ما الذي يجري للإسلام؟

muslim doa

جاسم القامس

بينما يحتفل المسلمون حول العالم هذا الأسبوع بالعيد الأضحى، يبدر إلى ذهني تساؤل وأنا أتابع ما يجري حولي في هذا العالم.. هل هو عيد مبارك فعلاً؟ أو، حتى لا يغضب المتدينون، هل نعيش حقاً أيام مباركة كمسلمين؟

كنت أطرح تلك التساؤلات بينما أتابع زيارة البابا فرانسيس، رمز الكنيسة الكاثوليكية، إلى الولايات المتحدة. فبدرت إلى ذهني المقاربات، حول دين بدأ يأكل نفسه وآخر يسعى لأن يتطور ويواكب الحياة.

لست هنا بصدد تقرير “الدين الصحيح”، فالعملية تتعلق بإيمان الأشخاص وقناعاتهم، ولست في موقف أن أوجه هذه القناعات بقدر رغبتي في تسجيل هذه المقاربات كعلامات مثيرة –بالنسبة لي على الأقل- في تطور المجتمعات والثقافات والديانات. ففي الوقت الذي يعيش فيه العالم الإسلامي ويلات الحروب والدمار في سوريا والعراق ومصر وليبيا وصولاً إلى نيجيريا، بل وحتى الكوارث الطبيعية والحوادث –كما في مكة-، نرى الكنيسة الكاثوليكية، مع قدوم البابا فرانسيس، تأخذ منحى أكثر انفتاحاً من الأفكار التقليدية للكنيسة، فنراها تواكب تطور الوعي العالمي لتكون أكثر قرباً من الناس وتطرح رسائل أكثر ارتباطاً بالعالم الحقيقي، روحها العطف والتسامح.

لماذا يرتبط الإسلام بالموت؟

يمتليء فضاءنا الاجتماعي بالعديد من القصص اليومية حول ما يجري بإسم الدين في كل بقاع المعمورة، لعل آخرها موضوع الداعشي الذي قتل ابن عمه لإرضاء التنظيم والذي أخذ صدى كبيراً بين الجمهور، وكأن قتل الدواعش للأبرياء وإبادة الأنفس البشرية أمر طبيعي وأن ما يثير الحفيظة هو قتل الشخص لقريب له! كما أن خطابات مشايخ الدين –حفظهم الله- من كافة المذاهب تظل مرتكزة إما على العبادات أو على تحديد وجهة نظر العباد بقضايا سياسية معينة، وكأن الإنسان لا يستطيع التفكير والتوصل لاستنتاجات بمفرده. ولا داعٍ هنا لسرد الأمثلة، فنحن نعيشها يومياً، ابتداءً من قنواتنا الإخبارية والدينية وحتى خطب الجمعة في المساجد. هناك ما يشبه حالة استنفار داخل الدين لمحاربة طرف ما والانحياز لآخر، فبات الدين مشغولاً في الصراعات ليقوم بدور سياسي عادة ما تطلبه منه القوى المسيطرة.

أصبح يخيل لي أن كل ما يردني من أخبار متعلقة بالإسلام أو المسلمين هي في الغالب أخبار قتل ودمار، وكأن المسلمون يتعمدون ذلك. ولا أحبذ الخوض في نظريات المؤامرة، فهي تفترض ضعف الناس –كل الناس- وعدم قدرتهم على تحديد مصائرهم، وهذا أمر يتنافى مع الطبيعة الإنسانية، فالإنسان لا يفترض أن يرضى بالذل والموت لتحقيق مؤامرة غيره، وإذا كان هناك من تنطلي عليهم نظرية المؤامرة الغربية، فهم بذلك يؤكدون بلاهتهم وغبائهم وضعفهم في كشفها ودحضها ومواجهتها، مما يعني أنهم يستحقون أن يتآمر عليهم.

إن أحداث السنوات الأخيرة جعلت من الإسلام ديناً مرتبطاً بالموت، ولا يهم إن كان ذلك عبر السلاح أم التدافع. لكن ما شاهدته في خطابات البابا فرانسيس جعلني أطرح العديد من التساؤلات وأن أضع العديد من المقاربات ليس بين الإسلام والمسيحية، ولكن بين الفكر والطرح الديني في الواقع الذي نعيشه وما تعيشه (أو تطرحه) المسيحية الكاثوليكية كمثال.

maxresdefault

في زيارته للولايات المتحدة، استقبل البابا فرانسيس بسيارته الفيات بحفاوة في البيت الأبيض من قبل الرئيس أوباما وزوجته ميشيل، فيما تلقاه ساسة واشنطن بالتصفيق والابتهاج عند إلقاءه لخطابه في الكونغرس. فما الذي قاله البابا وهو في أقوى دول العالم؟

تحدث البابا عن قضايا رئيسية تتعلق بالمسؤولية المشتركة للبشر في كل مكان تجاه العالم، مشيراً إلى أنها مسؤولية شخصية واجتماعية. داعياً أعضاء الكونغرس في خطابه إلى “حماية كرامة شعبكم وصونها.. فهذا هو هدف المجتمعات”. وهي عبارات برغم قصرها إلا أنها تدعونا للتفكير حول دورنا كبشر في هذا العالم، حول الكرامة المهدورة في كل بلد عربي وإسلامي تقريباً من قبل الأنظمة المستبدة، وحول دور المجتمعات.. فهل فكرت يوماً عن هدف المجتمع الذي تعيش فيه؟

يخيل لي أن معظم مجتمعاتنا تعيش ليومها دون هدف يجمع أفرادها.

القانون الذهبي

Pope Francis Congress

حمل البابا فرانسيس منذ قدومه لسدة الكنيسة هم الفقراء، داعياً إلى القضاء على أشكال العبودية الجديدة وحماية المجتمعات لمن هم أكثر عرضة للخطر فيها: الأطفال والفقراء. فيشير في خطابه للكونغرس إلى ما أسماه بـ “القانون الذهبي” قائلاً:

دعونا نتعاطف ونحب الآخرين ونعاملهم كما نريد أن نعامل.. دعونا نمنح الآخرين ذات الإمكانيات التي نريدها لأنفسنا، دعونا نساعدهم في أن ينموا كما نريد لأنفسنا أن ننموا، فإذا كنا نرغب بالأمن، دعونا نمنح الأمن. وإذا كنا نريد الحياة، دعونا نمنح الحياة، وإذا كنا نريد الفرص، فدعونا نمنح الفرص لغيرنا.

وهي بالمناسبة عبارة تحمل مضامين حملها الاسلام الذي تحول من دين معاملة ذو فكرة إيجابية تعني بالمحبة والإخاء الى قوانين ومناسك، فأصبحنا نهتم بحساب الأجر وكيفية القيام بالعبادات “بالشكل الصحيح” أكثر مما نهتم لما وراء تلك العبادات والهدف منها وهو تجربة روحية قائمة على الخير والمحبة والإخاء.

القضاء على القتل

muslim fighters

وفي الوقت الذي يغص فيه عالمنا الإسلامي بالقتل بكافة أنواعه، من النحر إلى الصواريخ إلى التدافع وغيرها من أشكال القضاء على الحياة البشرية، يقول البابا:

إن القانون الذهبي يذكرنا أيضاً بمسؤوليتنا لحماية حياة الإنسان والدفاع عنها في كل مراحل تطورها، وقد قادتني هذه القناعة منذ بداية عملي في الكنيسة لأن أبذل جهدي على كافة المستويات في الدعوة للقضاء على عقوبة الإعدام في كل أرجاء العالم. وأنا مقتنع بأن هذا هو الطريق الأفضل، لأن كل حياة مقدسة، وقد وهب كل إنسان من روح الإله لتمكنه من الوجود في الدنيا. وستستفيد المجتمعات حتماً من إعادة تأهيل المدانين بالجرائم.

مضيفاً:

أنني أقدم تشجيعي لكل المقتنعين حول العالم بأن العقوبة العادلة والضرورية يجب ألا تفقد عنصر الأمل في الإنسان وأن تهدف العقوبات لإعادة تأهيله.

في الوقت ذاته، بات شعار “الإسلام دين تسامح” لا يتعدى كلماته الثلاث التي نستخدمها متى ما وددنا إقناع الآخرين –وربما أنفسنا- بأن لنا ديناً متسامحاً. فها هي السعودية تقرر إعدام وصلب –نعم، صلب- معارض سياسي، بينما شهدت إيران خلال النصف الأول من هذا العام زيادة كبيرة في عقوبات الإعدام بلغت 694 حالة في 6 أشهر فقط! عدا عن الإعدامات التي تنفذ بشكل شبه يومي في العراق وسوريا من مختلف الفصائل “الإسلامية” باسم الدين، حتى بات ورود أخبار القتل أمراً اعتيادياً لنا كعرب فهانت النفس البشرية طالما أن الأمر لا يمسنا.

علاقة الخطاب الديني بحياة الناس

troops

تطرق البابا كذلك للعديد من المواضيع كدور التجارة والأعمال في حياة الناس، مشدداً على ضرورة مواجهة الاحتباس الحراري والخطر البيئي عبر إطلاق هذا النقاش بين الجميع لحماية كوكب الأرض الذي أسماه بـ “منزلنا المشترك”.

وتحدث كذلك عن انتشار السلاح في العالم قائلاً:

علينا ان نسأل أنفسنا “لماذا يتم إرسال الأسلحة الفتاكة لهؤلاء الذين يخططون لجلب المعاناة والألم للأفراد والمجتمعات؟”، للأسف فإن الإجابة –كما نعلم- بكل بساطة هي “المال”.. المال المغطى بالدماء، وعادة ما تكون دماء الأبرياء. إنها مسؤوليتنا أن نواجه هذا الصمت المخزي حول العالم وأن نواجه هذه المشكلة ونوقف هذا التسلح.

في ذات الوقت، تبقى الدول الإسلامية من أكثر الدول استهلاكاً للأسلحة التي تقيد حروبها، بل أن لقاء الرئيس الأمريكي أوباما مع قادة دول الخليج في كامب ديفيد كان من المفترض أن يركز على تنمية المجتمعات والشباب، إلا أن القادة الخليجيون طالبوا بالمزيد من الأسلحة وهو ما استجاب له أوباما، متخلياً عن رسالته الأساسية في ضرورة تنمية المجتمعات.

وختم البابا خطابه متحدثاً عن دور الدول والمجتمعات، فأشار إلى أن الحرية والمشاركة وعدم التفرقة والعدالة الاجتماعية وصون حقوق الأشخاص وتدعيم القدرة على الحوار هي من ركائز المجتمعات. مبيناً أن الدولة تكون عظيمة عندما تحمي حرية أفرادها وتشجع ثقافة تتيح للناس أن يحلموا بحقوقهم الكاملة وأن يحصلوا عليها، وأن الدولة تكون عظيمة عندما تكافح لأجل العدالة وتحقيق آمال المظلومين يدفعها بذلك إيمان راسخ بضرورة الحوار تحقيقاً للسلام.

إسأل نفسك

لست هنا بصدد الدعوة لتطوير رسالة الدين، فهو –كما نفترض- ثابت وصالح لكل زمان ومكان، ولكني من منطلق الدين أسأل: هل الهدف من الدين الرحمة والحياة الكريمة؟ أم الانتشار والقتال والموت؟ ألم تأتي رسالة الله لتسهل لنا حياتنا وتضع لها معانٍ أكبر وأسمى مما نراه تدفعنا للعيش وتعمير الأرض؟ هل فقدنا جوهر الدين؟ هل نسينا الهدف منه وتمسكنا بالمظاهر؟ فأصبح البعض منا يتشدد بشكل الملابس وما تكشف عنه أو ما تخفي، وأصبحنا نسمي المسالم كافراً لأنه لا يصلي، ونرى المتطرف مسلماً لمجرد أنه أطال اللحية ورفع راية لا إله إلا الله. أهذا هو الدين الذي أراده الله؟ هل هذا الدين الذي نريد؟

لا أدعي امتلاك الإجابات لهذه الأسئلة، ولا أعتقد أن أحداً بذاته –وإن كان رجل دين- يحتكر الحقيقة كاملة، فالدين يخاطب عموم الناس ولا يخاطب المشايخ، لكنها أسئلة حري بنا جميعاً أن نسألها لأنفسنا ونحن نعيش في هذا العالم المتوتر في هذه الفترة الهامة من التاريخ، حتى نعرف حقيقة ذواتنا وماذا نريد.

There are 4 comments

  1. Bandar

    للأسف مقال مليئ بالمغالطات على الأقل كما بدا لي
    لا يصح تصوير التشنيع على قاتل ولد عمه بأنه رضا من المسلمين عن قتل غيره هذا فهم مغلوط متعمد لردة الفعل.
    تقول أن القتل والدمار موجود في ديار المسلمين ولكن لو رجعت للوراء عدة عقود سوف ترى قارة أوروبية حصدت اكثر من 70 مليون قتيل في الحربين العالميتين.
    تتحدث عن التسامح والحب ثم تبرر نظرية المؤامرة إذا ءامنت أنت بوجودها بحجة أن الناس ساذجين وهذا تبرير خطير للقتل والتدمير وفي هذه الحالة لا أظنك تختلف كثيرا عن داعش.
    لن أكمل التعقيب على باقي مقالتك فقد أكتفيت بالقليل منها ولكن لي عدة تساؤلات:
    هل يقتل بشار الأسد بواسطة البراميل المتفجرة باسم الاسلام ؟

    Like

  2. JassimQ (@JassimQue)

    شكراً على رأيك بندر

    تصوير التشنيع على قاتل ابن عمه أخذ منحى أكبر من القتل الاعتيادي الذي يحدث في كل يوم، يومياً هناك عشرات/مئات/آلاف الأشخاص ممن يلقون حتفهم بسبب الحروب الدائرة، أما وصفك لفهمي بأنه “متعمد” فهذا تقديرك الشخصي لنواياي.
    القتل في القارة الأوروبية في الحربين العالميتين لم يكن باسم الدين عزيزي، كانت دول تمارس السياسة والحرب.. إلا إذا أردت أن نعود لأوروبا في القرون الوسطى، عندما قتل الملايين بسبب الدين، وبعدها لم يكن موقع الدين في المجتمعات الأوروبية كما هو اليوم.
    أنا لا أبرر نظرية المؤامرة، ربما فهمتني خطأ أو لم أتمكن من شرح ما وددت قوله بالشكل المطلوب، المعذرة. أنا أقول أن من يقول أن ما يجري سببه مؤامرة غربية/إسرائيلية/أي كان من يقف خلفها فإن هذا الشخص يقر بضعفه وسذاجته.. أما إذا كنت لا تقر بنظرية المؤامرة -مثلي- فإن هذا الأمر لا ينطبق عليك. أنا لا أبرر لنظرية المؤامرة بل على العكس، أقول بأنها نظرية ساقطة وتنم عن استسلام عاجز.
    أما عن سؤالك حول بشار الأسد، فلا أرى شخصياً علاقة له بالموضوع، لكن لأجيبك بحسب فهمي الشخصي سأقول أن بشار لا يرفع راية الدين ليقتل الأبرياء بعكس الآخرين جميعاً، بما فيهم حلفائه الإيرانيين.

    وددت لو تكمل تعليقاتك حتى يكون هناك نقاش يثري الموضوع، لكني وددت أكثر لو بينت رأيك بموضوع المقال بدلاً من التركيز على ما أسميته بالـ “مغالطات” والتي رددت عليها أعلاه. ووددت لو لم تتطرق للتفاصيل ومن يضرب من، فهذا هو تحديداً ما عنيته في الموضوع، أننا نسينا الهدف من الدين وبدأنا ننظر للتفاصيل ونتعارك حولها.

    شكراً لك على رأيك مرة أخرى

    جاسم

    Like

  3. Bandar

    شكرا لردك
    أولا أعتذر لوصف فهمك بالمتعمد ولم أتربى وأتعلم على ذلك.
    ثانيا القتل باسم الدين لا يحدث اليوم في سوريا واليمن وغيرها وإنما هو قتل للتوسع وللبقاء وللابادة وجميعنا يتفق أن ما حدث من قتل في دول الاسلام بعد الربيع العربي لم يكن أبدا باسم الدين وإنما هو اعتداء من طاغية ورد من شعب.
    أعدك بتعقيب كامل على موضوعك وأود القول مسبقا بأنني ولله الحمد أكره القتل باسم الدين وحتى الكذب والمراوغة باسم الدين كما تفعل الأحزاب الاسلامية وإنما أعتنق ما جاء به الدين الصافي دون اهواء أو تحزبات.
    شكرا للطفك

    Like

  4. Bandar

    عودة للتعقيب على الموضوع:
    أتفق معك أن شعوبنا لا تنظر للغد لكن لأسباب كثيرة منها ضعف التعليم وصعوبة الحياة والانشغال بأمور أخرى.
    صحيح البعض انشغل بالشكل ونسي المضمون لكن كيفية العبادة مطلوبة شرعا والمغزى وهدف العبادة مطلوب أيضا والانشغال بأحدهما مخالف للشرع كما اعتقد.
    المجتمع الاوروبي مجتمع متسامح تقريبا وفيه ود للآخرين لكنه يمارس ذلك كفكر علماني لا كفكر لاهوتي مسيحي وهذه نقطة أرجو الانتباه لها أما المسلمين إذا مارسوا رحمة الاسلام فهم يمارسونها كعبادة وهناك فرق.
    الدين كامل لكن المشكلة تظهر إذا أسيئ فهمه ولذلك حذر الله وحذر نبيه من تتبع المتشابه في الكتاب وما يؤكد كلامي أن أفضل الردود العلمية والفكرية على أتباع داعش هي الردود الدينية.
    الدين باقي ما بقي البشر لكن ليست المشكلة في بقاءه وإنما في فهمه وهذا سبب تخلفنا.
    شكرا لك والله اسأل أن يوفقنا لما يرضيه

    Like

Comments are closed.