الانفجار الذي أشعل الحرب الطائفية في الشرق الأوسط

يحكي الصحافي الهندي، بوبي غوش، شهادته عن تفجير ضريح الإمام علي بالنجف عام 2003 حين كان يعمل لمجلة تايم، رابطًا ذلك بالصراع الطائفي في الشرق الأوسط. ويعد بوبي واحد من أطول الُمراسلين خدمةً في العراق.

النجف، العراق – أغسطس ٢٠٠٣

Horror unleashed (AP PhotoDavid Guttenfelder)

انفجرت القنبلة، فأمطرت السماء حلوى وفاكهة مجففة ومكسرات.

كان ذلك بعد يوم التاسع والعشرين من أغسطس عام 2003 بقليل، كنت قد سلكت لتوي طريقًا طويلًا ضيقًا باتجاه الضريح، حين حدث الانفجار واهتزت الحوائط من حولنا. ركضت نحو الدخان المُتصاعد في ما بدا لي وكأنه صمت مطبق: كنت قد أُصبت بالصمم من جراء الانفجار. أظلم الزقاق فجأة كما لو أن كسوفًا شمسيًا قد حلّ، ثم أمطر عليّ الدخان الكثيف حبات مشمشٍ مُجففة، ولوز، وأقراصًا ملونة. أدركت بعدها أنها من عربات الباعة الجائلين المتراصة بمحاذاة سور الضريح، وقد تطايرت في الهواء بفعل الانفجار.

لكن سنواتٍ عديدة ستمضي قبل أن أعرف أن تفجير مدينة النجف كان للصراع الطائفي بالشرق الأوسط مثلما كانت رصاصات غارفيرلو برينسيب قاتل وريث عرش الإمبراطورية النمساوية المجرية بالنسبة للحرب العالمية الأولى، واقعة العنف الفردية التي حطمت توازن القوى العرقية المتحفزة، مُطلقةً العنان إلى سنين من صراعٍ يكلف أرواحًا غير معدودة، ويوقع في شباكه بعضًا من القوى العالمية.

Najaf Mosque

ضريح الإمام علي بن أبي طالب هو قبر الرجل الذي بسببه تكونت طائفة الشيعة بالإسلام، وواحدٌ من أهم المناطق قداسةً بالنسبة لهم. كانت القنبلة مخبأة بصندوق سيارة تقف بالقرب من أحد مخارج الضريح. قنبلة زمنية تم ضبطها بحيث تنفجر بعد نهاية صلاة الجمعة، عند خروج آية الله محمد باقر الحكيم، رجل الدين صاحب الكاريزما الذي تم تهيئته عن طريق إيران كي يصبح قائد الشيعة الأول بالعراق. في ذلك اليوم، قُتل ما يقرب من مائة شخص وأصيب أكثر من خمسمائة بسبب الانفجار، سواء بفعل القنبلة نفسها، أو من سقوط الأسقف الخرسانية والحوائط التي كانت تكوّن أروقة الدكاكين المُحيطة بالمسجد.

بعدما تمكنت من تخطي الدخان الحارق، انضممت إلى الحشود المُتزاحمة في محاولةٍ للعثور على جثث الضحايا واستخراجها من أنقاض التفجير. لم يكن عملنا هذا مُنظمًا، وحتى لو كان أحدهم قد قرر أن يتولى قيادة الموقف، لم نكن لنستطيع أن نستمع إلى أيٍ من توجيهاته، كل ما كنت أسمعه حينها هو صوت رنين معدني عالٍ داخل أذني.

بينما كنت أستعيد قدرتي على السمع تدريجيًا، أدركت أن غالبية الرجال من حولي كانوا يصرخون وينتحبون ونحن نقوم بجر كتل الخرسانة الساقطة فوق ما كان دكانًا لبيع ملابس البوليستر الرخيصة. كان أحد الرجال يقرأ آيات قرآنية، وصوته يعلو ويخفت تبعًا للمجهود الذي يبذله أثناء حمل أجزاء السقف المُنهار، ثم وجدته ينظر لي، وأدركت فجأةً أنني أنا الآخر كنت أصرخ بشكل مستمر.

masjis-imam-ali-ledakan-sau

بعد عدة ثوانٍ، أشار لنا أحدهم بالصمت، بينما يضع أذنه على فتحةٍ بين الأنقاض. كان يظن بأنه قد سمع صوت ما، ربما كان أحد الناجين. بدأنا على الفور في رفع الكتل الحجرية في صمتٍ تام. عاد الرجل الذي كان يقرأ القرآن يتمتم بصوت خافت: “الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر”. ثم بدأ يرفع من صوته تدريجيًا وهو يشعر بأننا نقترب من العثور على شيءٍ ما أو شخصٍ ما. أصبح الجميع يرددون معه، ووجدت نفسي، وأنا الملحد، أشاركهم: “الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله…”.

كنا نردد النداء وسع أصواتنا عندما ظهرت فجأة أمامنا يدٌ صغيرة تبرز من الأرض. في البدء كانت اليد، ثم ظهر الذراع بأكمله، ثم جذع لجسدٍ صغير محبوس تحت الأنقاض. لكن، حتى قبل أن نستطيع أن نُبعد الأحجار عن وجهه، الذي كان لطفلٍ صغير، كنت أعلم، بل كنّا نعلم جميعًا أن لا طائل من وراء ما نفعل. أطبق علينا الصمت من جديد. كانت رقبة الصبي مكسورة، وجرح بالغ يبرز من مؤخرتها، يكشف عن عظامٍ مكسورة وعضلات ممزقة.

وضع أحدهم جثة الصبي بين ذراعي، فمشيت مُبتعدًا عن أنقاض الدكان، مُتجهًا إلى سيارة إطفاء كانت قد نجحت بصعوبة في حشر نفسها داخل الزقاق. سلمت جثة الصبي إلى رجل المطافيء، ولم ينطق أحدنا بأي كلمة.

IRAQ-CONFLICT-BLAST

ذهبت للتجول داخل الضريح، كانت جدرانه السميكة قد استطاعت أن تصمد أمام التفجير. لكن المكان ظل مُفعمًا بآثار الفوضى: آلافٌ من أحذية المُصلين التي تكون عادةً متراصة بنظام أمام بوابة الضريح، كانت مُبعثرة في كل اتجاه، وهنالك رجلٌ عجوز يُحمل بعيدًا على نقالة، وبضع سيدات متكومات على أنفسهن في أحد الأركان، وقد تحولت عباءاتهن السود إلى مزيج من الرمادي والأصفر بفعل التراب.

عُدت للخارج، بحثت عن كيت بروكس، زميلتي المُصورة. كانت في سيارةٍ أخرى، وكنت قد نسيت أمرها تمامًا. وجدتها جاثمةً دون ثبات على جزءٍ مرتفع من الأنقاض، وعيناها مستترة خلف كاميرتها بينما تصور الكارثة. لم تسمع ندائي، لكنني اطمأننت أن صلاح، مُترجمنا، كان على مقربة منها، يحرص ألا يصطدم بها أحدهم ويقذف بها فوق بقايا الأنقاض البارزة.

أحدهم، وقد لمح كاميرتها، بدأ من نفسه ينبش بين الأنقاض باحثًا عن أجزاء الجثث، ويرفعهم للأعلى أمام عدسة كيت. لكنها، عن طريق المترجم، كانت تتوسل أليه أن يتوقف عما يفعل. لم يستمع لها وظل يبحث عن ذراع منفصلة أو ساق، حتى على صياحٌ من مكانٍ آخر من الازدحام.

“لقد توفي السيد! لقد قتلوا السيد!”

لقد حقق التفجير هدفه الرئيسي، قُتل آية الله محمد باقر الحكيم. كانوا يشيرون إليه بـ”السيد”، احترامًا وتبجيلًا لكونه من نسل الرسول، أو هكذا كان يدّعي. ستظهر في الأيام التالية للحادث إشاعات، عن أنه كان مُلاصقًا للتفجير لدرجة أن معظم أجزاء جسده قد تبخرت، ولم يتبق سوى يده التي تحمل خاتمه.

Iraq Hospital Doctor

لاحقًا، بعد عصر ذلك اليوم، اتجهت مع صلاح إلى مستشفى قريبة، حيث أخذوا العديد من المصابين والجرحى. كانت عنابر المستشفى ممتلئة عن آخرها بأهالي الضحايا وبالمتطفلين. عبثًا، ظل طاقم المستشفى يحاولون إيجاد مساحات حول الأسرّة كي يستطيع الأطباء أن يقوموا بعملهم، لكن الازدحام كان جارفًا.

بمجرد دخولي أنا وصلاح إلى أحد العنابر، وصل بعض الجنود المسلحين ببنادق الكلاشينكوف كي يسيطروا على هذه الفوضى، قاموا بطرد معظم الحشد إلى الخارج، سامحين ببقاء أهالي المرضى القريبين فقط. سمحوا لي بالبقاء أنا الآخر، ربما لأنني كنت مُغطى بالتراب والسواد بسبب بحثي مع الناس في الأنقاض، فظنوا أنني أحد المصابين.

ظننت في البداية أنهم من جيش المهدي، الميليشيا التي كونها رجل الدين الشيعي المُناهض للأمريكيين، مقتدى الصدر، لكنهم كانوا على قدر كبير من الانتظام على عكس الصدريين سيئي السُمعة. كان هؤلاء الجنود يحملون أسلحة كلاشينكوف من نوع AK-47، لكنها كانت أجدد أو حتى ألمع من تلك التي رأيتها في أيدي عناصر جيش المهدي، وعلى بندقية واحدٍ منهم رأيت سكينة مُثبتةٍ إلى أعلاها، وهو ما لم أره في العراق من قبل، البعض الآخر كانوا يحملون أجهزة اتصال لاسلكي، في إيحاءٍ لملامح من التطور النظامي. على الأغلب، كانوا أعضاء فيلق البدر، الميليشيا التي كونها آية الله الحكيم، الذي اغتيل لتوه، وتم تدريبها وتسليحها على يد إيران.

كانوا شبابًا، بل أنني رأيت من ضمنهم بضعة مراهقين. لكن قائدهم على النقيض، رجل قصير ممتليء، ذو لحية خفيفة، في أواخر الخمسين من عمره، يرتدي بنطالًا رصاصيًا وقميصًا أبيضًا مُتنافر معه. موزعًا انتباهه بين التحدث إلى طاقم المستشفى وبين توجيه الأوامر لرجاله، كان يتحدث دائمًا بصوتٍ هاديء لا يخلو من الحزم. سأل ممرضة إن كانوا في حاجة إلى إمدادات، ثم أمر أحد رجاله بأن يدون كل ما تطلبه ويتأكد من أن تحصل على كل ما تحتاجه. بعد أن انتهى من كتابة احتياجات المستشفى، قام الجندي الشاب بنقل القائمة إلى شخصٍ آخر عبر جهاز اللاسلكي. على الأغلب، كان يحدث زميلٍ لهم في سيارة بالخارج.

أعطت سلطة الرجل واهتمامه بطاقم المستشفى انطباعًا عن كونه مسئول حكومي هام، على الأرجح من وزارة الصحة، لكن لكنة ما في لغته العربية، حتى على أذني غير المُدربة، لم تكن منتمية إلى هذا المكان. سألت صلاح إن كان هذا الرجل كرديًا.

التفت صلاح إلى إحدى الممرضات التي تقف بجانبنا وكرر لها السؤال. كانت قد عالجت العديد من الإيرانيين الذين يحجون إلى النجف، ولم يكن لديها أدنى شك أنها نفس اللهجة. “إنهم بدريون” قالتها، ثم أومأت إلى الرجال المُسلحين بالكلاشينكوف.

badr militia iraq

بعدها بدقائق، تناول القائد الإيراني هاتف ثريا من أحد رجاله، وخرج من العنبر. ذكرني ذلك بأنني في حاجة لأن أتصل بمكتب التحرير الذي أعمل له في نيويورك. تبعت الرجل في صحبة صلاح إلى الساحة الخارجية، فهواتف الثريا لا تعمل إلا في الخارج باستخدام هوائي. كان هو في هذه الأثناء يُجري مكالمته متحدثًا الفارسية، لكنه عندما سمعني أتحدث الإنجليزية، قطع جملة في منتصفها، ونظر سريعًا للخلف باتجاهي مُباشرةً.

بعد ذلك بعدة ثوانٍ، هرع بضعٌ من رجاله للخارج، مُشيرين ببنادقهم تجاهي طالبين مني أن أترك هاتفي وأكشف لهم عن هويتي. أبرزت لهم تصريح من الصحافة الأردنية، لم أكن قد حصلت بعد على تصريح عراقي من مكتب جيش الإئتلاف، وحتى لو كنت أحمل واحدًا، لما كان من الصواب أن أبرزه لرجال ميليشيا موالين لإيران.

بدأ صلاح في شرح موقفنا لهم، لكنهم ظلوا متشككين من كوني صحفيًا. شخص يتحدث الإنجليزية ويحمل هاتف ثريا، ماذا عساه أن يكون سوى جاسوس؟ “هل تنتمي للـ CIA؟” (وكالة المخابرات المركزية الأمريكية) وجه لي السؤال أقربهم إلي، وعلى وجهه ابتسامة من كشف أمري، وهو يدفعني في كتفي بمقدمة بندقيته. مُمتنًا أنه لم يكن يثبت سكينًا في مقدمتها كزميله، هززت رأسي نافيًا وأنا أمنحه ابتسامةٍ بلهاء وغير مبالية استطعت أن أرسمها على وجهي.

وافقوا في النهاية على أن يأخذوا صلاح إلى قائدهم، لكنهم أبقوني في ساحة المستشفى تحت تهديد سلاح اثنين منهم. بعد دقائق، عادوا مرة أخرى وقد بدا أنهم أخيرًا قبلوا رواية صلاح. عدت من جديد للداخل، إلا أن أحد هؤلاء المُسلحين بقي ملاصقًا لي طوال الوقت، من الواضح أنه قد أعطي أوامر بأن يبقي عينيه علي، حتى أنني كلما تحدثت مع صلاح، كان يطلب منه على الفور أن يخبره بما أقول.

لم يتحدث الإيراني معي بعد ذلك – كان قد أشار لي بأن أبتعد عندما حاولت أن أقترب منه – لكنه لم يبدُ ممانعًا لوجودي في حجرة الطواريء. بالعكس، فقد بدأ يأخذ مسلكًا مُبالغًا فيه في التعامل مع طاقم المستشفى، مُتحدثًا بصوتٍ عالٍ، ومُكررًا جمله كي يستطيع صلاح أن يترجم لي ما يقول بسهولة.

بعدها، تعالى عويل مجموعة من النساء ملتفات حول سريرٍ في منتصف العنبر، معلنين عن وفاة أحد الجرحى لتوه، شابٌ صغير في أزياء عسكرية، خطر لي أنه قد يكون أحد حراس آية الله الحكيم. كان قد فقد جزء كبير من ساقه، ولديه جروح بالغة في صدره ورقبته مغطاة بالكثير من الشاش الذي استخدمه الجراح، وهو رجل بدين ينطق وجهه بالإجهاد التام، في محاولة لإيقاف النزيف. سمعت نشيجًا من رجلين مسلحين، خالط عويل النساء، فخمنت أن الشاب الذي توفي لتوه هو زميل لهم، لأنه من المنطقي تمامًا أن يستخدم محمد باقر الحكيم عناصر من البدريين في حراسته الخاصة، وهو مؤسس فيلقهم.

ربت القائد الإيراني على كتفي رجليه المُنتحبين، وهمس لهم بكلمات تواسيهم، فأومأوا ومسحوا دموعهم ثم استعادوا قسمات وجههم المُتحجرة.

“نحن” و”هم”

iraq graves

بينما يحاول أقرباء الميت جذب امرأة منهم، على الأغلب أمه، من فوق جثته، كان الطبيب ينسحب بهدوء خارج العنبر. وجدته بعد ذلك يدخن لفافة تبغ بينما يواسيه الإيراني. كان الرجلين في نفس العمر تقريبًا، إلا أن الطبيب كان يبدو عليه أنه يعرف سلطة الرجل الإيراني، وكان يحادثه على أنه مسئول كبير. من المستحيل أن تكون هذه هي المرة الأولى التي يتوفى فيها مريض بين يدي ذلك الطبيب، لكن مع استمراره في التدخين تحول من إجهاشه بالبكاء إلى غضبٍ مُتألم. “لم يفعلون ذلك؟” قالها موجهًا السؤال للإيراني. “لماذا! لماذا!؟”.

“ألا ترى”، أجابه الإيراني بهدوء، “لقد أعلنوا الحرب علينا”.

ظلت هذه العبارات مُبهمة في رأسي لعدة أيام. من الذين يُشير إليهم الطبيب بأنهم فعلوا ذلك؟ ومن الآخرين الذين أشار إليهم الإيراني بنحن؟

كانت أوضح إجابة للسؤال الأول هي الموالين لصدام حسين الذين يقودون المقاومة الشعبية ضد جيش الإئتلاف التي تقوده أمريكا، لكنها لم تكن منطقية على الإطلاق. حتى ذلك اليوم، كان هؤلاء الموالون يبرزون أنفسهم في صورة القوميين الغير طائفيين، لذا، فقيامهم بتفجير أكثر الأماكن الدينية قداسةً للشيعة بالعراق لن يخدم قضيتهم على الإطلاق. وعلى الرغم من التشابه التام مع تفجير مكاتب الأمم المتحدة بفندق القناة ببغداد، قبل ذلك بعشرة أيام، إلا أن ذلك التفجير كان يستهدف منظمة غربية، وتم التخطيط له من أجل قتل الأجانب. فلم تريد نفس المجموعة قتل العراقيين؟

أما أوضح إجابة عن السؤال الثاني فلم تكن منطقية هي الأخرى. حينها، لم أستطع أن أدرك كيف يكون الضابط الإيراني، والجرّاح العراقي في نفس الفريق. نعم، قد يكون كلاهما شيعي، لكن ذلك لا يجعل منهما بالضرورة في حلف واحد، فحتى ولو كانا يتبعان نفس الطائفة، إلا أن هنالك الكثير من الاختلافات الأخرى التي تفرقهما: العرق، واللغة، والتاريخ. بالإضافة إلى أنه من خلال عمرهما، يمكننا أن نستنج أن كلاهما قد حاربا ضد بعضهما البعض في الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و 1988. هنالك احتمال لا بأس به أن الطبيب قد عالج مصابين من الجنود أوالمدنيين الذين أصيبوا بفعل رصاصات أبناء جلدة الإيراني.

في الواقع، كانت هذه الإجابة، غير المنطقية وقتها، صحيحة، فالمُشار إليهم بـ”نحن” كانوا المسلمين الشيعة، وهم الغالبية في إيران وفي جنوبي العراق، بينما كان المُشار إليهم بـ”هم” الذين قاموا بالتفجير، هُم المسلمون السنة، الغالبية في شمالي وغربي العراق. لكن هذه الحقيقة لن تصبح بهذه الوضوح أمام الصحفيين والمسئولين الغربيين والعسكريين المتمركزين بالعراق إلا بعد شهورٍ من هذا التفجير. ولن أدرك أن ذلك التفجير كان شرارة بدء العنف في الصراع السني الشيعي في المنطقة إلا بعد عدة أعوام.

أهمية تفجير النجف في 2003

عادة ما يتجاوز المعلقون على شئون الشرق الأوسط تفجير النجف، أو حتى يقللون من أهميته في تحيلاتهم للصراع الطائفي. وقد وقعت معهم في نفس الخطأ. لقد كنت هنالك عند الضريح حينما وقع التفجير، وكتبت عنه لمجلة تايم، التي كنت أعمل فيها. وعلى مدار السنين الخمس التالية، ظللت في العراق كي أسجل تصاعد الاقتتال السني/الشيعي، ولاحظت زيادة الحضور الإيراني في المشهد. لكن مع تدني الصراع، وتتالي المصائب فوق رؤوسنا، صار تفجير النجف بالنسبة لي كما هو بالنسبة لغالبية العراقيين، مجرد حلقة بشعة أخرى.

Iraq Explosion Rubble

لم أدرك الحقيقة إلا بعد ذلك بعقد، مستندًا إلى ما حدث بسراييفو، حين قام الصربي البوسني، غارفيلو برينسيب باغتيال الأرشيدوق فرانز فيردناند، والدوقة صوفي في عام 1914، مُشعلًا شرارة سلسلة من الأحداث أدت إلى بداية الحرب العالمية الأولى. حينها أدركت أن تفجير النجف كان مماثلًا لذلك: فبقتل آية الله الحكيم، ومائة من الشيعة، وُضعت طائفتي المُسلمين على بداية مسلك الحرب، حربٌ ستجذب إلى حلبتها إيران، ثم بقية الشرق الأوسط، ومن بعدهم القوى الغربية.

بإمكاننا الربط بصورة مباشرة، بين تفجير النجف في العراق، وحمامات الدماء في سوريا، التي يستمر بها الصراع الطائفي للسنة الخامسة، حيث قتل أكثر من مائتي وخمسين ألف شخص، مرورًا بصعود ونجاح تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام (داعش)، وحربي غزة في عامي 2012 و 2014 بين غزة وحماس، وأيضًا عودة التدخل الإيراني بصعود المقاومة الشيعية باليمن على يد الحوثيين، الذين تتم محاربتهم من قبل تحالف سني بقيادة السعودية. لقد زجت رصاصات غارفيلو برينسيب بالعالم في آتون حربين عالميتين لثلاثة عقود، وإنني خائف من أن تكون الصراعات التي أطلق العنان لها أبو مصعب الزرقاوي، الإرهابي الأردني المسئول عن تفجير النجف، ستتصاعد حدتها في الشرق الأوسط لسنوات أخرى قادمة.

أستطيع أن أرى كل ذلك حاليًا، لكن الطبيب المُتألم، والإيراني الهاديء قائد الميليشيا، في ذلك اليوم المُلطخ بالدماء من شهر أغسطس 2003، كانا على علمٍ بأن الحرب قد بدأت.

Iraq Shrine Mosque

المصدر: Quartz

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.