الحبة الوردية ولعبة السياسة: كيف وافقت السلطات على “فياغرا المرأة” رغم مخاطرها؟

Addyi-Flibanserin-009

آدي (Addyi)، الدواء الذي يعالج البرود الجنسي لدى السيدات، حصل أخيرًا على موافقة هيئة الأغذية والدواء الأمريكية (FDA) في الثامن عشر من أغسطس الماضي، بعد خمسة أعوامٍ تخللتهم محاولتان فاشلتان لنيل هذه الموافقة.

الحبة الوردية، المعروفة رسميًا باسمها العام المُستمد من مادتها الفعالة “الفليبانسرين” (Flibanserin)، ستغزو الصيدليات بدءًا من السابع عشر من أكتوبر المقبل وبأسعارٍ مُقاربة لأسعار الفياجرا، الحبة الخارقة التي تمنح الرجال القدرة على انتصابٍ أطول. وسيبادر مصنعو آدي، شركة سبروت للأدوية برالي (Sprout Pharmaceuticals of Raleigh)، ببدء محاضرات تعليمية للأطباء كي يعرفونهم على الدواء، وعلى الحالة المرضية التي سيعالجها وهي البرود الجنسي، أو كما تُسمى علميًا “اضطراب فتور الرغبة الجنسية” (Hypoactive Sexual Desire Disorder).

“لقد كانت رحلة طويلة بحق”، هذا ما قالته سيندي وايتهيد، رئيس مجلس إدارة شركة سبروت، لموقع بازفييد الإخباري. وتؤكد على أن الموافقة على آدي هي انتصار للمرأة، قائلة: “آمل ذلك، ليس فقط من أجل تأثيره المباشر على النساء، بل من أجل المرأة بشكل عام، هذه الموافقة تمثل نقلة هامة في المُحادثات المُستمرة عن الحقوق الجنسية للمرأة”.

تأسيس جمعية ضغط

تسليط الضوء بشكل استفزازي على القضايا النسوية ونصرة المرأة كان جزءًا جوهريًا من استراتيجية سبروت منذ عام 2014، عندما قاموا بتأسيس جمعية ضغط في واشنطن العاصمة تسمى بـ”حققوا التعادل” (Even the score). هذه الجمعية كانت ممولة بشكل جزئي من شركة سبروت، وفي رأي الكثير من الخبراء، كان لهذه الجمعية الفضل الأكبر لنيل موافقة الـ FDA على آدي.

قامت مجموعة “حققوا التعادل” بمد العديد من الصحافيين حول العالم بشهادات لمرضى بالبرود الجنسي، ودفعت العديد من منظمات حقوق المرأة البارزة بنعت الـ FDA بالعنصرية ضد المرأة، وأقنعت العديد من عضوات الكونجرس الأمريكي بإرسال خطابات للـ FDA.

بهذا الهجوم الشديد على عدة جبهات، تمكنت الجمعية من الالتفاف على قضية قبول الدواء، بتغيير معايير الحكم عليه من الكفاءة والأعراض الجانبية، وتحويلها إلى قضية نسوية.

كان العُنصر الأقوى في طرحهم هو عدد الأدوية التي تم قبولها لعلاج الاختلالات الجنسية لدى الرجال، التي تصل إلى 26 دواءً، بينما لا يوجد دواء واحد للنساء، مُثيرين بهذه النقطة القضية التي يتمحور حولها اسمهم، “حققوا التعادل”.

المشكلة في أن هذا الطرح غير صحيح بالمرة، فكما وضّحت الـ FDA والعديد من الخبراء في صناعة الأدوية، لا يوجد أي دواء في الأسواق يعالج البرود الجنسي عند الرجال، فلا علاقة للفياجرا بشهوتهم، بل إنها تعالج انتصاب الرجل من ناحية عضوية.

