صراع الأجيال في مصر: هل يحتضر الشباب أمام وصاية الجيل القديم؟

محمود جمعة

بين طيّات صفحات جريدة ورقية متهالكة وهاتف ذكي يُحدثك بوسائط متعددة ويستجيب لك كما شئت، تكمن الفجوة وأرجوحة الزمن التي تسعى دوماً للبحث عن اليقين، لا الحقيقة فقط.. ثم تكتشف مع الوقت أنه تم التلاعب بها.

عندما توقف الزمن

 

egypt jan 25

منذ إندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 في مصر، كان بإستطاعة أي شخص أن يرى مدى الإهتمام والحفاوة التي حظى بها الشباب المصري، وذلك الإختراع العجيب المسمى فيسبوك، كان ثناءً كبيراً من شاكلة “أحسنتم، ما فعلتموه لم نقدر على فعله منذ سنوات”، “انتم أفضل منا بكثير، رأينا الظلم وصمتنا طويلاً” ولك أن تتخيل حينها كم المشاركات السياسية للشباب عبر المنصات الإعلامية المختلفة. كان الوضع عظيماً ومُبشراً، إذ حان الوقت ليجلس الجميع على طاولة واحدة يناقشون فيها أوجاع الوطن، والكل مُرحب به ليطرح وجهة نظره، ليس في السياسة فحسب بل حتى على المستوى الإجتماعي بين الآباء والأبناء أو في المواصلات العامة والشوارع، الحال تغير تماماً وأصبح يرانا كبار السن بشكل مختلف وبنظرة أعمق تحمل تقديراً لعقولنا وطموحاتنا، ولهذه التكنولوجيا التي جعلتهم يسألون أنفسهم لمرة واحدة، ما الذي يحدث حولنا؟ هل توقف بنا الزمن؟

مرت الأيام بقرارات تُنهي احتقان الشارع. ثم مضت أشهر وسنوات تدارك الجميع فيها التكنولوجيا، وتدارك الشعب الديمقراطية وبدأ يرى قيمة صوته وإرادته.. حتى أتت بعدها تظاهرات الثلاثين من يونيو ليُعلي شعب مصر كلمته للمرة الثانية، لكن أي ديمقراطية نتوقعها بعد ذلك؟ 

فقد عادت العجلة إلى الخلف بنفس الفكر والتهميش وإلغاء دور الشباب الذين فعلوا ما لم يقدر الكثير على مجرد قوله منذ سنوات، بدأت الرحلة مرة أخرى لكن بمنطقهم المتهالك القديم الذي يؤمن بطاقة الرجل الواحد.. وكأن الثلاثين من يونيو ما هي إلا تصحيح مسار خطأ بدأه بعض المراهقين والهواة غير المنطقيين.

ولست هنا أتحدث عن القادة، بل عن نقاشات العوام في المنازل والشوارع والمقاهي، في الساحة الحرة التي نمارس فيها السياسة بشكل مُنتظم ولا إرادي. حيث عادت نفس الرؤية ذات الأفق الضيق التي يرانا بها آباءنا وكبار السن، الطيش والحماس الفارغ الذي لا يُفيد أبداً.. لذلك ربما تُخطىء كثيراً حين تُدلي الآن برأيك في لقاء موسع للعائلة، أو حين تذكر سهواً المطالب الأولية التي قامت من أجلها الثورة في الأساس، لا تنتقد أداء الحكومة.. لا تقل شيئاً حول خطاب الرئيس.. تناول الكعكة واصمت.

الوصاية من جديد

عادوا بشكل الوصاية الدائم الذي يقرر ما هو الأصح والأنسب في كل شيء. وصاية تسببت في خلافات من نوع جديد لم نعهده من قبل وصلت إلى حد الخلافات الأسرية، إلى الحد الذي يؤدي بالأب أو الأم الإبلاغ عن أبنائهم لمجرد اختلافهم بالرأي أو التوجه، ونذكر منها على سبيل المثال واقعة الشاب المصري علي الزيات التي أبلغت عنه والدته بسبب عضويته في حركة “6 إبريل”، وأيضاً الطالب خالد عبد الحميد الذي أبلغ عنه والده لمشاركته في المظاهرات المؤيدة لمرسي، ونشرت حينها بعض الصحف المصرية رسالته الذي أرسلها من داخل السجن والتي كانت تحمل عنوان “لماذا يا أبي؟” وتم تداولها من قبل الكثيرين على مواقع التواصل الإجتماعي.

لا يمكننا بالطبع أن نعمم هذه الأمثلة على المجتمع، إلا أنه لا يمكننا إنكار أننا أمام حالة فريدة يتسيدها قطاع عريض من أجيال سابقة عانت بدورها الكثير وباتت تخشى التغيير. أتساءل دائماً ما الذي جعلهم هكذا؟ ربما تسببت فترات الحروب والاحتلال المختلفة والمعاناة التي شهدها المصريون بهذا الصمت الذي نراه والتظاهر بالرضا مهما كان الحال؟ ربما حولتهم بيروقراطية الدولة لنمط واحد يجعلهم يستكملون حياتهم هكذا، متأقلمين بأي وضع تحت مظلة قائد واحد، وفي عشق مطربة واحدة، وبين أوراق وظيفة واحدة طوال العمر، لا يُحبذون التغيير ابداً.

Om Kalthoum Abdulnaser

ما يجعلك تتعجب أكثر هو طريقة حديثهم عن المستقبل والتي تُشعرك انهم ما زالوا في العشرينات يملؤهم الشغف والطاقة لكنهم يعجزون عن رؤية ما نراه، لا يريدون أن يشعروا بما نشعر به، يكتفون بمشاهدة التلفاز والتفاؤل، حيث يسمحون لكل من يطل على الشاشة أن يقتحم رؤوسهم، فلا أحد يكذب في التلفاز.. تلك الحقيقة المؤكدة عندهم.

الحديث عن صراع الأجيال وتباعد أفكارهم مادة خصبة جداً للنقاش والتحليل على مر العصور، لكنني أتحدث هنا تحديداً عن الثقة التى من الممكن أن تمنحنا الكثير، فقط حين يُدركون أن سواعد الشباب هي أضمن وأقرب وسيلة لتحقيق التقدم.

نحن من تنمو أعمارهم بسرعة تطور الهواتف والأقمار، سنظل مثلكم في هذا المناخ نسعى وراء معرفة ذواتنا حتى نصل إلى سن الخمسين بلا أي شيء، ثم نفعل ما يُشعرنا بالضيق الآن بشكل لا إرداي مع أطفالنا وتظل الدائرة مُغلقة إلى الأبد.. فهل تنفتح؟

Jan 25

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن