أنيش كابور يثور على التاريخ في فيرساي

يجذب السحاب من السماء إلى الأرض، ثم يقوم بقلب الأرض نفسها رأسًا على عقب. يُحوّل واجهة القصر المُستقيمة إلى مُجسمٍ مُنحنٍ، ويأتي بدوامةٍ صاخبةٍ مُعتمة ليضعها بين نافورات ذهبية مُتلألئة. بخمسة مُجسمات فنيّة فقط في مساحة تقارب الألفي فدان، يقوّض الفنان البريطاني الهندي آنيش كابور (Anish Kapoor) أحد رموز الفخر الوطني الفرنسي وأحد أهم مواقع الجمال المُنسق حيث قامت الثورة الفرنسية ضد لويس السادس عشر، مُعبرًا من خلال دلالات هذه المجسمات عن العنف والاضطراب وفوضى الطبيعة.

يلعب معرض آنيش كابور في قصر فيرساي على العلاقة بين التاريخي والمرئي. ففي حديقة القصر التاريخية التي صممها المعماري آندريه لو نوتر (Andre Le Notre)، اجتمع كابور أخيرًا بمُخيلة لو نوتر الحادة وشديدة الابتكار والمشابهة لمخيلته، فتحوّل قصر فيرساي بهذه المُناظرة الفنية بين هذين المُبدعين إلى مسرحٍ تجريدي لأعمالهما.

المُنحنى العاكس C-Curve

C_Curve©Tadzio

يُفتتح المعرض بواحدٍ من أهم أعمال كابور، حائط الصُلب المصقول والعاكس المُسمى بالمُنحنى، الذي ينغلق بشكل دائري على نفسه كحرف “C” الإنغليزي. تم تثبيته، في لمحة ذكية، أسفل موضع قاعة المرايا بالقصر، وفي نقطةٍ مركزية من حديقة لو نوتر ذات التصميم الهندسي المنتظم، ليواجه المساحات الخضراء المُمتدة من الحدائق المُنسقة، والبُحيرات المٌنتظمة، والسياج المقصوص على شكل مكعبات. لكن مُنحنى كابور يُفسد كل ذلك في صورة انعكاس القصر على جانبه المُحدب، فيظهر على شكل دائري مُمتليء، بينما يقلب جانبه المُقعر المشاهد المٌنعكسة فيه رأسًا على عقب، بما فيها صورنا. يقف هذا المُجسم بحديقة فيرساي التاريخية مُعبرًا عن الدراما المُعاصرة بين الحقيقة والخيال، التعدد والانعكاس، والهويات الفردية والجمعية.

Anish-Kapoor-Versailles-C-Curve-2007-Courtesy-Kapoor-Studio-Kamel-Mennour-e-Lisson-Gallery-©-Silvia-Neri

المرآة السماوية Sky Mirror

Processed with VSCOcam with hb1 preset

يتجلى في هذه الحديقة التباين التام بين رؤية لو نوتر الفنية ذات الخطوط الحادة والتصاميم الهندسية الصارمة التي تنتمي إلى معايير تاريخية، وبين خطوط كابور المُنحنية المليئة بالحركة والديناميكية. وترى ذلك في مرآة كابور السماوية ذات الشكل الكروي، التي تُمثل لوحة فنية مُتغيّرة لانعكاس السُحب، تتبدل على مدار الوقت من الفجر للغسق، وتعكس في بعض الأحيان نور الشمس إلى حد أن سطحها اللامع يكاد أن يكون مُنيرًا في حد ذاته. حينها، يتناغم هذا المُجسم مع المعنى وراء جزءٍ أصيل من قصر فيرساي من تصميم لو نوتر وهو “نافورة أبوللو” التي تصوّر إله الشمس الإغريقي فوق عربته التي تجرها الخيول يطير لينير السماء، في إشارة  إلى الملك لويس الرابع عشر المُلقب بملك الشمس.

الركن القذر Dirty Corner

anish-kapoor-versailles

ولأن فيرساي قصر يحكي تاريخ الملوك، فمُجسم الركن القذر، الذي يعد أكثر أعمال كابور استفزازًا، يمثل ملكة تستعيد إقليمها. التصميم عبارة عن أنبوبة من الصُلب ذات لونٍ برونزي، تبدأ بفتحة على ارتفاع تسعة أمتار تأخذ شكل القدح، وبعدها تقل مساحتها تدريجيًا بينما تظلم، حتى تنتهي إلى نفق مسدود. رأى العديدون في المجسم إيحاءً جنسياً بسبب شكله الذي يشبه فَرجًا أنثويًا، فرأى البعض أن في عمل كابور الشهواني والمُشوِش يمثل تحديًا لحديقة لو نوتر بجمودها الذكوري واتساق نظامها. فيما يرى كابور إلى أن المجسم يشير إلى نفق يدعو المشاهد للرؤية إلى ما خلف حديقة لو نوتر وما وراءها، لهذا السبب كان النفق الذي يدعو للدخول إلى درجة تتعدى ما يراه الناس في حديقة القصر، وقد يعني بذلك الجانب الجنسي الذي رآه البعض.

versailles

يستقر هذا المُجسم في مكانه بين الحدائق والنافورات، مُحاطًا بأحجار ضخمة بلون زهري، بينما تم تغطية بعض أجزائه بأكوام التراب، وتغطية الأجزاء التي تم حفرها في الأرض بلونٍ أحمر لتصبح شبيهةً بالجروح. الأمر أشبه بالخراب الذي يحل عقب زلزال ما. في الواقع إذا اقتربت من المُجسم ستشعر بأن الأرض تهتز من تحتك، وقد يكون ذلك بسبب قطعة فنية أخرى لكابور وهي “الخسف” (Decension).

الخسف Descension

Descension

حوضٌ من المياه السوداء التي يتم شفطها عن طريق مُحرك إلى دوامةٍ مُعتمة، هذا هو مُجسم الخسف. يعكس هذا المُجسم في تجاوره مع مُجسم الركن الدنيء التناقض الذي طالما ميز أعمال كابور الفنية: الوجود والخواء، الداخلي والخارجي، الظلام والنور، المرئي والمُستتر، الناعم والخشن، ويبرز العلاقة بين الطبيعي والنفسي.

إنه نجاحٌ يُحسب للمعرض من حيث ترتيب وجود المُجسمات. فابتداءً من القطع العاكسة التي تبرز المنظر الجمالي، لقطعٍ أخرى أكثر تعقيدًا تعكس عناصر مثل الأرض والمياه. وأتت القطع كذلك بترتيب آخر، يبدأ من القطع التي تعتمد على الحديقة، إلى تلك التي تعاكس طبيعتها.

قطعٌ عرضي من مجسم يستعد إلى تفردٍ أُحادي Sectional Body Preparing for Monadic Singularity

104595086_o

لا تصل إلى هذا المُجسم إلا بعد متاهات من البساتين الداكنة، القطعة الأخيرة في الفناء الخارجي المُسماة بـ “قطع عرضي من مجسم يستعد إلى تفردٍ أحادي”، وهي مصنوعة من الأنابيب المجدولة. بإمكانك الدخول إلى هذا المُجسم وتسلقه كأنه منظرٌ طبيعي، أو بالأحرى إنه منظرٌ طبيعي على شكل مُجسم، يسمح للنور بدوائر بيضاوية أن تنفذ إليه من زوايا مبهرة من بين ثنايا عروقه وأوردته المجدولة. ويرى كابور أن في ذلك تجربة فريدة في تدرجات الألوان بحسب درجة الضوء.

التصويب نحو الأركان Shooting into the corner

Shooting_Tadzio-

لم يقبل كابور دعوة استخدام غرفٍ داخل القصر لعرض أعماله، لكنه قبل أن يدشن استخدام صالة فيرساي الداخلية لرياضة التنس، كمسرحًا لعرض الأعمال الفنية، حيث قدم عمله “التصويب نحو الأركان”، وهو عبارة عن مدفع شمعي، وحوله فوضى من الأعيرة ذات اللون الأحمر الداكن، وبقع الشمع المتناثرة التي توحي بشكل أحشاء آدمية، وأشكال أقرب للجثث مُكدسة بجوار كل هذا. والمدفع مُثبت بشكل يوازي يد تمثال مجاور، ممتدة لأعلى في تفاؤل.

يقول كابور أن فتح المتاحف والمباني العريقة كقصر فيرساي أمام الفن الحديث أمر في غاية الأهمية لإبقاء هذه المباني على قيد الحياة. وفي محاولته لمحاكاة التاريخ، يكشف كابور في كل قطعة عن بعض المعاني المتراكمة في هذا القصر عبر تاريخه الطويل. ففي حديقة القصر، يقوم بإفساد النظام الذي وضعه لو نوتر في تصميمه لها، تارةً بلغته الخاصة، وتارةً أخرى بتحريف المعاني التي ألهمت صناع فيرساي: طاقة الماء المُنساب، قوة الشمس، انعكاسات المرايا. بينما يذهب إلى آفاق بعيدة في صالة التنس مواجهًا الفكرة الرئيسية التي تجدها في كل أنحاء فيرساي: الاضطهاد، وما بعد الحرية. كانت مُحصلة كل ذلك عرضًا رائعًا: مذهل بصريًا، مُثير فكريًا، حيوي التأمل للطبيعة والتمدن.

افتتح معرض أنيش كابور في فيرساي في 9 يونيو 2015 ويستمر حتى 1 نوفمبر. إضغط هنا لمعرفة المزيد عن القصر.

المصدر: Financial Times

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن