طبيب صهيوني مثليّ الجنس يحكي تجربته في قطاع غزة تحت القصف

jewish doctor

إذا سأل أحد ما آدم كوالك عن أكثر شيء جنوني قام به في حياته، سيكون حينها مضطرًا إلى أن يحكي له عن أغسطس 2014، عندما تزوج، غيّر اسمه، ثم عبر نصف الكرة الأرضية كي يحاول التسلل إلى غزة التي كانت مسرحًا لحرب. وإن لم يكن ذلك جنونًا بالدرجة الكافية، سيواصل حديثه بعد وقفة صمت درامية لكي يضيف أنه فعل ذلك على الرغم من كونه يهودي صهيوني مثلي الجنس.

كوالك، الذي يعمل كطبيب عام بمركز سيدراس-سيناي الطبي في لوس أنجلوس، حاول أن يسجل اسمه في برنامج تطوعي بغزة لشهر يوليو عن طريق الهيئة الطبية الدولية (IMC) ، لكن القائمون على الأعمال الإنسانية هناك نصحوه بزيارة طبيب نفسي.

يقول كوالك “لقد ظنوا أنني مجنون.. لكنني كنت مصممًا على القدوم إلى غزة، كان من المستحيل أن أقبل بالرفض”.

لم تكن الهيئة الطبية الدولية متحمسة لإرسال كوالك إلى هناك بسبب اسمه الأوسط “زفي”، وهو الاسم العبري للظبي، والذي يكشف عن يهوديته بوضوح. لذا، كان من المستحيل السماح له بالدخول إلى غزة باسم كهذا. “لقد أخبروني أنهم سيعيدون النظر في طلبي إذا استطعت الحصول على جواز سفر جديد بدون اسمي الأوسط”.

بمساعدة بعض أصدقائه في مكتب أحد أعضاء مجلس الشيوخ، السيناتور دايان فاينستاين، تمكّن كوالك من تسريع الإجراءات اللازمة لحذف الاسم. لكن لمزيد من الضمانات، ذهب كوالك برفقة صديقه الحميم إلى مجلس المدينة وتزوجا، “لقد كانت الطريقة الوحيدة التي يمكن بها تغيير اسمي دون الدخول في أي إجراءات معقدة، وأردت أيضًا أن أطمئن إلى أنه سيكون بأمان إذا حدث لي أي مكروه في غزة”.

في اليوم التالي، سافر كوالك إلى إسرائيل حاملًا جواز سفره الخالي من اسمه الأوسط، ومن هناك عبر إلى غزة، ولم يخبر أي شخص سوى زوجه الجديد بمكانه، لم يخبر حتى أصدقائه أو عائلته، “لم أقل حتى لأقاربي في إسرائيل بأنني قادم، كنت خائفاً من أن ينشر أحدهم بالخطأ شيئاً على فيسبوك”.

الشخص الوحيد الذي كان على علم بأنه يهوديّ هو مسئول الأمن المعيّن من الهيئة الطبية الدولية من أجل حماية أفراد الطاقم الطبي، “لم يعلم أي شخص آخر أنني يهودي، حتى هو لم يعلم بأنني مثليّ”.

أخلاقيات السلطة الإسرائيلية

AL-gaza-strip-0807e

كوالك صهيوني منذ الصغر، تربى في بيت شبه متدين، ودرس في صباه في ما يسمى بالـ “يشيفا”، وهي مدرسة دينية يهودية. كان دائمًا يرى أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، مثل موقف الكثير من اليهود في العالم، لكن أثناء إقامته بغزة، بدأ ينظر للأمور بنظرة مختلفة، “لقد بدأت أتساءل عن أخلاقيات السلطات الإسرائيلية، وإذا ما كان يجب علينا قبول كل ما تفعله إسرائيل دون تفكير”.

على الرغم من أنه لازال يعتبر نفسه صهيونياً، إلا أن كوالك يؤمن أن إسرائيل يجب أن تُحاسب على الدمار في غزة. “الدمار هناك أشبه بالجراحة، لقد كان القصف دقيقًا من وجهة نظري الشخصية، أحسست بأن قوات الدفاع الإسرائيلية قامت بعمل جيد أثناء قصفها لمبانٍ شعروا بأنها يجب أن تُدمر، دون النظر لوجود سبب حقيقي لذلك أم لا”.

يرى كوالك أن المشكلة تكمن في المناطق الريفية، خاصةً تلك التي تقع بالقرب من الحدود مع إسرائيل، “إن الدمار الذي شهدته تلك المناطق كان بالغًا، لقد قامت إسرائيل بمسح قرى كاملة لتوسيع المنطقة العازلة بينها وبين الشريط الحدودي مع غزة”.