كيف يعمل آدي؟

anigif_original-1696-1439908036-9

وفقًا للخبراء، فالعديد من ادعاءات “حققوا التعادل” التي استخدموها لتحريك عملية الموافقة على آدي ودفعه للأسواق كانت باطلة. تقول أدريان بيرمان، أستاذ مساعد في علم العقاقير بجامعة جورج تاون: “هذه هي أشرس حملات العلاقات العامة التي شاهدتها من أجل دواء قبل الموافقة عليه… ارتداء عباءة نصرة المرأة كان تصرفًا بارعًا. لقد كانت حقًا حجة ذكية ومبتكرة”.

كان آدي قد خضع للاختبار سابقًا من قِبَل الشركة الألمانية “برينجير إنجلهايم” (Boehringer Ingelheim) كعقار مضاد للإكتئاب، لكنه لم يحقق النتائج المرجوة. ووفقًا لشهادات بعض المرضى، تم تجربة الدواء كمُثير للشهوة الجنسية للسيدات اللاتي يُعانين من البرود الجنسي، وهو المرض الذي يصيب ما بين 5.4% و 13.6% من النساء.

وعلى عكس الفياجرا، التي تزيد من معدل ضخ الدم في القضيب، يذهب الدواء الجديد بعيدًا، بتأثيره على منبع الشهوة الجنسية في مخ المرأة. في عام 2010، رفضت الـ FDA طلب برينجير إنجلهايم بالموافقة على هذا العلاج بسبب فاعليته المنخفضة.

سيندي وبوب وايتهيد

بعدها، جاءت شركة سبروت، المملوكة لسيندي وايتهيد وزوجها بوب وايتهيد، وحصلت على الموافقة على العلاج. الزوجان كانا على قمة شركة أدوية أخرى تُدعى سليت (Slate Pharmaceutical) التي قامت بتسويق علاج للمرضى من الرجال أصحاب المُعدلات المُنخفضة من هرمون التستيرون، عُبارة عن حُبيبات من الهرمون قابلة للزرع. وفي عام 2010، أرسلت الـ FDA خطابًا تحذيريًا من 11 ورقة لشركة سليت، لأن الشركة قامت بدعاية مضللة وغير مُدعمة عن العلاج، متضمنةً اقتراحات بأنه قد يُعالج أمراضًا أخرى كالاكتئاب والسكري والإيدز.

تحت سقف شركتهم الجديدة، أخضع الزوجان وايتهيد عقار آدي مرة أخرى إلى اختبارات هيئة الـ FDA، لافتين نظرهم إلى عوامل أخرى لقياس فاعليته. في عام 2013، تم رفض الدواء من جديد، استنادًا على أعراضه الجانبية التي تتضمن الخدر، ضغط دمٍ منخفض، اغماءات، ودوار، بالإضافة إلى تفاعل الدواء مع كل شيء آخر تقريبًا، بدءًا من المشروبات الكحولية، مرورًا بحبوب منع الحمل، وأدوية علاج الفطريات (في بيان موافقة الـ FDA على الدواء، أكدوا على عدم استخدام الدواء مع شرب الكحول)، كما أثارت الهيئة مخاوف لسلامة السيدات اللاتي لا يُعانين من المرض وسيتناولن حبة واحدة يوميًا من العلاج على المدى الطويل.

Female Sex Pill

بعد الرفض الثاني لآدي، ظهرت جماعة “حققوا التعادل” في الصورة. تدّعي وايتهيد أنه لا دخل لشركتها بتشكيل هذه الجمعية، التي تكونت في الأصل من تعاون عشرة سيدات بشكل مستقل، ضغطن على الـ FDA من أجل الموافقة على الدواء. لكن لم يمض كثيرٌ من الوقت قبل أن تتعاون كل من سبروت و”حققوا التعادل” وأكثر من شركة علاقات عامة معًا.

وفي الوقت الحالي، يتشكل كيان “حققوا التعادل” من شركة سبروت و ست وعشرين منظمة أخرى تتضمن منظمات نسوية غير هادفة للربح. يذكر أنه بالإضافة إلى سبروت، كانت هنالك شركة أدوية أخرى تُدعى “بالاتان” (Palatin) من ضمن الأعضاء المؤسسين لـ “حققوا التعادل”، هذه الشركة طورت عقاراً آخر لعلاج الاضطرابات الجنسية للسيدات، إلا أنها انسحبت بسبب الادعاءات المتكررة للجمعية بعنصرية الـ FDA ضد المرأة، ولتكرر متطلبات الجمعية المالية.

رفضت وايتهيد أن تكشف كم الأموال التي ساهمت بها شركة سبروت في تمويل “حققوا التعادل”، مُشيرة فقط إلى أن جميع الأعضاء كانوا يُدعون إلى التبرع، بجانب تحصيل أموال العضوية من جميع المُشاركين.

تضليل الرأي العام؟

ووفقًا لمؤسسي “حققوا التعادل” فإن الهدف من إنشائها كان واضحًا على الدوام: الدعوة إلى الموافقة على إيجاد علاجٍ للبرود الجنسي لدى السيدات، واستهداف الإعلام، الكونجرس، والـ FDA، عبر اللعب على ذات الوتر الذي نجح سابقًا مع قضية منع الحمل: حرية اختيار المرأة. ادعى أعضاء الجمعية أن رفض الـ FDA للفليبانسرين يُبرز بوضوح موقفهم المُتعنت ضد المساواة بين الجنسين، وتقول سالي غرينبرغ، المدير التنفيذي لرابطة المُستهلكين الوطنية (National Consumer League)، وعضوة في “حققوا التعادل”: “أردنا أن نفهم الأمر من منظور الـ FDA، لماذا يتسبب إقرار هذا الدواء بمشكلة لديهم؟ نحن نرحب بأن نكون جزءًا من كيان يناقش إمكانية وجود تمييز جنسي بشكل غير واعٍ في جهاز الـ FDA”.

بعض المناصرين الآخرين لصحة المرأة لا يبدون سعادة بهذه الطريقة غير العلمية للتعامل مع الأمر، والبعض الآخر يشكك أصلًا في كون برود الشهوة الجنسية مرضًا من الأساس. إذ رفضت الشبكة الوطنية لصحة المرأة (National Women’s Health Network)، وهي منظمة غير ربحية كبيرة ترفض تلقي أي تمويل من الشركات، أن تنضم إلى “حققوا التعادل”، بل وشكلوا حملات ضد الموافقة على العلاج.

تقول سيندي بيرسون، المدير التنفيذي للشبكة المحلية لصحة المرأة: “البيانات كانت سيئة للغاية، فقط سيئة”، مشيرة إلى نتائج اختبارات العلاج التي أظهرت فاعلية صغيرة نسبيًا، بالإضافة إلى العديد من الأعراض الجانبية البالغة، وتضيف “نحن نناصر دائمًا صحة المرأة، لكننا نرى أن هذا العلاج يجب أن يُرفض”.

تشكلت جماعات ضغط من المرضى، وحصلن على تمويلاتٍ من شركات الأدوية ليتحدثن عن حالتهن، ولكي يجمعن التبرعات المالية من أجل الأبحاث، بالإضافة إلى مساعدتهن في الضغط من أجل الحصول على الموافقة على الدواء.

يرى العديد من المراقبين أن جمعية “حققوا التعادل” قامت عامدةً بتضليل الرأي العام بإبراز الموافقة على آدي كقضية سياسية جوهرية. “ليس ذلك إلا تسييس لما يجب أن يحدث من إجراءات وفقًا لمعايير علمية… أعتقد أن في ذلك تجاوزٌ لخطوط، أن يحولوا مسألة الموافقة على العلاج إلى قضية سياسة”، كما يقول ستيف ولوشين، أستاذ الطب في كلية دارتموث.

قامت “حققوا التعادل” بدفع مبالغ مالية لمرضى البرود الجنسي، كي يحضرن اجتماعات الـ FDA. وتمكنّ من إقناع 11 عضو من الكونجرس بتوقيع خطاب موجه للهيئة، يقول الخطاب في فقرات منه: “لقد تصاعدت الأصوات المنادية بتحقيق المساواة بين الجنسين في الموافقة على علاجٍ للاضطرابات الجنسية”.

هذا الخلط في المفاهيم وتحويل القضية من موضوع طبي وعلمي بحت إلى مسألة سياسية تتعلق بحقوق المرأة أدى إلى دفع المُحادثات حول القضية بعيدًا عما هو أكثر أهمية: نسب نتائج العلاج المتعلقة بالفاعلية والأمان.

التشكيك بأعضاء اللجنة

Graphics Project

وتقول سوزان وود، مديرة معهد جاكوب (Jacob) المختص بصحة المرأة في جامعة جورج واشنطن: “يجب أن يُتخذ القرار وفقًا لمعايير الـ FDA المبنية على أسس طبية وقانونية”. كانت وود المديرة السابقة لمكتب صحة المرأة في الـ FDA، إلا أنها استقالت بعد مناوشات سياسية مُماثلة كمعركة السماح ببيع الأدوية في الصيدليات دون وصفات طبية.

وعلى العكس من معركتها السابقة التي واجهت فيها ضغطًا سياسيًا خارج نطاق الأطباء والعلماء أصحاب الرأي في الموافقة على الأدوية من عدمها، تقول وود أن “حققوا التعادل” قد شخصنوا القضية باتهامهم أعضاء الـ FDA بأنهم متعصبين ضد للمرأة. وتضيف: “لقد صار الأمر تحديًا، ليس فقط لهيئة الـ FDA، وإنما أيضًا للمُراجعين العاملين بها، الذين هم في الأصل أناسٌ طيبون حريصون على صحة المرأة”.

وقد كان ذلك واضحاً في واقعةٌ جرت في اجتماع اللجنة الاستشارية للـ FDA في يونيو 2015، حيث خصصوا ساعتين لشهادات المرضى، حينها كانت امرأةٌ متعاونة مع “حققوا التعادل” تسقط تعليقاتها على الرجال المُشاركين في اللجنة. يقول وليد جِلاد أحد أعضاء اللجنة، وأستاذ مساعد في جامعة بيتسبرغ: “لقد كان الأمر غير مريحًا بالمرة في بعض الأحيان”. وقد انتهى الأمر بوليد مُصوتًا لصالح آدي، زاعمًا أنه على الرغم من الجدل المثار حول فاعليته ومدى أمانه، إلا أنه قد يساعد، حتى ولو بنسبة ضئيلة، عددًا من السيدات. وقد  كان صوته من ضمن الأغلبية، إذ كانت نتيجة تصويت اللجنة 18 مقابل 6 لصالح التوصية بالموافقة على الدواء. ما يُعد تغيير شديد في الموقف بعد التصويت بالإجماع ضد آدي في اجتماع مماثل بأكتوبر 2014.

تقول بيرسون، مُمثلةً الشبكة الوطنية لصحة المرأة: “يمكن لأي مراقب أن يرى أنهم لم يعملوا على تطوير البيانات التي قدموها من قبل، ولا على الناحية العلمية، بل كرسوا كل أموالهم وخططهم محاولين إنهاء هذه المعركة عن طريق ضغط المُناصرين… لقد كان ذلك مُحبطًا، أن يحاولوا الفوز بالدعاية والضغط لا عن طريق العلم”.

على الجانب الآخر، تؤكد “حققوا التعادل” أن الموافقة على آدي هي مجرد خطوة أولى في طريق إتاحة أدوية أخرى لعلاج الاضطرابات الجنسية لدى السيدات. تقول غرينبيرغ: “لسنا نُحارب من أجل علاج واحد فقط، فمن حق المريضة أن يتوافر لها العديد من الاختيارات، تمامًا كمضادات الاكتئاب. نريد للمرأة أن تحصل على نفس الخيارات التي يتمتع بها الرجل”.

المُشكلة في ذلك، هو عندما تكون هذه الخيارات المُتاحة أمام المرأة ليست أفضل ما يمكن أن تحصل عليه، مثل أن تتناول سيدة ما إحدى هذه الحبوب، فلا تساعدها، بل تسبب لها أعراضًا جانبية سيئة.

تقول بيرمان من جامعة جورج تاون: “في هذه الحالة، تكون “حققوا التعادل” قد قامت بأعمالٍ مُعادية للمرأة” لخدمة منتجي هذا الدواء.

المصدر: BuzzFeed

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.