إسرائيل ترحب بالفوضى على حدودها: كيف رأى قادتها وضع المنطقة في مؤتمر هرتسيليا الأخير؟

580

على قمم جبل الشيخ في الجولان المحتلة تتمركز مراكز التنصت الإسرائيلة والأبراج الاسمنتية. وبحسب المعتقدات اليهودية القديمة فأول مكان تطأه الملائكة التي نزلت إلى الأرض هو هذه المنطقة. ومن هذا المكان يراقب العسكريون الإسرائيليون الجانب السوري، لكنهم اليوم لا يحتاجون لمناظير لرؤية دمشق. فكل ما يرونه هو قرى مبعثرة في السهل السوري ولكل قرية قيادتها، بعضها يعاني الجوع أو الحصار وكلها تعج بجماعات مسلحة بانتماءات مختلفة عشائرية أو قبلية فيكون ولاء السكان للأقوى والأكثر تسليحا والأقدر على حمايتهم.

بعد أربع سنوات من بداية الثورات العربية وإعلان مراسلي المحطات التلفزيونية من قلب ميدان التحرير في القاهرة بداية عصر جديد من القوة والوحدة للعرب، لا يرى المراقبون على جبل الشيخ سوى الفوضى تعصف بالمنطقة بأسرها. وفي الواقع فإن ما يراه الإسرائيليون من هضبة الجولان هو التفكك العربي.

وفي تلك المنطقة لا يقتصر الأمر على الانتماء العربي السني للقرى فهناك قرى درزية موالية للأسد عليها أن تعد العدة لتكون ميليشاتها الخاصة على أهبة الاستعداد للدفاع عنها. وتخلع القرى الدرزية ولائها للأسد وتتجه لإقامة كيانها الخاص، ردا على سحب النظام السوري للأسلحة الثقيلة من مناطقهم ونقلها للعاصمة دمشق، وتركهم وحدهم في الميدان  لمواجهة الكتائب الموالية لداعش أو جبهة النصرة التي استماتت في محاولة اغتنام هذه الدبابات.

وتلتقط مراكز التنصت على جبل الشيخ أصوات القاطنين في تلك المناطق، وهي أصوات مليئة بالإرهاق والقلق من الإرهاب ومخاطر قطاع الطرق، والليالي التي تمر وتكون فيها الطرق خالية ولا أحد يعلم من الذي يسطر عليها، والعديد من المخاوف الأخرى. ويلجأ العديد من أهل تلك القرى لترك جرحاهم عند سفح الجبل لكي يقوم الإسرائيليون بإسعافهم ونقلهم إلى المشافي الإسرائيلية عندما يحل المساء.

وفاة سوريا والمعجزة المصرية

syria-image2

اجتمعت في مؤتمر هرتسيليا الذي عقد مؤخرا كبار الشخصيات والأحزاب وعملاء الاستخبارات الإسرائيليون، وهو مؤتمر دوري تحضره  النخب الإسرائيلية في الحكومة والجيش والمخابرات والجامعات ورجال الأعمال وضيوف من المختصين الأجانب في الولايات المتحدة وأوروبا، ويناقش مستقبل الكيان الإسرائيلي ووضعها الاقتصادي والعسكري والاجتماعي كما يرصد الأخطار المحيطة بإسرائيل من الداخل والخارج بهدف تعزيز الأمن القومي لإسرائيل. كان حضور مؤتمر هذا العام متفائلين بخصوص الأوضاع في سوريا وتحدثوا كيف اختلفت الأمور عما كانت عليه أيام خدمتهم العسكرية. فذلك الجيل الذي حارب طيران الميغ والدبابات السورية في حرب أكتوبر عام 1973 يراقب بسعادة تلك الدول، التي تشكلت برسم اتفاقية سايكس بيكو على أنقاض الدولة العثمانية، وهى تتجه للتفكك على أسس عرقية وطائفية فهناك السنة والشيعة والدروز والأكراد.

“أريد أن أعلن وفاة سوريا” هذا ما قاله عاموس جلعاد مدير الشؤون العسكرية واالسياسية في وزارة الدفاع الإسرائيلية، وأضاف “إنه ليس إعلانا رسميا حيث لا يزال الأسد يقبض راتبه، لكنه يحكم ثلث سوريا فقط… فليس لديه مستقبل، ولم يعد له علاقة بالأمر”.

وبحسب جلعاد فالعراق لم يعد موجودا كدولة موحدة وتتعرض سوريا حاليا للتشرذم ولكن على الإسرائيليين أن يبنوا علاقات جيدة مع من سيبقى في المنطقة بعد انتهاء هذه الفوضى العارمة. ويتابع جلعاد مشيرا إلى الوضع في مصر وكأنه يبارك ما حدث “لكن في مصر حدثت معجزة … السيسي وصل للسلطة”.

ويشعر المجتمعون بالتفاؤل  لظهور مؤشرات على ضعف خصمهم التقليدي على الجبهة الشمالية. فمع انضمام قوات حزب الله للقتال بجانب الأسد على الأراضي السورية، يعتقد الجيش الإسرائيلي أن الحزب خسر المئات من عناصره في الصراع. وعلى هامش المؤتمر، تحدث دبلوماسيون من الاتحاد الأوروبي عن قلقهم من إساءة معاملة الفلسطينيين من قبل الإسرائيليين.

لبنان: دستور بلا وطن

أما عن لبنان فيقول جلعاد بأنها الآن مجرد “دستور بلا وطن… حيث أنشأ حزب الله دولته “حزب الله ستان” وبرغم أن وضعنا الأمني في إسرائيل لم يكن جيدا لبعض الوقت، لكن لدينا قوة ردع على الجبهة الشمالية”، وشاركه وجهة النظر هذه نواب من المعارضة، ممن يوجهون انتقادات لاذعة للتحالف الحكومي الحالي بقيادة نتنياهو، مثل عمر بارليف عضو الكنيست الذي صرح لصحيفة بوليتيكو “إنهم لن يهاجموننا الآن”. لكن المخاوف لا تزال قائمة، فالقوة الصاروخية لحزب الله زادت بشكل كبير، والفضل في ذلك يعود لإيران. ويتذكر الإسرائيليون تلك الصواريخ التي ضربت تل أبيب في 2006 موقعة عددا من الضحايا فيما ردت إسرائيل أنذاك بتدمير كامل للبنية التحتية للدولة اللبنانية.

وتفاخر تساحي هنغبي وهو رئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع الإسرائيلي ورئيس الليكود في الائتلاف الحاكم بالقول  “وضعنا الاستراتيجي لم يكن في يوم ما أفضل مما نعيشه الآن”.

نتنياهو متحدثاً في مؤتمر هرتسيليا

نتنياهو متحدثاً في مؤتمر هرتسيليا

لا يتحدث الساسة الإسرائيليون الإنجليزية بشكل جيد، ولا يجيدون حتى فن الخطابة المنمق، باستثناء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. بينما لا يزال منافسوه يرددون الشعارات الأحفورية للحركة الصهيونية القديمة، يتخللها مقاطع مقتبسة من أقوال الرئيس الإسرائيلي الأسبق بن غوريون والمعروف بإتقانه اللهجة الأمريكية.

في المؤتمر صرح نتنياهو “إن لم تكن على طاولة المفاوضات في هذه المنطقة،  فأنت على قائمة الطعام”، مقلدا في ذلك أسلوب خطاب جون كينيدي الذي استخدمه لحشد الأمريكيين ضد الاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة، وقد حذر نتنياهو المجتمعين من العلماء والمهندسين الإيرانيين ولكنه استدرك بأنه لازال  لدى اسرائيل الكثير من الفرص، فكل الدول التي تحيط بهم تنهار ولم تعد موجودة بالشكل الذي كانت عليه مثل سوريا وليبيا واليمن.

علاقة نتنياهو بالجيران

ثم أطلق نتنياهو قنبلته المدوية “أتكلم مع عدد من جيراننا… أكثر مما تتخيلون”. لم يذكر المملكة العربية السعودية بالاسم، لكنه واصل التفاخر أكثر وأكثر في هرتسيليا حول التفكك السوري والضعف الأمريكي ومخالب إيران المطبقة على الشرق الأوسط، والعديد من الأمور التي تفتح الأبواب  بين الرياض واسرائيل نظراً لتقارب الرؤى. واستكمل نتنياهو حديثه قائلاً “أريد أن أتحدث عن بناء الجسور بين الأطراف في المنطقة، وهو أمر لا يمكن أن نعلن عنه حتى لا يتأثر سلباً”، مشيراً إلى الفرص الموجودة أمام إسرائيل. فالصفقة التي تشير إليها بعض الأوساط القريبة من دائرة نتنياهو تشير إلى إمكانية أن يرمي رئيس الوزراء الإسرائيلي بثقله الدبلوماسي في معركة إيقاف المشروع النووي الإيراني والإلحاح على واشنطن بأن صفقتها النووية مع إيران غير كافية مقابل أن تقوم السعودية بالضغط على الفلسطينيين للعودة إلى طاولة المفاوضات وتقديم تنازلات كبيرة ومن ثم التوصل لاتفاق منطقي. فهي خدمة مقابل خدمة.

ويكمل حديثه بأنه قد تلقى طلبات من أوساط عربية للتحدث مع الأمريكيين بهذا الخصوص فكانوا يقولون له “إذهب إليهم وأخبرهم .. “

إن فكرة أن تطلب السعودية المساعدة من إسرائيل تعد في نظرهم نصر تاريخي. فالأوضاع الحالية دمرت الجيش السوري المدعوم من الاتحاد السوفيتي سابقا والذي كاد أن يقضي الجيش الإسرائيلي في حرب أكتوبر 1973،كما دفعت الأوضاع إلى تقارب سعودي إسرائيلي في وجهات النظر حول المنطقة، وهي –السعودية- التي كانت قد فرضت حظرا نفطيا إبان حرب أكتوبر على الولايات المتحدة كعقاب لها لتقديمها المساعدة لإسرائيل في تلك الحرب.

صراع عمالقة الإسلام

إيهود باراك

إيهود باراك

ويقول نتنياهو “علينا تشكيل تحالفات قريبة وبعيدة، وعلينا أن ننظر للعالم على حقيقته ونرى ما هي التحالفات التي يمكننا بناؤها”. وقد اتفق حتى أشد منتقدي جمود نتنياهو تجاه القضية الفلسطينية، مثل رئيس الوزارء السابق ايهود باراك، معه بخصوص التحالفات الجديدة. ويحذر رئيس الوزراء السابق باراك قائلاً “نحن على مفترق طرق تاريخي (..) نعيش صدام الحضارات الذي تنبأ به الكاتب صمؤيل هنتينغتون، وصراع عمالقة الإسلام”.

لكن لم يكن هناك حديث عن شن هجوم على إيران في هرتسيليا فبهذا الخصوص تحدث الرئيس الإسرائيلي السابق شيمون بيريز قائلاً “الاتفاق مع إيران أفضل من شن حرب، فمن يرغب بشن حرب الآن؟”.

الدروز وإسرائيل

Druze communities in Israel desperate to help embattled co-religionists in Syria

يمكنك من مرصد جبل الشيخ أن تشاهد أعمدة الدخان تتصاعد من مناطق متعددة من السهل السوري.

ويرغب الإسرائيليون بأن تصبح هذه المناطق الواسعة “منطقة عازلة خالية من المسلمين” تابعة لإسرائيل. وبالخفاء، تسعى الميلشيات الدرزية في سوريا للحصول على دعم من المجتمعين في هرتسيليا عبر الحصول على إمدادات من السلاح والعتاد وتأمين قنوات اتصال خلفية مع واشنطن.

وقال الفريق غادي إيزنكزت في مداخلة لدى لجنة الخارجية والدفاع في الكينيست الإسرائيلي “سنأخذ إجراءات لتفادي حدوث مجازر للاجئين”، فيما أظهرت تقارير في وسائل الإعلام الإسرائيلية أنه يجري عزل القطاع المحيط بجبل الشيخ. ومنذ ذلك الحين أكدت إسرائيل أن هذا القطاع مغلق.

وبعد ارتكاب مذبحة للدروز في قرية عين اللوزة  بجبل السماق في شمال سوريا على يد جبهة النصرة والتي راح ضحيتها 20  درزيا، ومع سيطرة الجبهة على مناطق تحاذي الشريط الحدودي مع اسرائيل في جنوب سوريا واحتدام المعارك حول قرية الحضر الدرزية الواقعة على سفوح جبل الشيخ وسقوط العديد من القتلى، دب الرعب في قلب الدروز من أن يتم استهداف تلك الطائفة يبلغ عدد أفرادها  في سوريا نحو 700 ألف نسمة. وهذا ما دفع 130 ألف درزيا يعيشون في إسرائيل للتحرك لجمع الأموال لدعم إخوانهم كما التقى وفد منهم نتنياهو راجين منه المساعدة في إنقاذ الدروز من “هولوكوست درزي” بحسب زعمهم.

هل يتغير مصير الجولان؟

دروز على الجانب الإسرائيلي من الجولان يرفعون الأعلام الدرزية

دروز على الجانب الإسرائيلي من الجولان يرفعون الأعلام الدرزية

دفعت الأوضاع المستجدة إسرائيل للتفكر مليا في إقامة “منطقة عازلة للدروز” حيث بدأ قادة الدروز يصرحون بشكل علني رفضهم إرسال أبنائهم للتجنيد في جيش الأسد. إن هذه الخطوة الإسرائيلية ليست بدافع الغيرة والشهامة، فحماية قرى مثل الحضر سيعزز من ادعاءات اسرائيل ومطالبها في الجولان التي يغلب على سكانها في الجانب الإسرائيلي الدروز والمستوطنون اليهود مع وجود قليل للعرب الفلسطينيين السنة.

وتطفو على السطح مؤشرات على أن دروز الجولان بدأوا بتغيير قناعاتهم، خاصة وأنهم مختلفون عن دروز الجليل الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي فيما يرفض دروز الجولان تلك الخدمة ويعتبرون اسرائيل قوة محتلة لأراضيهم، فهم موالون لنظام الأسد منذ سقوط تلك المنطقة بيد اسرائيل في حرب عام 1967. إلا أن بعضهم قد بدأ بالتقدم للحصول على الجنسية الإسرائيلية، ويمكن للحرب أن تغير ولاءهم للأبد، مما يتيح لإسرائيل أن تكسب في أي استفتاء مستقبلي على مصير الجولان وتعزيز قضية أن مرتفعات الجولان لا تعد مناطق محتلة.

ولا يغيب عن أذهان المجتمعين في هرتسيليا من قادة الموساد وجنرالات الجيش وغيرهم أن ما كان يعتبر حلما خيالا لييغال علون (رئيس وزراء إسرائيلي سابق) إبان حرب عام 1948 بنشوء دول مثل الدولة الدرزية والكردية  لكسر الهيمنة العربية على بلاد الشام بدأ يصبح حقيقة.

الرئيس الإسرائيلي يحضر أحد المناسبات الدينية لطائفة الدروز في إسرائيل

الرئيس الإسرائيلي يحضر أحد المناسبات الدينية لطائفة الدروز في إسرائيل

للتعرف على مواضيعنا أولاُ بأول تابعنا على تويتر  Follow us on Twitter @beopendotme

المصدر: Politico

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.