في أحد أيام تفقده لبعض المناطق، تم اصطحاب كوالك إلى روضة أطفال محلية، قام جنود جيش الدفاع باقتحامها عن طريق نسف أحد الحوائط الجانبية بدلًا من الدخول من بوابتها اتباعاً لتكتيك مستخدم لتفادي الألغام والأفخاخ، “لقد حطموا كل شيء، وليزيدوا الأمر سوءاً، كانت هناك مخلفات آدمية في كل مكان”. يقول كوالك أنه عندها لاحظ خطاباً مكتوباً بالإنجليزية، وملقى على الأرض: “إلى أطفال غزة، نأسف على الأضرار، ونأمل في أن نتشارك سويًا مستقبلًا أفضل… جنود جيش الدفاع الإسرائيلي”. وفزع كوالك لقراءته هذا الخطاب، “كل ما كنت أفكر فيه هو كم بإمكان الجيش أن يكون غير آدمي وشرير ليقوم بفعل شيء كهذا بروضة أطفال. تخيّل أن يتم التعدي على ممتلكاتك ثم السخرية منك بعبارة كهذه”.

بعد التحقيق في القضية، صرّح ناطق باسم جيش الدفاع الإسرائيلي إلى موقع “دايلي بيست” قائلاً “إن هذا يجعل من الضروي تحضير الجنود لكل المواقف المحتملة التي يمكن أن يتعرضوا لها أثناء العمليات التي يحتكون فيها بالمدنيين، يتم التنبيه على الجنود بأهمية احترام المدنيين وممتلكاتهم، ويتم تحذيرهم من كل ما يخالف ذلك. وإذا ارتكبت مخالفة، يتم التحقيق في الحالة، وإذا ثبت سوء التصرف، يتم التعامل مع الجندي المسئول عن هذه الأفعال بواسطة السلطات المختصة”.

ما الذي أتى بي إلى هنا؟

531955504

يقول كوالك أنه خلال إقامته في غزة التي استغرقت 17 يومًا، لم يشهد غضباً ضد حماس، على الرغم من أن صواريخها هي التي سببت العدوان الإسرائيلي على القطاع “لقد بدا على الجميع أنهم يساندونهم، لم أعرف إذا كان ذلك حقيقيٌ أو كانوا مجبرين عليه، لكن غالبية من قابلتهم من ساكني غزة يشعرون بأن حماس هي التي تحميهم، وأنها ستدافع عن حقوق الفلسطينيين حتى النهاية.”

يعترف كوالك بخوفه على حياته في أحد المواقف، ففي الثامن عشر من أغسطس، قصفت طائرات جيش الدفاع مبنى لمحمد ضيف، القائد العام لكتائب عز الدين القسام، والذي كان على بعد عدة مبانٍ من كوالك حينها، كان يشعر بالأرض تهتز من تحته: “لم يكن مجرد احساس بالاهتزاز بقدر ما كان قوة مكثفة، لقد شعرت وكأنه زلزال لـ 25 ثانية، أتذكر أنني كنت أفكر حينها: ما الذي أتى بي إلى هنا؟!”

وعن قراءته غزة بشكل عام، يقول كوالك – بعد عودته إلى لوس أنجلوس –  أنه يعتقد أن أغلبهم يريدون انتهاء النزاع: “سأقول أن 95 بالمائة من الناس هنالك يريدون للحرب أن تنتهي، غالبية مواطني غزة ليسوا متطرفين”.

وعندما سُئل عن إن كانت لديه مشاكل مع حقيقة أن من يساعدهم كانوا ليقتلونه إذا علموا أنه مثليّ، أجاب بالنفي، “لا يمكن أن نطالب الناس في مكان آخر من العالم أن يلتزمون بمعايير وأفكار طورناها نحن خلال الخمسين عامًا الماضية فقط. على الأمريكيين أن يقفوا وقفةً أخلاقية تجاه ما يجري، فبالنسبة لي هذا غير صحيح”.

ويقول أخيرًا أنه يشعر براحة لعودته للأراضي الأمريكية، حيث لا يتوجب عليه أن يخفي ديانته أو ميوله الجنسية عن أي أحد، “نحن لا نقدر الكثير من الأشياء التي نعتبرها من المسلّمات، أنا سعيد للغاية بعودتي للوطن”.

المصدر: The Daily Beast

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن