كيف توسع الصين من نفوذها وتسيطر على خطوط التجارة حول العالم؟

flag1

في القرنين الثامن والتاسع عشر  لم تغرب الشمس قط عن أراضي الإمبراطورية البريطانية. ولم تكن تلك الهيمنة على مناطق شاسعة ميسورة لولا البنية التحتية التي أنشأها البريطانيون من موانئ وطرق وسكك حديدية مكنتهم من بسط نفوذهم على أرجاء واسعة.

أسلوب إنشاء البنى التحتية من طرقات وغيرها لم يكن أمرا مستحدثا، بل هو أسلوب الدول العظمى منذ أيام روما التي عبدت 89 ألف كيلومتر من الطرقات والممرات في أوروبا. وفي القرنين التاسع عشر والعشرين قامت كل من روسيا والولايات المتحدة بترويض المناطق المجاورة لها بمشاريع مثل سكك الحديد “عبر سيبيريا” و “عبر القارات”.

واليوم جاء دور الصين، فهي تسعى للاستيلاء على كثير من الموارد في إفريقيا ومناطق أخرى، كما تقوم ببناء جزر اصطناعية عسكرية في بحر الصين الجنوبي، ومؤخرا أصبح لديها استراتيجية جديدة لتوسيع قوتها البحرية في البحار المفتوحة.

لقد مولت الصين وبنت السدود والطرقات وسكك الحديد وأنابيب نقل الغاز الطبيعي والموانئ والمطارات في العديد من بقاع العالم من جزيرة ساموا في المحيط الهاديء إلى ريودي جانيرو، ومن سانت بطرسبرغ في روسيا إلى جاكرتا في أندونيسيا بل بلغ مداها حتى القطبين الشمالي والجنوبي. وقد بنيت العديد من هذه المنشآت لخدمة الاستثمار في المناجم وحقول النفط ونشاطات أخرى وبنفس الوقت خدمة للأسواق الخارجية. وترتبط تلك البنى التحتية بنشاط كبرى الشركات الصينية التي تزدهر بسرعة لتصنع أكبر إمبراطورية اقتصادية عرفها التاريخ.

وفي حين تسعى الشركات الصينية لعقد صفقات وإيجاد امتداد لها خارج البلاد، فإن هذه الصفقات غالبا ما تفتقر لأي تنظيم، ويبقى الهدف منها بسط النفوذ في مناطق جديدة وبسرعة.

فما هي تحركات الصين لتمديد نفوذها؟ وما هي مشاريعها حول العالم؟

إحياء طريق الحرير الجديد

silkiland

خريطة (1) : طريق الحرير ونظيره البحري

قام الرئيس الصيني شي جين بينغ في سبتمبر 2013 بزيارة كازخستان وتوقيع عقد بقيمة 5 مليارات دولار لتطوير حقل كاشغان أحد أكبر حقول النفط في العالم، كما كشف النقاب عن خطة أسماها “حزام واحد- طريق واحد” وهي رؤية لخطوط تجارة برية وبحرية تحاكي طريق الحرير التجاري الأسطوري الذي يصل بين الشرق والغرب.

فقد اعتزمت الصين إحداث شبكة من الطرق والسكك وخطوط الطاقة تبدأ من وسط الصين لتصل إلى بلجيكا غرب [حسب الخط البني المنقط في الخريطة (1)].

أما بحريا، فإن خط الحرير البحري [حسب الخط الأزرق المنقط في الخريطة (1)] سيربط بين بحر الصين الجنوبي والمحيطين الهندي والهادي. ويبدو أن الصين ستقوم بحماية  ممراتها البحرية أيضا.

خريطة (2): الخط الحديدي االذي يصل بين كون مينغ وسنغافورة

خريطة (2): الخط الحديدي االذي يصل بين كون مينغ وسنغافورة

ووضعت بكين في ذهنها مد شبكة خطوط قطارات سريعة تبدأ من كون مينغ عاصمة إقليم يون نان جنوب البلاد وتصل إلى لاوس ومنها إلى كمبوديا وماليزيا ومينامار وسنغافورة وتايلاند وفيتنام [حسب الخط الأسود المنقط في الخريطة (2)].

فعليا لن تكون الصين بحاجة لمد كل هذه الأميال من السكك الحديدية، فجزء كبير منها موجود أصلا وكل ما عليها أن تقوم بربطها ببعضها وتطويرها.

في الوقت ذاته بدأت اليابان بتحدي الصين عبر إطلاق عروض منافسة لخط القطار السريع بمليار دولار ومشاريع أخرى في أندونيسيا وتايلاند وغيرها، مع فوائد قروض منخفضة نسبيا وتقنية يابانية أفضل.

ويبدو أن الصينيون يدركون حدود قدراتهم. لذلك سعوا لإنشاء البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية في يونيو 2015 والذي ضم 50 دولة منها بريطانيا وألمانيا واستراليا وكوريا الجنوبية علاوة على الصين، فيما عارضت الولايات المتحدة واليابان تأسيس البنك الذي رأى فيه الأمريكيون وسيلة لنشر “قوة الصين الناعمة” والنفوذ الصيني، وحاوت الدولتان إقناع الدول الأخرى بتجاهل المشروع. ويطمح البنك الذي ينافس البنك الدولي للاستثمار في مشاريع البنى التحتية التي تساهم في تطوير اقتصاد البلدان التي ستنفذ فيها.

وتعتبر الصين أكبر المساهمين في البنك إذ شاركت بـ 30% من رأس المال البالغ 50 مليار دولار يرتفع لاحقاً إلى 100 مليار، وتلي الصين الهند، ثاني أكبر المساهمين، تتبعها روسيا فألمانيا.

التمدد إلى أمريكا الجنوبية

خريطة (3): مشروع خط سكة الحديد الصيني في أمريكا الجنوبية عبر غابات الأمازون

خريطة (3): مشروع خط سكة الحديد الصيني في أمريكا الجنوبية عبر غابات الأمازون

تعهدت الصين باستثمار 250 مليار دولار في أمريكا الجنوبية خلال عشر سنوات. عشرة مليارات منها لإنشاء خط قطار سريع (الخط الأحمر المنقط في الخريطة أعلاه) ويبدأ من آكو قرب ريودي جانيرو عابرا غابات الأمازون الاستوائية وجبال الأنديز لينتهي عند شواطئ البيرو.

كما يخطط الملياردير الصيني وانغ جينغ لشق قناة طولها 170 ميلا عبر نيكاراغوا بتكلفة 50 مليار دولار.

الصينيون والقارة السوداء

east-africa-railways-master-plan1

اتفقت الصين في يناير 2015 مع الاتحاد الأفريقي علي إنشاء خطوط سكك الحديد وطرق ومطارات لربط كافة البلدان الإفريقية الأربع وخمسين ببعضها البعض. وتجري هذه المخططات حاليا على قدم وساق، فهناك خط السكة الحديدية الذي يبلغ طوله 875  ميلا على امتداد الساحل في نيجيريا. إضافة إلى خط آخر يربط المدن الكينية بنيروبي العاصمة ومومباسا، وثالث يربط المدن الإثيوبية بأديس أبابا وجيبوتي وشبكة من خطوط السكك الحديدية في تشاد.

وللصين في أفريقيا طموحات بحرية كذلك، فهناك تصورات لتحديث الموانئ البحرية في كل من العواصم التنزانية دار السلام والسنغالية دكار وعدد من العواصم الأخرى. وتستثمر كافة هذه المشاريع في الموارد الطبيعية للقارة الإفريقية. فمثلا شركة النفط الوطنية الصينية لديها مشاريع نفطية كبيرة في تشاد وموزمبيق.

الإمبراطورية الصينية الجديدة تطوق جيرانها

المساعدات الصينية لدول المحيط الهاديء

المساعدات الصينية لدول المحيط الهاديء

بالإضافة لشبكة خطوط السكك الحديدية في ماليزيا وسنغافورة ولاوس وجنوب شرق آسيا، فإن الصين تخطط لشق قناة عبر برزخ كارا في تايلند (البرزخ: حاجز من اليابسة بين محيطين مائيين)، وإنشاء ميناء عميق المياه ومنطقة صناعية في كوانتان في ماليزيا، وتوسعة مطار مال في جزر المالديف.

ولا تريد الصين السيطرة على كل البحار شرق وجنوب الصين فحسب، بل مضت أبعد من ذلك نحو المحيط الهادي. فلديها مشاريع في جزر جنوب المحيط الهادي في كل من:

فيجي: محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية ومجمعات رياضية

ساموا: مستشفى وتطوير مدرج مطار فاليليو

تونغا: مبان حكومية وطائرتين صغيرتين توربينيتي الدفع للرحلات الداخلية وقد أثارت صفقة الطائرات الجدل لكونها غير معتمدة للاستخدام عالمياً

فانواتو: طائرتين توربينيتي الدفع للخطوط الفانواتوية ومشروع إنشاء الحرم الجامعي لجامعة جنوب الباسيفيك في بورت فيلا عاصمة فانواتو إضافة لتشييد مبنى البرلمان.

باكستان مركز محوري لطريق الحرير

pak-china-map

الصين وباكستان حليفان منذ زمن وقد أنفقت الصين42  مليار دولار على مشاريع البنية التحتية في باكستان. لكن للصين أهدافا أخرى فهي تريد من ذلك احتواء الانفصاليين الإيغور الذين يحرضون على العنف في مقاطعة شينغيانج. ولدى بعض الانفصاليين الإيغور ملاذات آمنة في كل من أفغانستان وباكستان وتضغط بكين على كلا البلدين لتسليم المعارضين الإيغور الذين يعيشون فيها.

كما أن نقل البضائع عبر باكستان يساعد الصين على تجنب مضيق ملقا. حيث ينقل النفط الصيني وغيره من الموارد الطبيعية عبره. وتخشى الصين من حصار أمريكي محتمل على المضيق في حال ساءت علاقاتها بواشنطن. ولهذا السبب تحديدا تقوم بكين بتمويل إنشاء ميناء جوادر على بحر العرب بالإضافة إلى طريق سريع بطول 1125 ميل وخط سكة حديد ومد أنابيب لنقل النفط لمدينة كاشغر الصينية.

وفي آسيا الوسطى

china_001_2015update_002

كانت آسيا الوسطى منطقة نفوذ حصري للدب الروسي لما يقارب قرنين من الزمان. لكن العلاقات الصينية مع تلك المنطقة آخذة في النمو السريع. وتتمحور هذه العلاقات حول النفط والغاز الطبيعي. فأكثر من نصف الغاز المستورد في الصين يأتي من تركمانستان، وهو يصلها عبر ثلاثة أنابيب بطول 1150 ميل والأنبوب الرابع قيد الإنشاء. وتعد الصين الدولة الأجنبية الوحيدة التي تسمح لها تركمانستان بالتنقيب عن الغاز على سواحلها وتحديدا في حقل جالكينيش الذي يعد ثاني أكبر حقل غاز في العالم. كما تمتلك الصين حصة بقيمة  5مليارات دولار في حقل نفط كاشاغان في كازاخستان. إضافة لذلك عقدت الصين مع أوزبكستان صفقات غاز ويورانيوم بقيمة 15 مليار دولار.

الصين وروسيا

 

مشروع أنبوب الغاز الروسي الصيني

مشروع أنبوب الغاز الروسي الصيني

قبل عامين أعلنت روسيا حلفا مع الصين، وكان محور هذا التحول بين البلدين هو خطا الغاز الطبيعي (الأكبر هو المنقط باللون الأحمر كما في الخريطة أعلاه) ووالذي ستتدفق عبره خُمس واردات الغاز الصيني. كما ستقوم الصين بإنشاء خط سكك حديدية سريعة من بكين إلى موسكو بكلفة تصل إلى 242 مليار دولار وستعمل عليه القطارات بمعدل رحلتين يوميا.

الصين تسرع عملية نقل البضائع إلى أوروبا

railroad

يمثل الخط الأزرق في الخريطة أعلاه طريق الحرير البحري حيث يصل إلى ميناء بيرايوس اليوناني ومن هناك تنتقل السلع بواسطة القطارات إلى أوروبا مرورا بالبلقان. كما أن السفن الصينية تصل أيضا إلى البرتغال وألمانيا. ولإيصال الشبكة إلى قلب أوروبا وافقت الصين على تمويل إنشاء خط قطار سريع من بلغراد إلى بودابست.

الاستثمار الصيني في الولايات المتحدة

بدأت الولايات المتحدة الأمريكية الآن فقط في التخطيط لاستخدام القطارات فائقة السرعة، وتبرز الشركات الصينية في مقدمة المرشحين للفوز بعقود الإنشاء، بما في ذلك مناقصة الخط من سان فرانسيسكو إلى لوس أنجلوس والذي يتوقع أن تصل تكلفته حتى 68 مليار دولار.

وتمثل الولايات المتحدة الوجهة المفضلة للاستثمار العقاري الصيني، وقد أنفق أثرياء صينيون مبالغ ضخمة على العقارات السكنية في الولايات المتحدة.

الصين في قطبي الأرض

Kunlun Station

بالرغم من أن أقرب الأراضي الصينية للقطب الشمالي تبعد آلاف الأميال إلا أن الصين تعد نفسها “دولة شبه قطبية”. وتمتلك شركة النفط الصينية سنوك الحصة الأكبر من حقل دريكي للنفط والغاز الطبيعي في آيسلندا، فيما أنشأت بكين محطة النهر الأصفر القطبية وهو مركز أبحاث دائم على جزيرة سبيتسبرغن النرويجية. أما في القطب الجنوبي فتمتلك الصين أربع محطات أبحاث وهناك مخططات لإنشاء محطة خامسة.

ويبدو أن البنى التحتية التي تقوم الصين بإنشائها تنسجم مع المصالح الاقتصادية الغربية. إن بعضا من هذه البنى التحتية الأكثر تطورا في مجال النقل والمواصلات والتي يتم إنشاؤها ليس في الصين فحسب بل حول العالم النامي ترتبط بالصين بشكل مقصود، ويهدف ذلك إلى جعل الاقتصاد العالمي بيئة صديقة للتجارة الصينية.

هذا لا يجعل من الطموحات الصينية تهديدا بالضرورة بقدر ما هو توسعة لأسواقها، ويزعم الصينيون أن هذا الأسلوب في توسيع الإمبراطورية الاقتصادية قد تعلموه من الأمريكيين.

pipeline1

المصدر: Quartz

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.