البعوض لا يقرص الحلوين: كيف يختار مصاص الدماء المنزلي ضحاياه؟ وكيف سيكون عالمنا بدونه؟

mosquitoes

حالما يحل المساء في أيام الصيف تتحرك أسراب البعوض متجهة إلى منازل العديدين منا لتمارس هوايتها في اللدغ وامتصاص الدماء. ولعل بعضنا يذكر في طفولته استيقاظه في الصباح وقد نال حظا وافرا من اللدغات فيما لم تقترب تلك الحشرات المزعجة من أشقائه في نفس الغرفة. وعندما كنا نسأل أمهاتنا عن السبب يجبن مازحات بأن من البعوض “يقرص الحلوين”.

سؤال الطفولة هذا لا بد أنه قد خطر ببال الكثيرين، خصوصاً أولائك اللذين يتعرضون لقرصات البعوض أكثر من غيرهم، فلماذا يختارهم البعوض تحديدا؟ وهل يفضل البعوض حقاً أشخاصا دون غيرهم لامتصاص دمائهم؟ ولماذا؟

لنصحح أولا ذلك المفهوم الخاطئ عند الكثيرين، فالبعوض ليس “دراكولا” ولا يتغذى على دمائنا كما نظن بل هو حشرة مرهفة، فأنثى وذكر البعوض البالغين يتغذون على رحيق الأزهار تماما كالفراشات. قد يبدو الأمر مستغربا فإن كانت لا تتغذى على دمائنا فلم تمتصها؟

إن أنثى البعوض هي فقط المسؤولة عن لدغ الإنسان وامتصاص دمائه ولكنها لا تستخدم الدماء كغذاء بل للتكاثر، فدماء الإنسان وغيره من الثدييات تحتوي على البروتينات والحديد وذلك يساعدها على إنتاج البويضات والتكاثر.

يقول الدكتور جيري بتلر من جامعة فلوريدا بأن “واحدا من كل 10 أشخاص يعد جذابا للغاية بالنسبة للبعوض” بينما تشير إحصاءات أخرى أن اثنين من كل عشرة أشخاص يعتبرن مغناطيسا للبعوض. والسبب وراء هذه الجاذبية لا يزال سرا محيرا. لكن هناك بعض المؤشرات التي قد تجعلك هدفا للبعوض.

أن تكون ضخما

BigMan

فالأشخاص ذوي البنية الضخمة يصدرون كمية أكبر من غاز ثاني أكسيد الكربون وتلك السحابة الضخمة من ثاني أكسيد الكربون هي الشيء الأكثر جذبا للبعوض، ولهذا السبب يتعرض الأشخاص البالغون للدغ أكثر من الأطفال والرجال أكثر من النساء اللاتي يكن بصحبتهم.

أن تكون قد فرغت للتو من الرياضة أو الأعمال المجهدة

exercise sports

إن كنت قد مارست الرياضة أو بعض الأعمال المجهدة فإن العرق المتصبب منك يحتوي على حمض اللاكتيك والذي يعد من المواد الجاذبة للبعوض. إضافة إلى أن المجهود المبذول يسبب تنفسا أسرع وبالتالي كمية أكبر من ثاني أكسيد الكربون حولك.

أن يكون معدل الاستقلاب لديك مرتفعا

يحبذ البعوض بعضاً من الكوليسترول في الدم فهو ينجذب إلى الأشخاص الذين لديهم معدل مرتفع لاستقلاب الكوليسترول، والاستقلاب هو تفاعل كيميائي في الخلايا يساعد على البقاء (Metabolism)، ولا يعني ذلك بالضرورة الأشخاص الذين لديهم مستويات مرتفعة من الكوليسترول في دمائهم، فإن البعوض ينجذب إلى النواتج الثانوية لاستقلاب الكوليسترول والتي تكون موجودة على سطح الجلد.

أن تكون جذابا بالنسبة للبعوض

sweaty skin

هناك بعض المركبات الموجودة في هواء الزفير وكذلك عدد من المركبات والبكتيريا الموجودة على الجلد تعد جاذبة للبعوض. وبالرغم من إفراز جميع الأجسام لهذه المواد لكن بعض الناس قد تكون هذه الروائح لديهم أقوى من غيرهم. وربما يفرز الأشخاص الذين يتعرضون للدغات أقل من غيرهم مواد كيميائية تتسبب في طرد البعوض.

كيف سيكون عالمنا بلا بعوض؟

nature

ولكن إذا كان البعوض حشرة مزعجة تتسبب في نقل الأمراض فلماذا لا نقضي عليها في كل مكان؟

جيتاوادي ميرفي باحثة في معهد أبحاث والتر ريد في ولاية ميريلاند الأمريكية، وفي كل يوم تقوم بفتح غرفة مقفلة تحوي سربا من البعوض الحامل للملاريا، وتقدم ليرقات البعوض بعضا من طعام السمك المطحون أما الإناث الناضجات فتقدم لهن فئران فاقدة للوعي كمصدر للدماء. عكفت ميرفي على دراسة البعوض على مدى عشرين عاما وهي تعمل للحد من انتشار الطفيليات التي يحملها البعوض، ومع ذلك فهي تفضل أن يختفي هذا المخلوق عن وجه الأرض.

فالبعوض ناقل للملاريا والحمى الصفراء وحمى الضنك والتهاب الدماغ الياباني وحمى الوادي المتصدع وغيرها من الأمراض الأخرى الخطيرة. فهل سنفقد البعوض إذا قضينا عليه؟ 

هناك 3500 نوع من البعوض، بضع مئات منها فقط تلدغ الإنسان. ويعيش البعوض في كل القارات على وجه الأرض ويقوم بوظائف هامة في الأنظمة البيئية المتعددة. إن القضاء على أنواع من البعوض قد يترك مفترساته الطبيعية دون غذاء أو نباتات معينة دون تلقيح. وهناك جهود حثيثة لتطوير وسائل قد تمكننا من التخلص من أكثر الأنواع نقلا للأمراض. ويعترف العلماء أن الندبة البيئية التي سيخلفها القضاء على البعوض ستلتئم إذ سرعان ما سيشغل الفراغ كائنات حية أخرى. 

البعوض في القطب الشمالي

tundra mosquitos

إن القضاء على البعوض يمكن أن يسبب الاختلاف البيئي الأكبر في ما يعرف بمناطق “تندرا” بالقطب الشمالي، وهي المناطق التي ينبت فيها النبات بشكل محدود، وهي موطن أنواع من البعوض مثل Aedes impiger و Aedes nigripes. تفقس بيوض تلك الحشرات بعد ذوبان الثلوج وتتطور الحشرة إلى بالغة في غضون 4-3 أسابيع وقد تتكاثر بأعداد هائلة بحيث تشكل سحابة كثيفة. ويقول العالم المتخصص بالحشرات دانيال ستريكمان بأنه “لا يوجد مكان آخر في العالم حيث يشكل البعوض كتلة حيوية بهذا الحجم”.

وتختلف وجهات النظر حول ما يمكن أن يحدث إذا اختفت كتلة حيوية كهذه. إذ يقدر بروس هاريسون، وهو عالم متخصص بالحشرات، أن عدد الطيور المهاجرة التي تعشش في التندرا يمكن أن ينخفض حتى 50% في حال عدم وحود بعوض ليتناولونه. لكن عالم أحياء آخر متخصص في الحياة البرية يرى أن هذه الطيور تعتمد على البرغش في غذائها أكثر من البعوض.

السلسلة الغذائية

GambusiaMaGlynnAland

يعد البعوض طعاما لذيذا وسهل المنال للعديد من الكائنات الحية وباختفاء يرقات البعوض قد تضطر مئات الأنواع من الأسماك لتغيير نظامها الغذائي للبقاء. فيعتبر “سمك البعوض” (Gambusia affinis) فعال جدا في قتل يرقات البعوض لدرجة أنه يربى في حقول الأرز وحمامات السباحة للقضاء عليها وقد ينقرض باختفاء البعوض وانقراضه هو أو غيره من الأسماك قد يسبب أضرارا كبيرة في السلسلة الغذائية.

كما أن العديد من أنواع الحشرات والعناكب و السحالي والضفادع ستفقد أيضا مصدر غذائها الرئيسي. ففي دراسة أجريت في حديقة في فرنسا تتبع فيها الباحثون طائر الخطاف المعروف بتناول الحشرات المنزلية، تم رش الحديقة بمواد للقضاء على البعوض، ولوحظ أن هذه الطيور وضعت بيضتين فقط مقارنة بطيور خطاف في أماكن أخرى وضعت ثلاث بيضات.

لكن الأغلب أن معظم الطيور التي تتغذي على البعوض ستتحول في غذائها إلى حشرات أخرى فهناك خيارات كثيرة على المائدة ولا يوجد دليل على أن خللا بيئيا سيحدث من هذه الناحية.

البعوض في خدمتكم

تشكل يرقات البعوض كتلة حيوية أساسية في النظم البيئية المائية عالميا. وهي تكثر في المسطحات المائية بكافة أنواعها وتقدم لنا خدمة بالتغذي على الأوراق المتحللة والبقايا العضوية والكائنات الدقيقة فتخلصنا منها وفي الوقت ذاته تنتج مواد مغذية تحتوي على النيتروجين مما يفيد النباتات الموجودة في تلك المنطقة. لكن العديد من الكائنات تقوم بعمليات التحلل العضوي فلا يقتصر الأمر على البعوض فقط.

كما لوحظ وجود أنواع متعددة من الطفيليات أحادية الخلية في أماكن تواجد يرقات البعوض وهناك اعتقاد بأن تغذي يرقات البعوض على أصناف محددة من أحاديات الخلية يؤدي لخفض أعداد الأنواع الأكثر انتشارا مما يسمح لكائنات أخرى بالتواجد.

ويلعب البعوض دورا كبيرا في تلقيح النباتات وبدونه يمكن لآلاف الأنواع من النباتات أن تفقد ملقحاتها، وعلى الرغم من أن هذه النباتات لا تعد محاصيل أساسية يعتمد عليها البشر لكن قد يكون لها دور في السلسلة الغذائية لكائنات أخرى.

في نهاية المطاف يبدو أن هناك أمورا قليلة يقوم بها البعوض ولا يمكن لكائنات أخرى القيام بها.  قد يكون  التأثير البيئي الأفضل في القضاء على البعوض الضار هو إنقاذ العديد من الأرواح  والتخلص من العبء الثقيل لمرض الملاريا والأمراض الأخرى.

وبينما يقوم البشر عن غير قصد بدفع كائنات مفيدة كالتونة والشعاب المرجانية إلى حافة الانقراض، فإن أفضل الجهود المبذولة لا يمكن أن تشكل تهديدا خطيرا على هذه الحشرة. وفي حال تم القضاء عليها فإن النظم البيئية ستفتقدها قليلا لكن كائنات أخرى ستملأ الفراغ الذي ستخلفه ومن يدري فقد تكون هذه الكائنات أفضل أو ربما أسوأ.

Follow us on Twitter @beopendotme تابعنا على تويتر

المصادر: Huffington Post، Nature

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن