حرية التعبير في العالم العربي: الثورة العربية من مظاهرات الساحات إلى مشاهد اليوتيوب

1 

في المنتدى السنوي الثامن لقناة الجزيرة في الدوحة، وقف عبد الرحمن صقر على المنصة مرتديا قبعة تشي غيفارا وملابس عسكرية مخاطبا الحضور بلهجة ساخرة: “ثقوا بي زملائي… الديكتاتورات لديهم مشاعر أيضا، عندما أضرم البوعزيزي النار في نفسه عام 2011 ذرفت دمعة… لقد فعلتها ولكن ليس من أجل الشاب المسكين وإنما من أجل ليتر البنزين الذي ضاع”.

يعمل صقر في قناة الجزيرة نهارا، وكوميديا في وقت فراغه. تعليقه السابق جاء على سبيل المزاح ساخرا من الديكتاتورات العرب باستخدام الكوميديا السوداء ولتقديم مجموعة من زملائه الناشطين على اليوتيوب من جميع أنحاء البلاد العربية.

كل ما يحتاجه نيكولاس خوري كاميرا وموضوع ليتحدث عنه

يملك نيكولاس خوري لقبا غير رسمي وهو “وزير الشباب بالأردن”. كل ما يحتاجه نيكولاس هو شاشة خضراء وكاميرا واحدة وموضوع ليتحدث عنه. يتطرق نيكولاس للمشاكل اليومية التي يواجهها الشباب من الحب إلى الزواج وحتى القضايا المتعلقة بقانون الاغتصاب المثير للجدل في الأردن.

يقوم نيكولاس بتحميل مشاهده على “اليوتيوب”. ويتحدث عن أعماله قائلا: “تتناول فيديوهاتي قضايا اجتماعية وسياسية، وعادة أكره أن يوصف ما أتحدث عنه على أنه سياسي”. وأضاف بأن الحديث عن شؤون الوطن التي تشغل الناس ليس حقا فقط بل واجبا وطنيا أيضا.

جو حسين من مصر قام بجمع ما يقرب من المليون مشهد في فيديو أطلق عليه اسم “جوتيوب“. شعر حسين بالفراغ في وسائل الإعلام بعد ثورة يناير 2011. ولمعت في ذهنه فكرة استخدام الفكاهة للوصول للمواطنين، ويقول: “المصريون شعب مرح بطبيعته ويتذوق الفكاهة، ووجدنا أنه لدينا مساحة بديلة نظرا لاستخدم الشباب للإنترنت، على عكس وسائل الإعلام التي تمتلكها الدولة”.

صرحت سحر خميس الأستاذة المساعدة في جامعة ميرلاند للجزيرة ” الشباب هم الشريحة الأسرع نموا في البلدان التي هي بحاجة ماسة للديمقراطية والإصلاحات الاجتماعية والسياسية. وفي العالم العربي يشكل الشباب دون الثلاثين عاما ما نسبته 70% من السكان”.

وأضافت ” معظم هؤلاء الشباب مثقفون أو لديهم الرغبة في التعلم لكن الأهم هو مشاركتهم السياسية وتعلم استخدام التكنولوجيا، فهذا يساعدهم على إيصال وجهات نظرهم إلى أكبر عدد ممكن من الناس. ويبدو أن هذه الظاهرة ستستمر وتنمو سريعا حيث أن أعداد مستخدمي الانترنت الشباب تتضاعف باستمرار في الكثير من الدول العربية خاصة بعد موجة الثورات العربية عام 2011″.

وربما انعكاسا لتحليل الأستاذة سحر، قامت جامعة نورث ويسترن في قطر بإجراء استطلاع رأي عن استخدام وسائل الإعلام في الدول العربية. ووجدت المقابلات التي أجريت مع مشاركين من قطر والبحرين ومصر والأردن والسعودية ولبنان وتونس والإمارات أن 48% ممن هم ضمن الفئة العمرية 34-18 سنة، يرون أنه يجب أن يمتلك الناس الحرية في انتقاد حكوماتهم على الانترنت. فيما رأى 51% أنه باستخدام الانترنت يمكن للناس تفهم طبيعة السياسة بشكل أفضل.

 شنو يعني؟ إعادة رسم الخطوط الحمراء

وقد استفادت مجموعة أخرى من السوق المتنامية للتهكم السياسي، ففي الكويت حيث ضاق الناس ذرعا بالقنوات الحكومية ذات الرقابة المشددة، تشكلت مجموعة “شنو يعني تي في؟” وأطلقت قناة يوتيوب خاصة بها، مقدمة مشاهد كوميدية صادمة للمجتمع الكويتي، وتدخل بعض الموضوعات التي تتناولها في نطاق المحرمات، مثل الاعتداء الجنسي على الأطفال. لا تعتني تلك المجموعة كثيرا بإيصال رسائل محددة، بل يركزون أكثر على قدرتهم على اختبار حريتهم في التعبير.

يقول أحمد الشمري وهم ممثل في القناة “كنت أمشي في أحد المجمعات التجارية فاستوقفتني مجموعة من الناس قائلين إن المادة التي نعرضها تؤثر سلبا على الأجيال الشابة. فأجبتهم إن كنتم لا ترتاحون لذلك فلا تشاهدونا، لديكم جميع القنوات الحكومية لاختيار ما يناسبكم منها”. يضيف “بأن مهمتهم هي إعادة رسم الخطوط الحمراء وأنهم يفعلون ذلك ببطء وبالتدريج. حتى يتعالى صوت الناس بالتوقف. “عندما يدفع الناس إلى أقصى الحدود، عندها نرسم الخط” حسب قول الشمري.

وعلى الرغم من جهودهم للدفع نحو المزيد من حرية التعبير متطرقين لقضايا اقتصادية وسياسية فهناك العديد من الجهات وخصوصا الحكومية لا يروق لها ذلك.

basem yousif

ولا ننسى قضية باسم يوسف، النسخة المصرية من الإعلامي الأمريكي الساخر جون ستيوارت، حيث أعلن عن إنهاء برنامجه “البرنامج” بسبب ضغوط ومخاوف تهدد سلامته وسلامة عائلته. وكان يوسف قد بدأ نشاطه عبر اليوتيوب مثل جو حسين ونيكولاس خوري قبل أن يحصل على فرصته في برنامج تلفزيوني.

وبحسب ما تقوله هدى خميس فإن يوسف تم استغلاله كأداة بيد الحكومة المدعومة عسكريا فقد كان مجرد ألعوبة يستخدمونها لمهاجمة جماعة الإخوان المسلمين والرئيس مرسي والسخرية منهم، وما إن تم عزل إدارة الرئيس السابق محمد مرسي بعد انقلاب يوليو 2013، حتى حان وقت إنهاء يوسف خوفا من شعبيته وسخريته السياسية المؤثرة.

جاسم العلي مدير البرنامج القطري الشهير على الإنترنت “كلمة راس” رأى جميع وسائل الإعلام الأجنبية تتحدث عن بلده بشكل سلبي، فاعتقد أنه يجب عليهم أن يتناولوا ذلك بأصوات قطرية أكثر دراية بأمور البلد. ويناقش برنامجه الجديد نسبيا قضايا اجتماعية محلية، ولكن يبقى بعيدا عن السياسة، حيث يقول العلي إن مهمتهم الرئيسية هي مكافحة وتفنيد الصورة السلبية التي وصمت بها قطر بسبب الخلافات المستمرة التي تدور حول استضافتها لبطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2022.

وفي حين أن المناخ السياسي ودرجة التسامح تختلف من بلد لآخر، فالخطوط الحمراء ليست ثابتة وإنما تتمدد وتنكمش، كل هذه العوامل تساهم مجتمعة في وضع حدود لحرية التعبير في بلد ما، والتي لا يمكن أبدا أن ينظر إليها على أنها مقاس واحد يناسب الجميع.

وتحدث خوري عن الواقع المصري قائلا “في وقت سابق من عام 2014 التقى الرئيس المصري الجديد عبد الفتاح السيسي مع رؤساء تحرير الصحف المحلية وأخبرهم بأن إدارته لن تتسامح مع حرية الصحافة الكاملة، وأن مصر تحتاج للموازنة بين الحريات والأمن القومي. وأكبر خيبة أمل كانت بوصف الذين يتحدثون عن الفساد بأنهم “خونة” ومن يصمت عن ذلك ينال لقب “الوطني”…. هذه العقلية يجب أن تتغير”.

المصدر: الجزيرة

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.