نقاش: هل يحق لنا كسر عزلة القبائل البدائية في الأمازون والاتصال بها؟

على عكس السياسة القائمة حاليًا، بشأن قبائل السكان الأصليين التي ظلت معزولة عن العالم الحديث حتى يومنا هذا، يرى عالمان متخصصان في الأنثروبولوجي (علم أصل الإنسان) أنه يجب أن نتصل بهذه القبائل بدلًا من تركهم في عزلتهم، وهو الرأي الذي أدى إلى انقسام في الأوساط العلمية المتخصصة بهذا الشأن. ففي رأي العالمين والأكاديميين الأمريكيين، كيم هيل (Kim Hill) و روبرت ووكر (Robert Walker)، فقد حان الوقت لتغيير السياسات الرسمية بإقامة أول اتصال مُنظم مع هذه القبائل التي غالبًا ما ستكون جاهلة بوجود العالم الخارجي. فوفقًا لمنظمة حماية السكان الأصليين (Survival International)، يُعتقد أن هنالك أكثر من 100 مُجتمع بدائي معزول في العالم، يعيش غالبيتهم في غابات الأمازون المطيرة، دون أن يتصلوا بالعالم الحديث من قبل.

عدد القبائل التي لم يتم التواصل معها حول العالم

عدد تقديري للقبائل التي لم يتم التواصل معها حول العالم

بعد عقودٍ من التواصل الكارثي بين السكان الأصليين للأمريكتين والمستعمرين الأوروبيين بمجرد وصولهم إلى العالم الجديد، والذي أدى إلى وفاة ملايين من السكان الأصليين من أهل القبائل الذين كانوا يستوطنون حوض الأمازون، سواءً بالأمراض أو المجاعات أو استعباد الرجل الأبيض لهم، تغيرت السياسة الرسمية للتعامل معهم إلى: “فلنتركهم وحدهم ليعيشوا بسلام”.

لكن ووكر وهيل يخشيان ألا يتم اللقاء الأول بهذه القبائل بشكل آمن ومُنظم مما قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، بجعل الاتصال الأول لهؤلاء بالعالم الخارجي قاسيًا، عبر أناس آخرين لا يهتمون بحياتهم وكفاحهم للبقاء.

يقول الأستاذ هيل، عالم الأنثروبولوجي في جامعة ولاية أريزونا “حماية هذه القبائل هو محض خيال، فكل من قاطعي الأخشاب، وعمال المناجم، ومهربي المخدرات، والمستكشفين، والصائدين، أصبحوا يتواجدون في أماكن وجودهم. لذا، فلقاؤهم بالسكان الأصليين هو أمر حتمي وقد يأتي على نحو كارثي”. ويضيف “ليس الهدف من الاتصال استغلال أراضيهم، بالعكس، فهذه الأراضي تُنتهك الآن بمعدل يُنذر بلقاء حتمي كارثي قريب خارج عن السيطرة بين هذه القبائل وبين العالم الخارجي… إنما يهدف الاتصال بهم إلى زيادة حمايتهم وليس الانتقاص منها، فذلك سيؤدي إلى خضوعهم رسميًا لحماية الحكومات، مما يضمن لهم حماية حقوقهم في أراضيهم”.

وقد قام كل من هيل و ووكر، الذي يعمل كأستاذ مساعد في جامعة ميزوري، بكتابة افتتاحية مجلة العلوم (Science) في شهر يونيو 2015، مطالبين الأمم المتحدة وحكومتي البرازيل وبيرو بالتخلي عن سياسة العُزلة القديمة التي يعتمدون عليها في تعاملهم مع القبائل البدائية التي لا زالت على فطرتها، والبدء في إجراءات مساعدتهم حقوقيًا وطبيًا.

حق القبائل في العزلة

لكن آراء هيل و ووكر قوبلت بالاستهجان التام من قبل منظمة حماية السكان الأصليين، التي كافحت طويلًا من أجل حماية حقوق المُجتمعات التي لم تتصل بالعالم الحديث في أن تبقى وشأنها سالمة. وتتصاعد حدة الإستهجان إلى مرحلة الاتهامات المُباشرة، حيث قال مدير المنظمة ستيفن كوري “ووكر وهيل يخدمون مصالح أولئك الذين يرغبون في انتهاك منطقة الأمازون، ونهب ثرواتها، فيسمحون لهم بالدخول إليها مُستترين خلف كُل الهراء الذي يدعونه بشأن حماية القبائل… أعتقد أن أسوأ الأسباب التي قد ساقوها لتبرير ضرورة إجبار البدائيين على التواصل مع العالم الخارجي هو إدعائهم بأن ذلك سيؤدي إلى تزايد أعدادهم التي كانت في تناقص قبل ذلك الاتصال. هذه التبريرات تتجاهل في سياقها، بشكل مؤذٍ، الأعداد الضخمة من الرجال والنساء والأطفال البدائيين الذين لقوا حتفهم حين تم الاتصال بهم”.

ويضيف كوري “إن حياة هذه القبائل ومعيشتها محفوظة طالما كانت أرضها في أمان. والتفكير في أنه من حقنا أن نكسر عزلتهم شاءوا أم أبوا، ونقتحم عليهم أراضيهم، هو أمر في غاية الغرور والخسة”.

توجد العديد من الأمثلة التي تبرهن على أن التواصل مع البدائيين أدى إلى حالات من العدوى، مثل سيدتي آوا في شمال شرق الأمازون، اللتين أُصيبتا بالسُل، بعد تركهما لفترة طويلة دون تلقي العلاج المناسب عقب الاتصال مع أناسٍ من خارج قبيلتها.

في المُقابل، يرى الأستاذ هيل أن الغرور ذاته هو افتراض أن البدائيين من السكان الأصليين يعيشون في سعادةٍ وصحة في معزلهم عن بقية البشر، ويستفيض في عرض وجهة نظره قائلًا “الإنسان حيوانٌ إجتماعي بطبعه، والعُزلة ليست فطرية لدى الإنسان، إنما هي نتاج الخوف والرهبة. إن فرض الحماية الحكومية على القبائل سيكسر من هذا الخوف، وحينها ستُظهر هذه المجموعات رغبتها في التواصل مع العالم الخارجي… لكن العديد من وجهات النظر المُخالفة لنا تأتي من خلفية تعتبر السكان الأصليين البدائيين المعزولين عن العالم هم أيقونات ثقافية، ويرجحون إبراز التنوع الثقافي، وكأننا نعيش فيما يشبه حديقة حيوان آدمية، وهذا التفكير يحول دون منح هؤلاء الناس ما يستحقونه من رعاية”.

من يقرر؟

 

الفيديو أعلاه يصور أحد أوائل لحظات الاتصال عن بعد مع بعض قبائل الأمازون ، إذ يتم تصويرهم واكتشافهم لأول مرة من خلال هذا الفيلم. وفيما تتعدد الآراء حول هذا الأمر إلا أنه من الصعب حسمه، فهل يريد أبناء هذه القبائل التي لا تعرف شيئاً عن العالم الخارجي أن تتواصل معه؟ وكيف تعيش هذه القبائل أصلاً؟ وهل أهلها سعيدون؟ ومن يقرر أصلاً إذا كان يجب أن يتم التواصل بيننا وبينهم؟ هل نحن من نقرر أم نترك هذا اللأمر لهم؟ فإذا كانوا سعداء فلماذا نخرجهم من سعادتهم إلى عالم أكثر مادية من عالمهم؟ وإن كانوا يريدون التواصل مع غيرهم، ألا يفترض أنهم قد حاولوا البحث عنا؟ فلربما كانت العزلة قرارهم وليس جهلاً منهم بوجود “الآخرين”.

المصدر: The Independent، Science

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن