أرواح ذائبة: إهداء لمن أضاع روحه وسعى لها من جديد

كتب هيثم النصف

تعيش أغلب المجتمعات الحديثة والمتقدمة على تقديس الهوية الفردية لكل شخص وصقلها واحترام اختلافاتها، وتقديس الاستقلالية والرأي الشخصي و التفرد  بكل مراحله وتكريسه كمنهج تربوي في المنزل والمدرسة، حتى أنه أصبح من البديهيات في أدبيات التربية. إلا عندنا نحن، نسبح عكس التيار، حتى في الثقافة العامة نعتبر “التفرد” قيمة سلبية، غير آبهين لأنفسنا ومهمشين لها، دون النظر إلى كيف سننشئ أجيالنا القادمة، فمازلنا نمجد تسخير أرواحنا وحياتنا من أجل الغير، نؤمن أن العيش بالظل هو الفضيلة وما زلنا نعتقد بأن “الشمعة التي تضيء لمن حولها ” مثال جيد للإيثار، لكننا لا ندرك أن هذه الشمعة تذوب حتى تختفي وتنضب، نستهلك طاقتنا وصحتنا من أجل الغير ونفقد سعادتنا الذاتية، شيئا فشيئا حتى غدت شمعتنا بدخانها الأسود  تلوث من حولها  بدل أن تنير عليهم، وهو تماماً ما يحصل عند خسارة الروح لسعادتها الذاتية واستقرارها، فلا يمكن أن نعطي ونمد اليد لمن حولنا من دون تحصين أنفسنا وتأسيس قوتنا النفسية وتحصين أرواحنا بمنحها السعادة والتفرّد، فيمنحنا ذلك توازنا نفسيا رائعا هو الأهم، وهو ما يحيي من حولنا و يعيننا على مساعدتهم بشكل حقيقي فنضيء لمن  يحتاج النور من حولنا بشكل أفضل.

نحن كأفراد نعيش في هذه المجتمعات العربية مساكين، نعم مساكين.

نفخر بانتمائنا الفكري من دون فهم ما يجب أن يتوارث وما يجب أن يتم التخلص منه، نملك ما لا نعرف قيمته ونسعى لما هو ليس لنا، نعيش طفولتنا وشبابنا تحت ضغط الأهل والمجتمع والقيود الوهمية التي ترغمنا على إذابة أرواحنا الحرة وتكسير قواعد شخصياتنا المتغيرة بل وحتى فطرتنا الإنسانية بحجة الإلتزام بالـ “الموروث” و”المفروض”، وكأنهم يصبون أرواحنا في قوالب ثلج لكي تتشكل كما يشاء ذالك العقل الجمعي الناقص ، فيتم تعبئتنا كالماء بقوالب المجتمع، نتشكل كيفما يشاؤون، إلا أن الروح أخف من الهواء وأعذب من الماء وأرق من ان تتشكل بهذه الطريقة.

وأقول “العقل الجمعي الناقص” لأنهم لا يعلمون ولا يدركون حقيقة حياتية وعلمية وتربوية بحتة، وهي أن الروح ليست ملكا لأحد، ولا تتشكل ولا تصقل كما يشاء الآخرون، فقد تتمكن من كبتها وإسكاتها لإراحة الفكر الأناني السائد وحمايته من الروح الحرة الطليقة لكنك لن تتمكن من تغييرها. يمكنك إخافة الروح أو إخفائها أو حتى تغطيتها وإنكارها، لكنها لن تتزحزح، لأنها حرة لا تتغير، ومآلها أن تعرف طريقها حتى وإن كان الشخص نفسه على قناعة بأن هذه القوالب وضعت لمصلحته. ففي كل منا تلك الألماسة المدفونة، التي تحتاج للتنقيب والبحث والصقل حتى تبرق وتظهر حقيقتها وجمالها المكنون. إنها روحك التواقة للحياة، إنها طبيعتك الحقيقية الخالصة.

ها نحن نعيش ونكبر ونتعلم ونحن نسير على طريق معبد وضعه من أتى قبلنا، طريق غير مكتمل  ناقص، يحدد كيف ندرس ونتعلم ويحدد قوانيننا وكل مناحي حياتنا. نهج بات جامد متحجر بسبب التخلف أو الكسل في تطوير مفاهيمنا لتحاكي التطور الإنساني الذي وصلت إليه المجتمعات السباقة.

يعيش أغلبنا وهو (أو هي) في بحث دائم عن التوافق ما بين الطريق الجاهز والمعبد وبين ما هو بداخلنا، وإن لم يحالفه الحظ بعلم أو إدراك أو بسبب أطباعه التي تجعله يخشى الانطلاق وشق طريقه المتفرد فقد يخسر نفسه وحياته للأبد، ويعيش على الطريق المرسوم له من قبل الآخرين (الأسرة، المجتمع، المفاهيم، العادات والتقاليد، إلخ) وكأنه يسير على سكة قطار نصبت له تؤدي الى طريق خاطيء، فلا تنسجم الروح مع هذا الطريق المرسوم فتضيع في هذه الحياة، فإما السقوط أو التعثر والسير في نفس النقطة، عند إذ تظهر المشاكل والاضرابات الاجتماعية، في صراع بين الروح والواقع الذي تعيشه، فيستمر إنكار الروح وطبيعتنا الخالصة ومحاولة مسايرة الواقع فنضيع هويتنا بدل أن نبني سكة حياة تتناسب مع ما تتوق له أرواحنا.

على الرغم من ضوضاء الأفكار في عقولنا مع غمرة الصراع بين اصرار الروح على الحياة وأصوات “المفروض” في عقولنا، إلا أن الجانب الايجابي هو وجود تلك “النفس الحرة” لدى الانسان الحيّ، فهي وحدها القادرة على البحث وطرق كل الأبواب وفتحها والمخاطرة لأجل إيجاد أرواحنا الضائعة، التي أضاعها وأخفاها من سبقونا بفرض آرائهم بعنجهية بغرض السيطرة أو بسبب جهل جامد عن دون قصد. وكل ما تحتاجه هذه الروح الخالصة هو الفرصة لرؤية النور وإشعال نار الأمل والرغبة في العيش الحقيقي لحياة كاملة والبحث عن السلام والانسجام الذاتي والشفافية…  يا الله ما ألذها.

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن