أزمة اللاجئين السوريين إلى أوروبا: كيف بدأت وأين وصلت وما هي أبعادها؟

أسامة يوسف

“كنت طبيبةً في بلدي، أما هنا فأنا لا شيء.. لا شيء. أنام في الشوارع، ويصيح بنا الناس ’سوريون! سوريون!‘ ، وما بسوريا؟! إنها بلد طيبة.. بلد جميلة، ونحن أناس طيبون. لكنها الحرب، قد دمرت كل شيء جميل. نحن لا نمتلك الآن أي شيء، لقد فقدت كل ما هو جميل في حياتي، حياتي كلها. لقد تركت خلفي أبي وأمي، لقد تركت أصدقائي، وتركت أموالي، لم يكن باستطاعتي مساعدتهم، إنني في حاجة لحياة كريمة من أجل أبنائي”. بصوت مُتهدج، وإنجليزية مُتعثرة، تتحدث أماني عزام، سوريةُ نازحة بفعل ويلات الحرب، حالفها الحظ حتى هذه اللحظة، واستطاعت المرور عبر البحر الذي سبق أن ابتلع مئات من أبناء وطنها المنكوب، حاولوا العبور من السواحل الغربية لتركيا إلى اليونان، تحديدًا إلى جزيرة كوس أو شقيقتها ليسبوس حيث وصلت أماني. لا يقتصر الأمر على السوريين فقط، فذلك أحد الطرق التي يحاول عبورها اللاجئين من حول العالم، في سعيهم للوصول إلى جنة الاتحاد الأوروبي.

مراكب الموت قبل الربيع العربي

كانت قضية مراكب الموت  مثار اهتمام في مصر ما قبل الثورة، الباحثون عن فرص الحياة بأوروبا يفقدون ما يملكونه منها في عرض البحر، وتتم إعادتهم جثثًا هامدةً إلى ذويهم. بعض المراكب كانت تقل نازحين من جحيم دارفور، يبحثون عن فرصة للّجوء السياسي بأوروبا، لكن غالبية اللاجئين في ذلك الوقت من الدارفوريين كانوا يتجهون إلى الأماكن المجاورة مثل تشاد. أما العراقيين الذين فروا من القصف الأمريكي عام 2003، فقد فضلوا البقاء في الشرق الأوسط، موزعين بين سوريا ومصر والأردن ولبنان والإمارات وإيران، بعيدًا عن أهوال البحر المتوسط. لذا، كانت القضية حينها تدور حول الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا عن طريق البحر، لا قضية لاجئين.

بعد هبوب نسيم الربيع العربي الذي تحوّل إلى عاصفة في سوريا، دُهس المدنيون بفعل الحرب الأهلية الناشبة بين جيش الرئيس الحالي بشار الأسد، والفصائل المتقاتلة المُختلفة، بالإضافة إلى الدولة الإسلامية بالعراق والشام (داعش)، وأصبحت سوريا ساحة للقتال لا مكان فيها للأبرياء، فإن أفلتوا من قصف جيش بشار العشوائي، لن يفلتوا من جُرم الداعشيين الذين لا يتوانون عن ذبح أسراهم أو حرقهم أحياء، بينما يفرضون حُكمهم في المناطق التابعة لنفوذهم بالحديد والنار.

إغلاق الأبواب في وجه اللاجئين

yazidi-refugees-flee-iraq

في البداية، فر السوريون إلى البُلدان المجاورة، الأردن ولبنان وتركيا ومصر، وحتى إلى العراق التي تعد ساحة صراع أخرى. بينما لم تستضف دول الخليج أيٍ من السوريين، على الرغم من أنها لا تزال تأوي العاملين بها في الأساس من أبناء الشام. ففي الوقت الذي يبلغ عدد اللاجئين فيه بمصر ما يقرب من 133 ألفًا، وفي العراق 248 ألفًا، وبالأردن 628 ألفًا، وتحتضن لبنان الصغيرة 1.2 مليون سوريًا، ما يشكل خُمس كثافتها السكانية، ووصل عدد اللاجئين بتركيا إلى 1.8 مليونًا. ظل عدد اللاجئين السوريين بالسعودية والكويت وقطر والإمارات صفرًا. وقد برر أستاذ العلوم السياسية، عبد الخالق عبدالله، موقف بلاده، الإمارات، من ذلك بأن استقبال أعدادًا من اللاجئين في ظل الغالبية الكاسحة من الأجانب المتواجدين في البلد سيؤدي إلى جعل الإماراتيين أقليةً في بلادهم. بينما ذهب المُحلل السياسي الكويتي، الدكتور فهد الشليمي بعيدًا، بنعته اللاجئين السوريين بذوي المشاكل العصبية والنفسية، وأضاف أن طبيعة بلاده المادية لن تحتملها أوضاع اللاجئين الفقراء.

في نفس الوقت، كان الإريتريون يطمحون في ترك بلادهم والهروب إلى أوروبا بسبب النظام الديكتاتوري الحاكم، الذي لا يفوقه طغيانًا من وجهة نظرهم سوى نظام كوريا الشمالية، يشعرون وكأنهم في عزلة عن العالم، وأن البلاد عبارة عن سجنٍ كبير، يخضعون لتجنيد إجباري قاس في مقابل أجورٍ بخسة، وفي ظل فساد كبار الضباط بالجيش. وفي مكانٍ آخر بشرق آسيا، تزدهر تجارة مُهربي البشر في أفغانستان، البلد التي ظلت تحتل المركز الأول كمصدرة للاجئين إلى العالم لاثنين وثلاثين عامًا على التوالي، حتى اندلاع الحرب السورية.

رسم يبين أعداد اللاجئين السوريين في دول الشرق الأوسط

رسم يبين أعداد اللاجئين السوريين في دول الشرق الأوسط

أما السوريون الذين لم يُرحب بهم في دول الخليج الغنية، وضاقت بهم البلدان التي استضافتهم، بسبب الفقر، أو حتى بسبب التعنت كما يحدث في مصر، فقد سلكوا مسلك الإريتريين والأفغان، ومن قبلهم الدارفوريين والمُهاجرين غير الشرعيين، وأقبلوا على السفر إلى أوروبا، حيث القوانين التي تضمن لهم حقوقًا كلاجئين، بالإضافة إلى  فرصٍ في معيشة طيبة، وسلام قد فقدوه في أوطانهم.

ما الذي يجري في أوروبا؟

يستغل بعض المهربين انفلات الأوضاع في ليبيا كي يضع زبائنه من الحالمين بالهجرة في مراكب صيدٍ، أو مراكب مطاطية صغيرة لا تحتمل، ويدفعهم إلى ظلمات البحر المتوسطـ، نحو وجهتهم إلى السواحل الإيطالية أو اليونانية، وذلك في مقابل مبالغ تصل إلى ثلاثة آلاف يورو للشخص الواحد. لكن الأكثر حظاً منهم ممن يجدون أنفسهم في تركيا، فلن يحتاجوا إلا إلى أن يقطعوا مسافة أقصر بكثير من أقرانهم، فالمسافة بين سواحل تركيا وجزيرتي كوس وليسبوس في غاية القصر، وبمجرد وصولهم إلى شاطئها، سُيرسلون إلى ميناء بيراوس بعد ذلك حيث تبدأ رحلتهم البرية إلى بلدان الاتحاد الأوروبي الأفضل حالاً.

أحصت اليونان 230 ألف لاجيء وصلوا إلى أراضيها منذ مطلع هذا العام فقط، ويُقدر عدد من وصلوا من اللاجئين عبر البحر مُجملًا إلى 350 ألف لاجيء، في المقابل، تُوفي أكثر من 2600 شخص غرقًا في البحر المتوسط.

Migrants-Mediterranean

ووفقًا لمعاهدة دبلن، يتوجب على اللاجئين أن يبقوا في دولة الاتحاد الأوروبي الأولى التي وصلوا إليها حتى يتم البت في طلباتهم، وإذا ما فروا وانتقلوا إلى دولة أخرى، يتم ترحيلهم إلى الدولة الأولى مُجددًا، وذلك لمنع اللاجئين من تقديم طلباتهم في أكثر من دولة تابعة للاتحاد الأوروبي. ما يُعد كابوسًا لإيطاليا واليونان، ميناء وصول اللاجئين من عابري البحر، فتحملت كلا الدولتين بمفرديهما الجانب الأكبر من هذا العبء. لكن بعد الزيادة غير المسبوقة في أعداد طالبي اللجوء بإيطاليا، هدد رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي بأن بلاده ستصدر تأشيرات لهؤلاء اللاجئين كي يستطيعوا السفر بحرية إلى بقية بلدان الاتحاد الأوربي، فينزاح عن بلاده هذا العبء. إلا أن اللاجئين لم يُعيروا هذه المُعاهدة انتباهًا من الأساس، فهم يحاولون دائمًا الخروج من الحصار اليوناني أو الإيطالي، حيث يعانون من المعاملة القاسية والظروف السيئة، إلى بلدان الاتحاد الأوروبي ذات السياسات التي ترحب باللاجئين والتي توفر لهم حقوقًا أفضل، كألمانيا وإنجلترا.

لم يكن الموقف الأوروبي مُتفهمًا لدوافع المُهاجرين الحالية التي تتمثل في الهرب من الحرب، فظلوا على موقفهم القديم بأن هؤلاء الفارين إليهم عبر البحر، ليسوا سوى طامعين في الثروات الأوروبية، وسيحملون معهم إلى جنات أوروبا الفقر والعنف، بل ويهددون الطبيعة الديموغرافية لدول أوروبا. غاضين النظر عن أن 62% من الذين قد وصلوا إلى أوروبا هذا العام عن طريق البحر، ينتمون إلى سوريا أو العراق أو إريتريا، وفي ظل الظروف التي ترزح فيها أوطانهم، سيكون دائمًا من حقهم وفقًا لقوانين الاتحاد الأوروبي الحصول على اللجوء السياسي، بل وبإضافة بلدانًا تعاني من ظروف مماثلة، كالعراق ودارفور والصومال ونيجيريا، سيصل عدد مستحقي اللجوء السياسي من المُهاجرين إلى 70%. على الرغم من ذلك، قام الاتحاد الأوروبي ببدء عمليات عسكرية قبالة السواحل الليبية قبل انتصاف العام الحالي، محاولين محاربة شبكات المهربين من جذورها، وهو ما لاقى رفضًا ليبيًا رسميًا، وانتهى إلى فشل ذريع أدى لاستمرار وصول اللاجئين إلى الشواطيء الأوروبية.

زوجان سوريان يتعانقان بعد وصولهما سالمين لسواحل جزيرة ليسبوس قادمين من تركيا

زوجان سوريان يتعانقان بعد وصولهما سالمين لسواحل جزيرة ليسبوس اليونانية قادمين من تركيا

فشل الحل الجماعي أعاد المشاكل إلى حيزها الأول، عند إيطاليا واليونان، وتسابقت البلدان الأوروبية في استكمال بناء الحواجز ووضع الأسلاك الشائكة على طول حدودها مع جاراتها في سبيل حماية أنفسهم من وفود اللاجئين الذين وصلوا إلى سواحل أوروبا ويشقون طريقهم عبر دروبها، مثلما يحدث في المجر التي نشرت أكثر من ألفي شرطي على حدودها مع صربيا، وأطلقت الغازات المسيلة للدموع على اللاجئين كي لا يعبروا إلى أراضيها. هذه الأوضاع تهدد بشكل واضح المبدأ الأساسي لمنطقة الشينجن، وهو حرية الانتقال عبر أراضي الدول أعضاء الاتحاد الأوروبي، ما يُعد حجر أساسٍ لهذا الاتحاد. لذلك تحتاج أوروبا إلى حلولٍ أخرى من خارج صندوق الحلول الأمنية.

ألمانيا تأخذ المُبادرة

welcome to germany refugees

منذ أيام، قررت ألمانيا تجميد عملها باتفاقية دبلن، فاتحةً أبوابها أمام النازحين السوريين تحديدًا، كي يسجلوا طلبات لجوء إليها، في خطوة هي الأهم بالنسبة للسوريين بعد كل ما عانوه في الأعوام الماضية. وجاء القرار وسط تخوفات من جاراتها بسبب تأثير هذا القرار عليهم، في ظل ازدياد أعداد اللاجئين الحالي. وأتت الخطوة بعد تفاقم مأساة غرق السوريين، وخاصة مأساة غرق الطفل السوري إيلان كردي، التي جذبت اهتمامًا وتعاطفًا عالميًا، كما برزت حادثة أخرى وهي العثور على جثة 71 مهاجرًا وجدوا مُختنقين في صندوق مغلق لشاحنة مهجورة بالنمسا، أغلبهم من السوريين، كانوا غالبًا في طريقهم إلى ألمانيا.

 إلا أن البعض يشكك في اقتصار دوافع ألمانيا على الجوانب الإنسانية فقط. فالبلد التي تعاني من انخفاض أعداد مواليدها، وسط ترشيحات بتراجع أعداد سكانها من 80.8 مليون نسمة إلى 67.6 مليونًا بحلول العام 2060، فهي بحاجة إلى ضخ المزيد من الأيدي العاملة للحفاظ على ترتيبها كأقوى اقتصادٍ في أوروبا، ما يجعل توافد السوريين عليها فرصةً ذهبية لتجديد دماء مجتمعها الشائخ.

ولم تقتصر الجهود الألمانية على إيواء اللاجئين فقط، بل إن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تساند خطة رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر في تحديد توزيع ملزم لـ 160 ألف لاجيءٍ على دول القارة. وستؤدي هذه الخطة إلى إعادة توزيع 60% من اللاجئين المتواجدين في اليونان وإيطاليا والمجر، إلى ألمانيا وفرنسا وأسبانيا، وتتضمن هذه الخطة تعديل معاهدة دبلن التي أثبتت فشلها.

مخاوف اقتصادية وأمنية

Migrants from Syria walk in Macedonia near the Greek border

بشكل عام، يثير البعض مخاوفًا من أن إيواء اللاجئين سيؤدي بالضرورة إلى التأثير على فرص عمل المواطنين الأوروبيين، بجانب التشدد الديني الذي قد يصل في بعض الأحيان إلى أعمالٍ إرهابية، كما حدث سابقًا في فرنسا بحادث تشارلي إيبدو. في المقابل، تطرح جريدة الإيكونومست وجهة نظرٍ مُغايرة، فبالإضافة إلى أن هؤلاء الوافدين الجدد يجلبون مهارات وأفكارٍ جديدة، فإن دمجهم في المجتمع وإتاحة الفرصة لهم كي يمارسوا أعمالهم سيكونان كافيين لمواجهة الأفكار المتطرفة بداخلهم، كما تؤكد الدراسات على أن هؤلاء اللاجئين يتجهون إلى إنشاء أعمالهم الخاصة الجديدة بشكل أكبر من المواطنين، وبالتالي سيحجمون عن ارتكاب جرائم بشكل أكبر من المواطنين من أبناء البلد. في المقابل، لا تسمح دولة كإنغلترا بعمل اللاجئين، بل إن دولًا أوروبية قد انفقت ما يقارب 11 مليار يورو على ترحيل اللاجئين منذ عام 2000، وهو مبلغًا كان كفيلًا بدمج هؤلاء اللاجئين في المجتمعات الأوروبية، مما يؤدي إلى إسهامهم في مكاسب اقتصادية لهذه البلدان.

حتى وإن كان قرار ألمانيا بإيواء عدد كبير من اللاجئين السوريين بدافع المصلحة فقط، فما يهم هؤلاء اللاجئين هو وصولهم إلى وطنٍ جديد يحتويهم ويمنحهم الفرصة والأمان بعد الطريق الصعب الذي قطعوه، ونجاتهم من الموت ألف مرة. فربما تستطيع أماني عزام أن تصل إلى ألمانيا مُرحبٌ بها، وتتاح لها الفرصة بأن تمارس الطب من جديد، وتربي أبناءها في حياة كريمة، بينما تحكي لهم عن أجدادهم الذين حُبسوا في وطنٍ منكوب.

للتعرف على مواضيعنا أولاُ بأول تابعنا على تويتر  Follow us on Twitter @beopendotme

MACEDONIA-EUROPE-MIGRANTS

مصادر: Mashable، Telegraph، CBC، Economist، The Guardian، Vox، BBC، Amnesty USA، Watson Institute، France24، The Guardian II