ربيع الموسيقى العربية المستقلة: موسيقيون عرب يلجأون للتمويل الجماعي للإنتاج بعيداً عن الشركات

في عالم عربي باتت موسيقاه مكررة المعاني إلى حد كبير، تتحدث عن الحب والفراق واللوعة والهجر واللقاء، يأتي الموسيقيون الذين بدأوا بالبروز تزامناً مع الربيع العربي -رغم وجود بعضهم قبله- ليعبروا عن أفكاراً جديدة في موسيقاهم تتحدث بشكل أكبر عن واقع الإنسان ورؤيته للعالم ولا تنحصر في زاوية الحب والعلاقات، وقد يصعب هذا الأمر أمام وجود شركات إنتاج موسيقي تفرض في العديد من الأحيان على الموسيقيين ما يقدمونه تماشياً مع ما يطلبه السوق، فلا نرى هؤلاء الموسيقيين على شاشات التلفزيون أو نستمع لهم في الراديو، وقد اتسعت ساحة الموسيقى المستقلة في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة مع تجدد الإبداع الموسيقي العربي وتقبل الجمهور له والتفات شركات الإنتاج عنه.

ما هي الموسيقى المستقلة؟

ما يميز الموسيقى المستقلة أنها لا تكتفي بتقديم نوع جديد من الموسيقى فحسب، يجمع بين الآلات الشرقية والغربية في بعض الأحيان ويقدم تجارب متعددة بألحان مبتكرة وكلمات ذات معان إنسانية، لكن صفة “الاستقلالية” التي تكتسبها تأتي من كونها مستقلة مادياً عن شركات الإنتاج الموسيقي مما يعني أن للقائمين عليها الحرية الكاملة في الخيارات الفنية دون الالتزام بشروط الشركات ولا بقرارات المنتجين أو الممولين.

في الماضي كان من الصعب على الفنانين المستقلين تسويق أعمالهم، إلا أن ما يوفره الإنترنت اليوم من وسائل انتشار للموسيقى يزيد من فرص هؤلاء الفنانين في الانتشار، لكن تبقى هناك بعض الموارد الهامة التي تنقصهم كالمعدات والاستوديوهات التي تساعدهم على إظهار موسيقاهم بشكل جيد. وهناك اليوم المئات من الموسيقيين العرب المستقلين في مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الفيديو المختلفة كيوتيوب وفيميو، بالإضافة إلى موقع ساوندكلاود الصوتي ، بعضهم يتعامل مع الأمر كهواية، وبعضهم الآخر يتعامل معها باحترافية، ولا شك أن المحترفين تنقصهم الموارد للخروج بعمل متكامل، لهذا لجأت العديد من الفرق الموسيقية العربية إلى أساليب مبتكرة للحصول على التمويل اللازم من خلال العودة للإنترنت للبحث عن حلول، أحدث هذه الفرق هي فرقة “المربع” الأردنية التي قررت اللجوء لموقع التمويل الجماعي “ذومال” لإنتاج ألبومهم الثاني بعد مرور ثلاث أعوام على إصدارهم الأول.

ويرى محمد عبدالله، المغني الرئيسي في الفرقة، أن المشكلة ليست في السوق بل المشكلة في العرض وفي شركات الإنتاج التي تريد “حنجرة قوية وشكل حلو”، مشيراً إلى أن سقف التعبير عن الآراء ارتفع وهذا يجب أن ينعكس على الموسيقى، منادياً بإصلاح صناعة الموسيقى في العالم العربي التي يرى أنها يجب أن تتعدى الصورة المصقولة على أغلفة الألبومات، مضيفاً “نحن لسنا بحاجة لحناجر قوية بل بحاجة لهوية ومحتوى”. ويشاركه زملائه الرأي فيقول عازف الغيتار في الفرقة عدي شواقفه أن شركات الإنتاج لا تهمها الفكرة والمحتوى.

ما هو التمويل الجماعي؟

شهد العالم خلال السنوات الماضية طفرة في مواقع التمويل الجماعي كـ Kickstarter و Indiegogo، وهي مواقع لتلاقي المبدعين مع داعمي الإبداع، تعمل على تمويل مشروعات أو منتجات خاصة بالأفراد الذين لا يجدون سوقاً لمنتجاتهم وإبداعاتهم، وقد لجأ لها العديد من الأفراد والمؤسسات الصغيرة لتطوير منتجاتهم حقق البعض منها نجاحات مذهلة. ويلجأ الناس لدفع الأموال في تمويل هذه المشاريع ليكونوا جزءاً من الدعم والمشاركة في إنجاح أفكار رائعة، فتكون المساهمات المالية بمستويات متعددة صغيرة وكبيرة يحددها صاحب المنتج تتراوح من 5 دولارات إلى الآلاف، ويحصل كل مستوى –في العادة- على شكر من صاحب المنتج أو الفكرة، وتتعدد أساليب الشكر بحسب المبلغ المدفوع، من الحصول على رسالة شكر إلى الحصول على نموذج من المنتج  وهدايا حصرية وصولاً إلى قضاء بعض الوقت مع المبدع أو التعرف عن كثب على تصنيع المنتج والحصول على درجة أعلى من القرب. وبدأت العديد من منصات التمويل الجماعي العربية بالظهور في السنوات الأخيرة منها زومال ويمكن وأفلامنا وشكرة وجربها.

ولم تكن “المربع” أول من اختار هذا الدرب من الموسيقيين العرب، إذ سبق أن سلكته فرقة “مشروع ليلى” اللبنانية للحصول على تمويل لتسويق ألبومها الثالث “رقّصوك” طالبين من الجمهور دعمهم “ليكون ألبومنا أضخم إصدار موسيقي مستقل يشهده العالم العربي”، وتمكنت الفرقة بنهاية مدة جمع التمويل من الحصول على 67 ألف دولار أمريكي متفوقين على المبلغ المطلوب وهو 65 ألف دولار، وستستخدم الفرقة الأموال لإنتاج “تصميم جميل للألبوم، طباعة الأقراص المدمجة والملصقات، صناعة فيديو كليبات ذات قيمة فنية، وإحياء حفلات موسيقية مع هندسة صوتية جيدة”. وكانت الفرقة قبل ذلك قد أصدرت ثلاثة ألبومات وثلاثة فيديوهات موسيقية وقامت بجولات عديدة في الشرق الأوسط وأوروبا وكندا خلال أقل من خمس سنوات وكل ذلك من دون دعم مالي أو شركة إنتاج، إلا أنها قد حققت نجاحاً باهراً في لبنان فكانت موسيقاهم حديث “كل حانة وحرم جامعي في بيروت” بحسب تعبير موقع ومضة، إذ قدمت موسيقى من نوع جديد بعد أن “سئم الجميع من موسيقى الحانات والنوادي الليلية التي كانت بمعظمها من نوع  ’ترانس‘ أو لا معنى لها”.

كما سبق أن لجأت الفنانة تانيا صالح للجمهور لجمع أكثر من 50 ألف دولار أمريكي لإنتاج ألبومها الرابع “شوية صور”، كما لجأت فرقة “خلص – أوركسترا الروك العربية” من فلسطين عام 2013 إلى موقع Indiegogo العالمي لإطلاق حملة تمويل جماعي طالبة 7 آلاف دولار أميركي لتغطية تكاليف إنتاج أحد ألبوماتهم وتوزيعه، لكنها تمكنت من جمع 4 آلاف دولار فقط وهو ما كان كافياً لإنتاج ألبومهم وإن كان ليس بالشكل المطلوب.

Khalas-Arabic-Rock-Orchestra

موسيقى الربيع

تأتي خطوة “المربع” لتفتح الباب أمام المزيد من الفرق والموهوبين العرب في مجال الموسيقى للبحث عن أسواق جديدة لموسيقاهم بعيداً عن شركات الإنتاج وما تفرضه من قيود ، مما يمكنهم من إطلاق صورة فنية جديدة للموسيقى العربية، وقد أتاحت هذه الفرصة لهؤلاء الموسيقيين الحديث بشكل أوضح عن أفكارهم ومنطلقاتهم ورؤيتهم لكيف يجب للموسيقى أن تكون. تقول تانيا صالح واصفة ألبومها أنه “يشكل بحثاً موسيقياً عن الحب وسط الحقد والدم والانقسامات والصراعات التي لا تنتهي، ويطرح أسئلة عن فلسفة الحياة، وجنون الإنسانية، وعدم المساواة بين الجنسين، ووهن وجودنا وهشاشته”، فيما يقول محمد عبدالله من “المربع” أن “الموسيقى العربية تحكي عن الأمجاد، فتصف أشياء جميلة غير موجودة في الواقع”، ويروي فيديو مشروع ليلى الترويجي في حملتهم عن “موسيقى تمثل الشباب وتستطيع أن توصل صوت التغيير الذي يطالب به الشباب”، مضيفين بأن الموسيقى هي “للشباب الذي لا يريد أن يكون غربياً ولا يرغب في أن يكون تقليدياً”.

إن فلسفة الموسيقى العربية المستقلة فلسفة تقارب أفكار الجيل الجديد ونظرته لمجتمعاته، فهو ذات الجيل الذي صنع الربيع العربي والذي يجيد استخدام الإنترنت ويستخدمه لتبادل الأفكار والحصول على المعلومات بل والحصول على تمويل لتحقيق أحلامه ومشروعاته، وإن كان هذا الجيل قد فشل في إحداث تغيير على المستوى السياسي، إلا أنه يساهم الآن في بناء واقع ثقافي واجتماعي عربي جديد، وصورة لهوية عربية جديدة أكثر تصالحاً مع نفسها وأكثر جرأة وانفتاح على العالم.

للمساهمة في تمويل ألبوم فرقة "المربع" الثاني إضغط هنا.

مصادر: الحياة، Your Middle East، Wamda