من مايكروسوفت إلى غوغل: الهنود يغزون وادي السيليكون

حملت أخبار غوغل الأخيرة، بشأن تغيير الهيكل الإداري للشركة، أنباءً سارة للملايين في شبه القارة الهندية، إذ أعلنت الشركة –ضمن هيكلتها- تعيين سوندار بيشاي رئيساً لغوغل بعد أن كان يشغل منصب نائب الرئيس، ويعود سبب السعادة إلى أن سوندار مهندس هندي الأصل، ويأتي تعيينه في مركز مهم كهذا في سيليكون فالي بعد عام من تعيين زميله الهندي ساتيا ناديلا رئيساً تنفيذياً لمايكروسوفت.

فما حقيقة تفوق الهند في مجال التكنولوجيا؟ وما هي أسبابه؟

سوندار بيشاي

سوندار بيشاي

عاش بيشاي قصة حياة مثيرة، ويأتي صعوده لقمة غوغل كتذكير بمكانة الهند في صناعة التكنولوجيا العالمية، كما هو تذكير آخر بفكرة “الحلم الأمريكي” التي يتمناها الكثيرون حول العالم.

في طفولته، عاشت أسرة بيشاي في شقة بغرفتا نوم، ولم تكن لبيشاي غرفة منهما، بل كان يفترش أرض الصالة مع إخوته الصغار، ولم تكن العائلة تمتلك سيارة أو تلفزيون.

بعد تخرجه من معهد الهند للتكنولوجيا في كاراجبور (IIT Kharagpur)، عرض على بيشاي بعثة دراسية إلى جامعة ستانفورد، منهل رواد التكنولوجيا في هذا العصر، وقد فاق سعر تذكرة السفر للولايات المتحدة أنذاك دخل والد بيشاي السنوي.

إن ريادة المهاجرين من أصول هندية اليوم لقطاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة بات حقيقة واضحة، إذ أشار تقرير إلى أن الهنود يشكلون أكبر شريحة من بين الجنسيات التي أنشأت شركات تكنولوجيا جديدة في سيليكون فالي بكثافة فاقت 4 مرات الشرائح الأربع التالية (المهاجرون من بريطانيا، الصين، تايوان، اليابان) مجتمعين. ويشير آخر صادر عن كلية المعلومات في جامعة بيركلي في كاليفورنيا أن الأمريكيون من أصول هندية يديرون 15% من شركات التكنولوجيا الناشئة في الساحل الغربي للولايات المتحدة، رغم عددهم الذي لا يتجاوز نصف مليون في كاليفورنيا مقارنة بـ 39 مليون تعداد الولاية، كما يساهمون في تأسيس 8% من كافة شركات التكنولوجيا والهندسة الناشئة في الولايات المتحدة. عدا عن ذلك فإن 33.2% من كافة الشركات المنشأة من قبل مهاجرين في الولايات المتحدة في 2012 تضمنت مؤسساً هندياً (مقارنة بـ 7% في 2005)، بحسب دراسة لمعهد كوفمان.

هجرة الهنود

فينود خولسا

فينود خوسلا

بدأ تدفق الهنود إلى سيليكون فالي في سبعينات وثمانينات القرن الماضي وكان من ضمن رواد موجة هجرات المهندسين الموهوبين من الهند إلى ما يسمى بوادي السيليكون -أو سيليكون فالي- في ولاية كاليفورنيا الأمريكية فينود خوسلا، الذي شارك في تأسيس شركة صن مايكروسيستمز (Sun Microsystems). ولد خوسلا في دلهي عام 1955 وحصل على شهادة الهندسة الكهربائية من معهد الهند للتكنولوجيا في ديلهي ليكمل دراسته بعد ذلك في الولايات المتحدة، فنال الماجستير في هندسة الكيمياء الحيوية وشهادة أخرى للماجستير في إدارة الأعمال من جامعة ستانفورد عام 1980، وبعد ذلك بعامين أسس شركة سن مايكروسيستمز التي تعد إحدى أكبر شركات البرمجيات والحواسب في العالم، ويبقى خوسلا اليوم أحد أكبر الداعمين لرواد الأعمال الجدد في سيليكون فالي، كما يرأس شركته الخاصة التي تدير أكثر من مليار دولار يتم استثمارها في شركات التكنولوجيا الناشئة وشركات التكنولوجيا الصديقة للبيئة.

ولا تختلف قصة خوسلا كثيراً عن قصة بيشاي في غوغل أو ناديلا في مايكروسوفت، وغيرهم الكثيرين مثل شانتانو ناراين، الرئيس التنفيذي لشركة أدوبي (Adobe)، بادماسري واريور، الرئيسة التنفيذية للتكنولوجيا في شركة سيسكو سيستمز (Cisco Systems)، وغيرهم ممن يلعبون أدواراً محورية في كبرى شركات الإنترنت في الولايات المتحدة. وعادة ما تبدأ القصة من بدايات متواضعة، إلى تفوق دراسي ينتهي بأحد معاهد التكنولوجيا في الهند  ثم مواصلة الدراسة منه في الولايات المتحدة والالتحاق بإحدى الشركات الكبرى أو تأسيس شركة خاصة.

nadella microsoft

ساتيا ناديلا

تعليم التكنولوجيا مشروع وطني

وكان لافتاً أثناء البحث عن تلك الشخصيات التعرف على المؤسسات التعليمية التي ساعدتهم على الوصول، والبيئة المحيطة بهذه المؤسسات والتي ميزت الهند بدور ريادي في عالم التكنولوجيا خصوصاً في السنوات الأخيرة.

قد تأسست معاهد التكنولوجيا في الهند كجزء من توجه الدولة نحو التنمية الصناعية بعد الحرب العالمية الثانية ونيل الهند استقلالها، فبدأ إنشاؤها في خمسينات القرن الماضي في مدن مختلفة ومتباعدة.

ومع مرور السنوات أخذت هذه المعاهد بالازدياد خصوصاً مع مطالب المواطنين بتوفير المزيد منها، فأصدر قانون معاهد التكنولوجيا الهندية عام 1961 ليزيد عدد المعاهد ويضمها ضمن ما يسمى بقائمة “المؤسسات ذات الأهمية الوطنية“، وعددها يفوق السبعين وتتلخص بمؤسسات تعليمية هامة للدولة في مجالات الهندسة والتكنولوجيا والطب وغيرها تساهم في بناء الاقتصاد الوطني، فتحظى باعتراف حكومي خاص بالإضافة إلى دعم مادي يساعدها على أداء رسالتها.

يقول جواهرلال نهرو، أول رئيس وزراء للهند، في خطابه أمام الخريجين من معهد الهند للتكنولوجيا في كاراجبور عام 1956:

هنا حيث كان مقر سجن هيجلي (سجن للمعارضين السياسيين عندما كانت الهند تتبع التاج البريطاني) يقف هذا الصرح العظيم للهند، ليمثل دافع الهند نحو مستقبلها الذي يصنع هنا. تبدو لي هذه الصورة معبرة عن التغييرات القادمة في مستقبل الهند.

ما الذي يميز معاهد التكنولوجيا في الهند؟

IIT-Roorkee

يقول سانغيت شوداري، خريج معهد الهند للتكنولوجيا في كانبور ومعهد الهند للإدارة (Indian Institute of Management) في بانغالور ومدير منصة Thinking Labs في سنغافورة للاستشارات الإدارية “يتم قبول أقل من 2% من المتقدمين للدراسة في معاهد التكنولوجيا الهندية، ويصل 0.1% فقط إلى التخصصات العليا كعلوم الكمبيوتر أو الهندسة الكهربائية، وهي التخصصات المرتبطة بريادة الأعمال والتكنولوجيا”. وتعتبر اختبارات القبول للمعاهد من أصعب الاختبارات على مستوى العالم، إذ تهدف إلى تنقية المتقدمين لضمان جودة الطلبة، مما يعني أنه من بين 1.4 مليون متقدم لاختبار القبول عام 2014 تم قبول 10 آلاف متقدم فقط.

وتحظى المعاهد بشبكات تواصل قوية بين الخريجين، وإذا ما أخذنا في عين الاعتبار أن أبرز الموهوبين من الخريجين خلال العقود الثلاثة الماضية قد هاجروا إلى الولايات المتحدة وباتت لهم أسماء معروفة عالمياً، وبأن طلبة هذه المعاهد يتسمون بالمخاطرة والريادة، فإنه لا يصعب علينا معرفة أسباب نجاح المهاجرين الهنود في صناعة التكنولوجيا في الولايات المتحدة.

ويعزي د. فيفيك وادوا، رئيس مركز حوكمة الشركات في جامعة ستانفورد في دراسة له، ازدياد تأثير المهاجرين الهنود في سيليكون فالي إلى نظام الدعم الذي وضعه المهاجرين الأوائل من الهند في صناعة التكنولوجيا، إذ وضعوا شبكة دعم للمهاجرين الجدد تستفيد من عقبات من سبقوهم، كما ساهم الناجحون منهم في لعب دور الناصح والمستشار للآخرين لمساعدتهم في النجاح مما عزز من ثقتهم.

ويرى آندي وايت، باحث لدى PitchBook، وهي شركة تستثمر في المشاريع الناشئة، أن السبب الرئيسي في جعل الهند مركزاً مهماً في ريادة الأعمال هو فتح العديد من الشركات العالمية مكاتب لها في الهند، مشيراً “تنقل العديد من الشركات كمايكروسوفت وغوغل وغيرها مكاتبها للهند وتقوم بتوظيف العديد من الموظفين هناك، فيتاح لهم بناء سيرة ذاتية مع شركة كبرى وبناء علاقات مع العاملين فيها مما يسهل الوصول إلى عالم الشركات الناشئة”.

بخلاف ذلك فإن أثر معاهد التكنولوجيا لا يقتصر على الهنود المهاجرين فقط، رغم أنهم يشكلون نماذج استثنائية، ولكن على ما تمكنت الهند من صنعه في بانغالور، والتي تعتبر سيليكون فالي الآسيوية القادمة نظراً لما توفره من عمالة متخصصة وماهرة وأفكار جديدة يصنعها خريجو تلك المعاهد، ويشير أحد التقارير إلى أن الطفرة التي باتت تشهدها الهند في قطاع المعلومات والتكنولوجيا باتت تصرف خريجي الجامعات المتفوقين وأصحاب ريادة الأعمال عن الهجرة للولايات المتحدة نظراً لما باتت توفره بانغالور من فرص استثمارية جيدة، طامحين في ذلك إلى إنشاء شركات إنترنت عملاقة خاصة بهم.

ورغم ربط العديد من مجتمعاتنا العربية العمالة الهندية بالوظائف اليدوية أو منخفضة الدخل، إلا أن الواضح أن الهند بإمكنياتها المحدودة قد تمكنت -منذ وقت مبكر- من زرع أسس ثابتة لبناء اقتصاد قوي يقوم على الاستثمار بالتعليم باتجاهات محددة تخدم اقتصادها، متفوقة بذلك على معظم دولنا العربية.

Follow us on Twitter @beopendotme

Silicon Valley around San Jose

المصادر: BBC، Quartz India

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن