افتح ذهنك: تستطيع أن تصنع السلام إذا اقتنعت أنك قد تكون الشرير

 

lanterns

حيدر الموسوي

ترتكز محادثات السلام على تقديم التنازلات والتسويات. وعندما تجلس الأطراف إلى مائدة المفاوضات متطلعين لتحقيق الكسب في هذه المفاوضات فإنهم يطيلون أمد الصراع بدلا من إنهائه.

في المقابل فإن قصص السلام تتناول المفاهيم التي تغذي الصراع وتهدف إلى استبدالها بروايات حول التعاطف والتراحم والتعاون.

قصصنا، صراعاتنا

القصة هي نسيج من الحقائق والافتراضات والمؤامرات لخلق الرواية التي تجعلنا نبدو أخيارا و تجعل من الآخرين أشرارا. فنحن نرى أنفسنا نلعب إما دور الضحية أو البطل.

معظم القصص الدينية والثقافية تورد حكايات ينتفض فيها الضحية ليصبح بطلا (ويمكن أيضا أن يغدو البطل ضحية). وعادة ما نختار لأنفسنا دورا إيجابيا. فنحن نرغب في رؤية واقع نمثل فيه دور الأخيار بينما يكون أعداؤنا هم الأشرار. فنقوم بتصنيف أعداءنا على أنهم إما الخونة أو الأشرار، فالخونة هم من ينتمون إلى عرقنا أو ثقافتنا أو ديننا لكنهم لا يشاركوننا قناعاتنا وينتقدون أفعالنا. هم أولئك الذين ينادون بالسلام حين نقرع طبول الحرب. وفي النهاية ينبغي محاربة الشر وأي تسويات أخلاقية قد تدفع بك إلى معسكر العدو. أما الأشرار فهم أولئك الذين يعارضوننا لكنهم لا يشتركون معنا في هويتنا الاجتماعية. ويعتبر البعض جميع عبارات التأييد أو نداءات السلام التي تأتي من “الآخرين” على أنها مفتعلة، هدفها خداعنا، إذ سنستمر بالنظر إليهم كأشرار.

إن جذور أي صراع، بدءا من الصراعات العالمية إلى الصراعات الشخصية، يتمثل بأن من يلعبون دور الأشرار في قصصنا يرون ما نراه تماما ولكن بأدوار معكوسة فيكونون في قصصهم هم الأبطال ونكون نحن الأشرار. تلك الحقائق التي قاموا “هم” بذكرها في قصصهم تجعلهم يبدون أخيارا (أو مضطهدين) وتجعلنا نظهر أشرارا. وهذا الأمر لا يتم عمدا ولكنها الطريقة التي يفكر بها البشر مما يجعل القصص أكثر جاذبية.

انظر إلى أي صراع في العالم وستدرك كيف تلعب تلك الأدوار دوراً عند المتورطين في هذا الصراع، ولعل الصراع العربي الإسرائيلي  مثال وواضح لما سبق، فالإسرائيليون ينظرون للفلسطينيين كإرهابيين متعطشين للدماء والفلسطينيون يرون الإسرائيليين كذلك. فيرى كل منهم أن صورته يتم تشويهها في الإعلام وأنهم ضحايا للحملات الإعلامية التي تتجاهل حقهم بالدفاع عن أنفسهم تجاه الهجمات الإرهابية على المدنيين والأبرياء.

israeli cartoon

الانطباع الإسرائيلي عن الانحياز الإعلامي

palestinian cartoon

التمسك بقصصنا

يبدو الأمر بغاية الصعوبة أن نرى الصراع من الجانب الآخر لحدود قصتنا، لأن قصصنا مبنية على حقائق ولدينا صور تثبت صحتها، كما يعترف أعداؤنا بنواياهم في تدميرنا وإبادتنا والتاريخ حافل بأدلة وبراهين تدعم قضيتنا. لكننا لا نلاحظ كم نكون انتقائيين عندما نلجأ للحقائق، وكيف نربط الوقائع ببعضها بطريقة تعزز إيماننا بقصتنا، وكيف نصور أعداءنا باستمرار بأنهم الأكثر تطرفا.

نتابع حسابات تويتر للأشخاص الذين تنسجم قناعاتنا معهم ونعيد تغريد ما ينشرونه على الفور دون تمحيص أو تمعن. ولكننا ندحض تلك الحجج التي تتحدى وجهة نظرنا، لأنها ببساطة لا تتناسب مع سير الأحداث في روايتنا وملامح شخصياتها.

إن قصصنا تعكس حقيقتنا، وأى محاولة لتغييرها تبدو كنوع من التضليل الذاتي أو أنه حلول مذلة لقناعاتنا. ويرى العديد من الناس الصراعات فرصة لإظهار البطولة والتضحية. فهم لا يرغبون برؤية نهاية سلمية للصراع ويفضلون طريق النضال البطولي المكلل بالنصر في نهايته.

كتابة قصة السلام

هل تقدر السلام؟ هل تقدر حياة الإنسان؟ هل تهتم بحياة الأشخاص الذين يشاركونك الهوية الاجتماعية؟ هل ترى الآخرين على أنهم أقل في المرتبة الإنسانية؟ وأنهم عاجزون عن الحب أو إظهار الشفقة ولا يستحقون أيا منهما!؟

يمكننا كتابة قصة السلام إذا اقتنعنا أنه يمكن أن نكون نحن الأشرار الذين يدمرون العالم وأننا لا نرغب بلعب هذا الدور. قصة السلام لا تصنف الأشخاص على أنهم أشرار، ولكن معتقدات الأشخاص هي التي تبرر القتل وتشجع على الحرب. ويمكن لهذه القناعات أن تتشكل في أي أمة أو دين. يمكن لهؤلاء الذين يتهمون الإسلام بالعنف الاحتفال بموت المسلمين تماماً كما يحتفل المسلمون بموت من يرونهم كفاراً.فكل ٌ يجد مبررا لقبوله بالعنف بناءً على القصة التي يعيشونها.

قصة السلام تتفهم أنك تشارك الكثير من الأمور مع أولئك الذين تعتبرهم أشرارا. فكلاكما تقدران حياتكما، وسعادة الأشخاص الذين تحبونهم، وازدهار أمتكم. ولكن بدلا من السعي لتحقيق سعادتك ورفاهيتك فقط، فإن قصة السلام تشجعك على العيش وفق القاعدة الذهبية “أن تحب لغيرك ما تحبه لنفسك”. أن تتمنى أن يعيش الجميع في سلام وسعادة.

إن قصة السلام تستوجب أن تكتشف كيف ينظر إليك من تعتبرهم أشرارا، وأن تتسائل عن دوافعهم. لماذا يكرهونك؟ كيف تعاملهم؟ ما هي الطرق التي تهددهم بها؟ لماذا يخافونك؟

إن كنت مسلما أو عربيا، فكر كيف يراك الإسرائيليون ومن يدعمهم. ولماذا يجدون مبررات لقتل الفلسطينيين؟ وإن كنت إسرائيليا أو داعما لإسرائيل فكر لماذا يكره المسلمون والعرب إسرائيل. ما الذي يرونه ولا تراه؟ كيف يعيش الفلسطينيون وكيف يعاملون؟ لا تبحث عن الدلائل التي تعزز وجهة نظرك فقط، بل ابحث عن الحقيقة وحاول إيجاد الوقائع التي تتحدى وجهة نظرك. إسأل أولئك الذين يختلفون معك بالرأي واستمع إلى إجاباتهم. ما الذي يطالبون به؟ وكيف يسيئون فهمك؟

التشبث بوجهة نظرك والانسحاب نحو قصتك الخاصة، قد يعطيك الراحة ولكنه يسبب الصراع.

جميع البشر معرضون للتضليل الذاتي. هذا لا يجعلنا أشرارا ولكن علينا أن نكون واعين لهذه النقطة وأن نراجع أنفسنا باستمرار والطريقة التي نرى فيها أنفسنا والآخرين، بهذه الطريقة لن نبرر أخطاءنا أو نجرم الضحايا.

علينا أن نفتح أذهاننا للاحتمالات الجديدة وأن نكون على استعداد لكتابة قصتنا من جديد وأن نستبدلها بقصة السلام التي تساهم في جعل العالم مكانا أفضل.

قصة السلام يتم توقيعها بالتعاطف

لا تنتظر الآخرين ليتفهموا وجهة نظرك. إبدأ أنت بفهم وجهة نظرهم واعمل على إزالة تلك التسميات “بطل” و “شرير” كي نتمكن من توحيد الصفوف تجاه الأشرار الحقيقيين الذين يهددون حياة الإنسان وسعادتهم: الجهل والحض على كراهية الآخرين.

peace-on-earth-hands

المصدر: Medium

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن