روبرتو سافيانو: من محاربة المافيا الإيطالية إلى تتبع تجارة الكوكايين

على عكس الأبطال الخارقين في سلاسل أفلام «مارفل» ذوي الأزياء المميزة، الذين يمتلكون قوى خارقة، مثل «سوبر مان» و«البرق»، لم تحظ مدينة نابولي الإيطالية ببطل خارق مثلهم يواجه الجريمة المنظمة في شوارعها، فبطلها، «روبرتو سافيانو» رجل عادي، لا يستطيع الطيران، ولا يتحول إلى عملاقٍ أخضر ولا يمتلك بزة حديدية، بل إنه يحتاج إلى أن يسير في حراسة ستة رجال مسلحين من الشرطة العسكرية الإيطالية لحمايته ممن يطلبون رأسه، لا يستطيع أن يبيت أكثر من ليلة في نفس المكان، ولا يتمتع بأي حياة اجتماعية منتظمة، فأي شخص يُشتبه في أنه على علاقة بـ سافيانو، يتحول في لحظة إلى هدفٍ لرجال «الغومورا»، مافيا مدينة نابولي، وتصبح حياته معرضة للخطر.

9d26b47290f79b9e15652f49d441535d

يقول سافيانو: “كنت كاتبًا شابًا نشأ في كاسيرتا، إحدى ضواحي نابولي، وشهدت الصراع القائم بين عصابتي مافيا تحاولان السيطرة على شوارع المدينة، شعرت بالغضب وأردت أن أخبر العالم كيف أن هذه البقعة أصبحت أشبه بمنطقة حرب: تستمع إلى نحيب عائلات الضحايا، وتشم  رائحة العفن التي تملأ الشوارع، وتشاهد قتل الناس في الشوارع اشتباهًا في كونهم أشخاصًا آخرين تحاول العصابات اغتيالهم. قررت الاختلاط بالعاملين لعصابات الغومورا، عرفت المخبرين، والمتواطئين معهم. قرأت سجلات المحاكمات، والتحقيقات الصحفية، واستمعت إلى شهادات الجيران، ثم قمت بتجميع هذه الخيوط ودونتها في كتابي «غومورا». أصبح الكتاب من ضمن قوائم الأكثر مبيعًا، ولاقى شعبيةً، ومن ثم لم تهمله الغومورا”.

رغم المطاردات والحياة الصعبة التي يعيشها سافيانو بسبب كتابه الأول، إلا أنه لم يتوقف عن الكتابة، فها هو قد نشر كتابًا جديدًا بعنوان «صفر صفر صفر» يتناول فيه صناعة الكوكايين على مستوى العالم، باع الكتاب أكثر من مليون نسخة في إيطاليا وحدها. تتبادر غرابة اسم الكتاب للوهلة الأولى، إلا أنه وفقًا لسافيانو فإن «صفر صفر صفر» هو اسم أنقى أنواع الكوكايين بين مروجي المخدرات. يتتبع سافيانو هذه الصناعة بين روسيا والمكسيك وكولومبيا وأوروبا. يكشف لنا بين سطور كتابه عدة أرقام مرعبة، مثل أن عدد القتلى في المكسيك وحدها في الصراعات الدائرة بين مهربي الكوكايين والشرطة والجيش يبلغ أكثر من مائة ألف قتيل، وذلك منذ عام 2007 وحتى صدور الكتاب.

Italy violence napoli

في جزءٍ آخر من الكتاب، يشرح سافيانو اقتصاديات صناعة الكوكايين بعرض مثال صارخ للأرباح التي تدرها هذه الصناعة، فيقول “لو أنك قمت باستثمار 1000 يورو بشراء أسهمٍ لشركة ’آبل‘، فإنك ستحصل بنهاية العام على مبلغ 1670 يورو، وهو ربح جيد. لكنك إذا استثمرت نفس المبلغ في تجارة الكوكايين،  فسيكون العائد في نهاية العام مبلغًا وقدره 182,000 يورو”. ولا تتضمن هذه الحسابات الرحلة الخطرة لهذه التجارة، على دروب تتقاطع مع أحراش كولومبيا ولا تنتهي في شوارع لندن، مما يعرضك إلى أن تخسر في هذه الرحلة كل أموالك، لكن بالنظر إلى أن الشرطة البريطانية تستطيع منع أقل من 20 بالمائة فقط من الكوكايين المُهرب إلى البلاد، فإن الأمر قد يستحق المخاطرة.

وبالحديث عن بريطانيا، فبفحص العُملات الورقية المُستخدمة في البلاد، وُجد أن نسبة 11 بالمائة منها قد أعطت نتائج إيجابية تدل على وجود آثار كوكايين عليها، وهذا بسبب رواج «النفط الأبيض» في المملكة المتحدة بنسب أكبر ثلاث مرات من بقية مناطق أوروبا. لذا، فليست البنوك هي المدانة في وجود آثار كوكايين على أوراق العملة وإنما المدمنون الإنجليزيون، إلا أن البنوك تتحمل بعضاً من المسؤولية في عمليات غسيل الأموال التي تجعل من تعقب تمويل تجارة الكوكايين أمرًا مستحيلًا. فـ 97.4 بالمائة من عمليات غسيل الأموال التي يجريها التجار الكولومبيون تتم عن طريق بنوك أوروبا وأمريكا، مثل بنك واكوفيا، وبنك أوف أمريكا، وبنك HSBC.

cocaine1_0

لم يقصر «سافيانو» كتابه على أرقام وحقائق فقط، وإنما زوده بشهادات لأشخاص انخرطوا في وقتٍ أو آخر في تجارة المخدرات، مثل أحد الجنود السابقين لوحدات «كايبيليز» التي ارتكبت فظائع لصالح النظام الحاكم في غواتيمالا. في هذه الشهادة، يتحدث ذلك الجندي بصراحة تصل إلى حد التباهي بالعنف واحتقار من ينبذون وسائلهم.

لا يمكن تصنيف كتابات سافيانو ضمن الكتابات الأكاديمية، فهي لا تتسم بأي صفة تحليلية، لكن ما يميزها هو شغفه الذي يبرز في كتابته عن الخراب الذي تجلبه الجرائم المنظمة للمجتمع، وعرضه لأفكاره بطريقة تمزج بين حيوية في وصف الانحلال والفساد المجتمعي، والفلسفة في تناول العنف من منظور العالم الحديث. لكن كلما زادت شهرة سافيانو، كلما تم تقييد جهوده البحثية، لأن وجهه يصبح مألوفًا ومكروهًا للمجتمع السفلي من المجرمين.

يُعامل سافيانو معاملة الأبطال في إيطاليا، فقبل خطابه الهادر عن معاناة بلده مع الجريمة المنظمة ضمن فعاليات إحدى مؤتمرات مكافحتها، قابله الجمهور بتصفيق شديد وصيحات مؤازرة لكفاحه، وهو يحظى بتأييد العديد من الأشخاص الباريزين، منهم حاصلون على جائزة نوبل، وينال العضويات والدرجات العلمية الشرفية من المؤسسات التعليمية الإيطالية. تم تحويل كتابه الأول «غومورا» إلى فيلم إيطالي، والذي قد تم ترشيحه إلى جائزة جولدن جلوب. والآن، وبعد غياب ثمانية أعوام عن مدينته، عاد سافيانو إليها خائفًا من بعض الأصوات التي كانت تتهمه بأنه يتربح من معاناة المدينة، إلا أنه قد قوبل بتحيات وعناق المئات من الأشخاص الذين يرونه بطلًا حقيقيًا يعاني من أجلهم ويعرض حياته للخطر، هو وكل من يحب، وذلك في سبيل تطهير المدينة من الجرائم المنظمة.

جدارية بصورة روبيرتو سافيانو رسمت في أحد شوارع نابولي

جدارية بصورة روبيرتو سافيانو رسمت في أحد شوارع نابولي

المصادر: Financial Times، Telegraph، The Guardian، Independent

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن