Inside Out: رحلة عبر نضج المشاعر في عقول الأطفال والبالغين

Open - أسامة يوسف

كلما خلت قاعة السينما من المتفرجين، كلما كنت أكثر سعادةً. لكن توقعاتي قد خابت يوم ذهبت لمشاهدة فيلم Inside Out (قلباً وقالباً) إذ كنت أظن أن اختياري لموعد العرض لفيلم رسوم متحركة بالسادسةِ مساءًا في منتصف الأسبوع سيحقق رغبتي في قاعة غير مزدحمة، إلا أنني فوجئت أثناء حجزي للمقعد بأنني مُخير بين بضعة أماكن قليلة متبقية في القاعة الممتلئة. الغريب في الأمر، أن غالبية المتفرجين كانوا من البالغين مع أقلية من صغار السن. لكن هذه الغرابة اختفت تدريجياً مع عرض الفيلم.

من داخل عقل رايلي

Control Room

يُفتتح الفيلم بالوليدة “رايلي” التي تفتح عينيها لترى لأول مرة أبويها، لا من منظورهما فقط، ولا من منظور رايلي نفسها، وإنما من داخل عقلها، كي يعرفنا الفيلم تدريجيًا على أبطاله الحقيقيين: “المشاعر” التي بعقل رايلي، “فرح” و”حزن” و”خوف” و”اشمئزاز” و”غضب”. أثناء ذلك، يرينا الفيلم مشاهد سريعة من حياة رايلي السعيدة، مُستعرضًا كيفية عمل عقلها من الداخل، كيف تتعامل “مشاعرها” في “غرفة القيادة” مع الذكريات التي تُخزَن فيما يشبه كرات البولينغ، وكيف تستمد رايلي شخصيتها من عدة أماكن على شكل جزر تمثل كل منها عصبًا في حياتها، كالعائلة والمرح والصداقة والهوكي، فتصل بنا المشاهد سريعًا إلى نقطة البداية الحقيقية للفيلم، حين ترحل عائلة رايلي من مدينتها، وتُضطر إلى أن تواجه حياةً جديدة، تصارع للتكيف معها، بينما نتابع نحن المشاهدين الخيط الرئيسي للفيلم، وهو صراع المشاعر بداخل عقل رايلي أثناء مواجهة ما يحدث بالخارج.

من الطفولة إلى النضج

يمثل الفيلم مرحلة انتقالية بين طفولة رايلي وبدء نضجها. ففي طفولتها، كان من الطبيعي أن تكون “فرح” هي قائدة مجموعة “المشاعر” في عقل رايلي “الطفلة السعيدة”، على عكس أمها مثلًا التي ندخل في مشهدٍ سريع داخل عقلها فنجد أن “حزن” هي القائدة، كذلك أبيها أيضًا الذي يُجلس “غضب” في موقع القيادة بعقله. تتحرك وتتصرف رايلي وفقًا لتعليمات “فرح” بغرفة القيادة، واستمر ذلك طوال طفولتها، لكن مع بلوغها الحادية عشر، والمُستجدات التي طرأت على حياتها، باتت رايلي تواجه مواقفًا جديدة عليها، كانت هذه المواقف في حاجةٍ إلى أن تتولى “حزن” القيادة، فصارت تعصي أوامر “فرح” عبر الابتعاد عن كل شيء، تفعل ذلك غير عامدةٍ ودون أن تفهم ما الذي يدفعها إليه، ثم تشعر بالسوء بعد تأنيب “فرح” لها. كان ذلك إسقاطًا لأن رايلي لا تريد أن تكون حزينة، وتواجه هذا الشعور وتحاول دفنه حتى وإن كانت في حاجة إليه.

Personality Islands

 يؤدي تدخل “حزن” في غرفة القيادة إلى بكاء رايلي، أو إضفاء مسحة حزينة تجاه ذكرياتها القديمة الفَرِحة، وفي إحدى المواجهات بين “حزن” و”فرح”، يؤدي حادث ما إلى أن تخرج كلتاهما من داخل غرفة القيادة بعقل رايلي، إلى مكانٍ بعيد، بمخزن ذكرياتها، يفصل بينهما وبين غرفة القيادة جنبات عقل رايلي، تاركين “غضب” و “خوف” و “اشمئزاز” يوجّهون رايلي في حياتها. أما عن الخارج، فرايلي بحاجة إلى أن تحزن لكنها لا تترك لنفسها الفرصة، ويؤدي تزايد الضغط على حياتها إلى فقدانها السيطرة على مشاعرها وعلى رؤيتها، فتتغير نظرتها للعالم الخارجي، وتتغير شخصيتها مؤديةً إلى إنهيار “جزر” شخصيتها داخل عقلها، ما يؤثر على رحلة “فرح” و “حزن” هناك، وهي المغامرة التي ستؤدي في النهاية إلى إدراك كل من “فرح” بالداخل، ورايلي نفسها بالخارج أن رايلي في حاجة إلى أن تحزن، وأن عليها أن تتقبل ذلك، لأن حياة الكبار ليست أحادية المشاعر، بل هي مزيج من كل منهم، فكان إطلاق العنان لـ “حزن” بعد عودتها هي و “فرح” إلى غرفة القيادة هو الذي أنقذ رايلي وساعدها على تخطي ما حدث.

فيلم للبالغين

سيستمع الصغار بأفلامٍ كحكاية لعبة (Toy Story) أو حتى فيلم بالأعلى (Up)، وهي قصص بسيطة وممتعة تتحدث عن الصداقة القوية والوفاء، تنتزع ضحكات كثيرة منهم، ويخرجون من قاعات العرض فرحين. لكنهم حين يشاهدون Inside Out فإنهم سيرون مشهدًا تدخل فيه الشخصيات إلى مصنع الأفكار المجردة فينغلق عليهم هذا المصنع وتبدأ الأفكار بالتفكك والتحول إلى خطوط وألوان! أشياءٌ تقنية كثيرة كالذاكرات المركزية ومرحلة حركة العين السريعة في النوم، بالإضافة إلى فكرة الفيلم نفسها وتركيبة العقل من الداخل وتقسيمه إلى مناطق تبعًا لوظائفها: مصنع الأفكار المجردة، أرض الخيال، ستوديوهات الأحلام، مكب الذكريات. حاول صناع الفيلم أن يخرجوا عملًا أشبه بأفلام المخرج الشهير كريستوفر نولان (Christopher Nolan)، متعددة الطبقات، التي تجذب كل أنواع المتفرجين. لكن على عكس نولان، سيمتليء الفيلم بفجوات سردية كثيرة بالنسبة للأطفال.

الإمتاع البصري والصوتي

Watching an old memory

مثلما كان اختيار الممثلين الذين أدوا أصوات “المشاعر” موفقًا للغاية، وخاصةً “حزن” (أدت دورها فيليس سميث من مسلسل ذا أوفيس)، فقد كان رسم شخصيات “المشاعر” الخمسة موفقًا أيضًا، وإن كانت “فرح” شديدة الشبه بتينكر بل (Tinker Bell)، التي ظهرت في أفلام بيتر بان، بفستانها القصير والوميض من حولها، حتى أن “فرح” كانت في خفة تشبه طيران تينكر بل.

 لعبت ألوان الفيلم دورًا هامًا في السياق السردي، فألوان عوالم رايلي العقلية شديدة البهجة والتنوع، أكثر من ألوان عالمها الحقيقي في طفولتها، وإن ظلت ألوان بيتها في طفولتها مُبهجةً أيضًا، على عكس الألوان التي سترسم منزلها الجديد، تلك التي ستصبح أكثر قتامةً وأقل تنوعًا، ثم يأتي أحد أكثر مشاهد الفيلم إظلامًا، حين تحاول رايلي الهروب إلى مدينتها القديمة. قبل أن تأتي نهاية الفيلم بسرعة دون نمطٍ مُميز لحياة رايلي. لكن المشاهد الأخيرة لم تكن ملونة كمشاهد طفولة رايلي، ربما لأن الفيلم يخبرنا بأن الحياة لا تعود إلى الخلف، النهاية السعيدة تكمن في نضوج رايلي وتعايشها مع عالمها الجديد، حتى وإن لم يكن بألوان الطفولة.

عودة بيكسار

Imagination World

عاد بيت دوكتير، مخرج الفيلم، ببيكسار مجددًا إلى الإلهام الخالص بعد ست سنوات من استغلال نجاحات الأفلام السابقة بإنتاج أجزاءٍ جديدة، تخللها فشل الجزء الثاني من فيلم السيارات (Cars)، وظهور مُخيب لفيلم Brave. الطريف أن آخر الأفلام الأصيلة التي حققت نجاحًا لبيكسار قبل هذه السنين الست العجاف هو فيلم بالأعلى (Up) لدوكتير نفسه.

أكره الازدحام في قاعات السينما لأنه يمنعني من أن أستمتع بالمشاهدة، لكن قاعة السينما التي امتلأت عن آخرها بغالبية من البالغين لم تنطبق عليها هذه القاعدة. فكما انتزع مننا الفيلم ضحكات أصيلة وطيبة معًا، كان الجميع صامتين تمامًا في بقية مشاهد الفيلم، إلا من أصوات بكاءٍ خافت في بعض المشاهد. وفي ممر الخروج، كان الجميع يتشاركون آراءهم عن الفيلم بحماس وإعجاب.

فيلم Inside Out تجربة فريدة ومختلفة تغوص في أعماق النفس وتفتح مجالات التفكير بنفسياتنا وشخصياتنا، وبقدر ما هو مهم للطفل أن يعي ذلك في سن مبكرة، فإن أفكاره لا تقل أهمية عند الكبار ممن لم يسبروا بعد أغوار نفوسهم.