مؤتمر، هي أنه خلال السنوات الـ35 الماضية كان هناك على الأقل 35 كاتبة وناشطة شجاعة في مجال الحركة النسوية من العالم العربي، إلا أن أيًا منهن لا تحصل على الوقت أو المساحة الكافية للظهور. لقد كانت وجهات نظر السعداوي مهمة في السبعينيات، لكنها بصراحة أصبحتْ الآن مثيرة للمشاكل وتبسيطية بل وحتى سخيفة”.

كيف يتم اختيار ما تتم ترجمته؟

وعلى الرغم من أن المؤلفين العرب يتعين عليهم غالبًا أن يتجادلوا مع الرقابة في أوطانهم، فإنه في ما يتعلق بترجمة أعمالهم يتعين عليهم كذلك أن يجتازوا عقبات أيديولوجية وربما ثقافية أيضًا في عملية الاختيار.. وهذا ما رصده دانييل نيومان، الذي يرأس قسم اللغة العربية في جامعة درهام، من خلال اتجاهات عدة في أنماط الكتب (العربية) التي يتم ترجمتها ونشرها في العالم الناطق بالانكليزية. ويقول نيومان: “هناك عدد كبير من المؤلفات، وهناك قدر كبير من الأدب السياسي تمثل اتجاهات متعددة، لكني أعتقد أن الناشرين الأجانب بشكل عام – وهناك استثناءات طبعًا– يحاولون أن يوجهوا أنفسهم نحو انطباع معين إزاء ما ينبغي أن يكون عليه الأدب العربي”.

Book Market

وأحيانًا، يلعب المترجمون دورًا في عملية الاختيار هذه، تماماً كما تلعب الانتقائية الرمزية (tokenism) دورًا.. فالناشرون قد يقررون أنه يتعين عليهم أن يكون لديهم روائي ليبي مثلا على قوائمهم، لكنهم ما أن يجدوا واحدًا فإنهم لا يريدون المزيد.

وإحدى نتائج ذلك أن الكُتّاب العرب المحظوظين بما فيه الكفاية ممن تترجم أعمالهم يمكن أن يصبحوا مشهورين في الغرب بينما يبقى الكتاب المغمورين نسبيًا في منطقة الشرق الأوسط دون أن يعرفهم العالم.

برغم ذلك، لا ينبغي إلقاء اللوم على الناشرين الغربيين وحدهم، بحسب ما يراه أنطون الذي اشتكى مما سماه “خلجنة الثقافة العربية”، حيث أن دولًا خليجية – خاصة الإمارات وقطر – تنفق أموالًا طائلة في سبيل الترويج لكتب تعتبر في رأيه “ليست بالضرورة أفضل أعمال أدبية يمكن أن توجد باللغة العربية”.

كتابات غربية بأقلام عربية!

وفي موازاة الأدب العربي الذي تتم ترجمته، هناك حاليًا كيان متزايد من الأدب المكتوب باللغة الانكليزية أو العربية بأقلام كُتّاب من أصول عربية، ويعيش معظمهم في الغرب. وبعضهم يفعلون ذلك لأنهم يكونون أقل ارتياحًا عندما يكتبون باللغة العربية، بينما يفعل ذلك آخرون لأنه قد يكون مربحًا أكثر.

ومن بين الأسئلة المهمة حول هذا النمط من الأدب – مع أنه سؤال لم يتم سبر أغواره تفصيليًا خلال جلسة النقاش – هو أنه إلى أي مدى يمكن اعتبار هذا النوع من الكتابات أدبًا “عربيًا”. فعلى سبيل المثال، نوهت مارشا لينكس كويلي إلى أن الكاتبة أهداف سويف “كتبت روايات رائعة باللغة الانكليزية للناطقين بها. أما الروايات المكتوبة باللغة العربية فإنها تنبع من تراث آخر”.

لمن يكتبون؟

ووصلت الجلسة إلى سؤال جوهري: من هو الجمهور الذي يكتب له الكُتّاب العرب؟ وإلى أي مدى ينبغي أن يذهبوا في ما يتعلق بمواءمة أعمالهم لتتناسب مع حساسيات مختلف جماهير القراء، بمعنى أنه إذا أرادوا أن يكتبوا بشكل انتقادي عن المجتمع العربي، فهل يتعين عليهم أن يقلقوا بشأن مخاطر تأكيد الأفكار النمطية والمفاهيم المغلوطة الشائعة في المجتمعات وفي أذهان القراء؟

Salma Al Dabbagh

سلمى الدباغ

عضو جلسة النقاش سلمى الدباغ قالت إنها تصارعت مع مثل هذه المشكلة بينما كانت تكتب رواية “غزة تحت الجلد” والتي (تُرجمت إلى الانكليزية بعنوان “Out of It“)، وتدور أحداثها خلال فترة الانتفاضة الثانية.

وقالت الدباغ: “كانت هناك قضايا واضحة في المجتمع الفلسطيني، كالاقتتال الداخلي بين حركتي فتح وحماس مثلًا. ولم أكن أعلم ما إذا كان باستطاعتي أن أتعرض لتلك القضية لأنها كانت قضية هائلة جدًا في الوقت الذي كنت أكتب فيه الرواية. وقد شعرت بأن تجاهلها كان أمرًا يفتقر إلى روح المسؤولية بطريقة ما”.

وأكدت الدباغ أن العديد من الفلسطينيين نأوا بأنفسهم آنذاك عن السياسة من منطلق شعورهم بالإحباط إزاء الكيفية التي تعامل بها معهم أناس آخرون في داخل الحركات السياسية. وتابعت قائلة: “من المهم حقًا أن تجعل شخصيات روايتك قابلة للتصديق. ينبغي أن تكون لديهم نقائص كما ينبغي أن يكونوا في مواجهة مختلف أشكال الضغوطات النفسية التي يواجهها الناس الذين تعرفهم. هناك الكثير من الشخصيات الفلسطينية في الأعمال الأدبية ممن يعتمرون الكوفية ويمتشقون أسلحة الكلاشينكوف وهذا رمز للبطولة متوقع نوعًا ما”.

وأوضحت الدباغ أنها وخلال مرحلة بدايات كتابة الرواية، حجبت عن ذهنها تمامًا فكرة من الذي سيقرأها، بينما تشاورت خلال مرحلة المراجعة والتحرير مع أناس آخرين وصفتهم بأنهم “الناس الذين توقعتهم فعلًا”.

المصدر: Al-Bab

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.