مصر: لعبوها صح اللي بطلوا يتكلموا في السياسة

محمود جمعة العريني

هل تتذكر وائل غنيم؟ هل تفتقد برنامج باسم يوسف؟ متى آخر مرة شاهدت حديثاً للبرادعي على قناة مصرية؟ هؤلاء رحلوا بحجة التضييق عليهم وعدم رضاهم عما يحدث، لكن أنت ما زلت هنا ترى كل شيء وتُشاهد عن بعد لأن القرب في تلك الحالة قد يضر نظرك بشكل كبير.

منذ أيام قليلة كتب محمد البرادعي تغريدة على موقع تويتر يقول فيها:

“لنتذكر: كانت الدعوة منذ ٢٠١٠ لمقاطعة الانتخابات البرلمانية والرئاسية والاستفتاءات وغيرها من صور الديمقراطية الشكلية وسيلة فعالة للتغيير”

يُحدثنا البرادعي الآن من خارج البلاد بتغريدة لنتذكر، لكن ما الذي يمكننا تذكره بالتحديد وماذا نفعل بعد أن نتذكر؟ سؤال يستحق التفكير بعد عزوف واضح عن المشاركة السياسية في الشارع المصري، خاصة بين الشباب الذي لم يجنِ أحد منهم أي ثمار للثورة، لم يروا سوى بعض الرموز الثورية يفرون خارج البلاد لعدم تحملهم الأوضاع، والبعض الآخر داخل أسوار السجن، وحياة عوام الناس لا تتحمل هذين الخيارين.

The Road to Tahrir01

قبل الحديث عن مدى إهتمام الناس بالسياسة في الشارع المصري، لابد وأن نتأمل الفجوة التي اتسعت كثيراً بين الشباب والرموز الثورية والسلطة، كل منهم يُحلق في فضاء خاص به ولا يسمح لغريب بالدخول مهما كانت نواياه.

نذكر بعض الإئتلافات الشبابية التي خرجت من رحم ثورة يناير، ولم تُحقق شيئاً بسبب إختلاف أيديولوجياتها وعدم وجود خطة واضحة لأي منها، وليس من الصعب علينا معرفة مصائرشباب كثيرون كانوا وهج الثورة، فمنهم من أصيب أو قتل ومنهم من داخل السجن الآن، وأيضاً من ابتعد  وتوقف تماماً عن استكمال مسيرته، كوائل غنيم على سبيل المثال الذي ذكر في بيان على صفحته على “فيسبوك” إنه اتخذ في “3 يوليو” قراراً بـ:

“الابتعاد عن المشهد السياسي بعد أكثر من عامين ونصف العام من محاولات دفع مصر إلى المستقبل، الذي أتمناه لها كأحد شباب هذا الوطن، وبعد أن باءت كل محاولاتي بالفشل، وذهبت تحذيراتي ونصائحي أدراج الرياح لحقن دماء المصريين، اتخذت قرارا بالابتعاد، حتى لا أكون طرفا في فتنة يراق فيها الدم المصري، وتضيع فيها الحقوق”

6 april

في الوقت ذاته، أصدرت السلطة هي الأخرى قانون التظاهر وبعده قانون الإرهاب، حيث تم اعتقال عدد كبير من الناشطين السياسيين مثل علاء عبد الفتاح وأحمد ماهر وغيرهما وأقيمت دعوى قضائية طلب فيها إدراج حركة “6إبريل” جماعة إرهابية واعتبار كل من ينتمي لها أو عضو بها “إرهابي” ، وذلك بعد صدور حكم بوقف وحظر أنشطتها والتحفظ على مقارها.. تتابع كل هذه الأمور يجعلنا ندرك أن الفجوة تتسع وتنمو بشكل متزايد.

في مثل هذا المناخ، هل يحق لأحد أن يتحدث عن شيء؟ ربما الأولوية الآن لأي مواطن مصري بسيط هي العيش بسلام محافظاً علي وظيفته وأسرته والإبتعاد عن مجرد التصريح برأيه الذي قد يأتي بعواقب وخيمة.. في حين أننا نرى من لهم صوت وكلمة هم أيضاً محصورون، حتى على المستوى الإعلامي رأينا جميعاً أزمة برنامج باسم يوسف واستسلامه لواقع الأمر، على الرغم أنه كان بإمكانه أن يعود لتقديم برنامجه عبر اليوتيوب مثلما بدأ، الخطوة التي كانت ستعطي له مصداقية كبيرة لدى جمهوره لكنه قرر الإبتعاد والصمت.

العوام والسياسة

cairo coffee shop

لعل الفقرات السابقة تشرح لك الآن مدى اهتمام العوام بالسياسة، مدى حراكهم وحدود نقاشاتهم عما يتناولوه من أخبار أو تحليلات يومية، أصبح الوضع مُعقداً حيث يعلم الجميع أن مصر تمر بمرحلة هامة وشائكة من خلالها سنعرف الكثير عن القادم وما يحمل لنا من تطور أو تدهور. ويُمكنك التأكد من ذلك حين يقودك القدر وتركب تاكسي يكون سائقه لديه طاقة للحديث حول البلد ومرافقها وما إلى ذلك ثم يصمت فجأة أو تجلس على أي مقهى وتسمع أحاديث الناس التي عادت بشكل طبيعي لما كانت عليه قبل ثورة يناير، حيث الأهلي والزمالك وصفقات الأندية، وحفلات الساحل وعمرو دياب، وحكي المغامرات العاطفية على موقع فيسبوك، ربما وسط تلك الأحاديث تسمع أذنك خلسة عدة أشخاص على طاولة أو أخرى في تعليق على حدث سياسي أو خطاب للرئيس لكنه لن يتطرق لأبعد من ذلك، أصبحت هناك قناعة خاصة بأن ما تريده السلطة ستفعله، لا مجال للأراء أو الإستنتاجات، لا أحد يسمعنا لذلك سنصمت وننتظر.

كثيرون يعتقدون أن هذا العزوف نتج عن إحباط الشعب مما كان يتوقعه عقب ثورة يناير ولم يتحقق، مثاليتهم المفرطة جعلتهم ينتظرون دولة أوربية ستُخلق على الفور حال اضطرار المخلوع مبارك لترك منصبه، لكن الواقع كان مغايراً تماماً لما تمنوه.

منذ عام تقريباً كتب أحد الأشخاص الذين أتابعهم على موقع تويتر تغريدة يقول فيها:

“اللي بطلوا يتكلموا في السياسة هم اللي فهموا اللعبة صح”

حين تأملتها جيداً وجدتها تعبر بشكل واضح عن واقع الحياة السياسية في مصر، فالأمر أشبه باللعبة التي لا تحتمل لاعبين هواة يخطئون مرة وأكثر فيصبر عليهم مدربهم، لعبة السياسة تحتاج الآن من هم أكثر احترافاً من الأشخاص العاديين.. لكن الكل ينتظر شيئاً، جميعنا يحلم بمجتمع أفضل، لأن فقاعات الأمل التي صنعناها تختفي سريعاً ولا إرادياً بفعل المناخ الذي يصدر طاقة سلبية حول المجهول الذي نُقدم عليه.

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن