دراسة: هل للفقر تأثير على أدمغة الأطفال؟

o-CHILD-POVERTY-facebook

تتشكل بنية الدماغ الأساسية في الرحم. فعندما تنمو المضغة إلى جنين فإن بعضا من الخلايا المنقسمة تتحول إلى خلايا عصبية تنتظم في طبقات لتشكل الوصلات العصبية الأولى. وفي الشهر الرابع للحمل تبدأ طبقة الدماغ الخارجية أو ما يعرف بقشرة الدماغ بتشكيل التجاعيد المميزة لها والتي تزداد عمقا بعد الولادة. تستمر عملية بناء وتطور الجهاز العصبي في السنوات الأولى من عمر الطفل متمثلة في اكتساب المعرفة والسيطرة على العواطف والقدرة على اتخاذ القرارات وعند بعض الأشخاص يستمر ذلك خلال فترة المراهقة وفي العقد الأول من مرحلة البلوغ.

قضى بات ليفينت، وهو عالم أعصاب في مستشفى لوس أنجلوس للأطفال، فترة طويلة في دراسة الإخفاقات والحوادث التي يمكن أن تؤثر على عملية بناء الجهاز العصبي. وتساءل بات عما إذا كان خطر تعرض الأجنة للكوكايين أمرا مبالغا به بعد الضجة التي أثارتها وسائل الإعلام في التسعينات حول “أطفال الكراك” وهم الأطفال الذين كانت أمهاتهم يتعاطين ما يسمى بالـ “كراك” أثناء الحمل، وهو أحد تسميات الكوكايين، حيث أمضى ليفيت عشرون عاما في فحص أدمغة أمهات الأرانب اللاتي تم إعطاؤهن جرعات من المخدر وأبنائهم ووجد بأن الإنذار كان مبالغا فيه. لكنه في السنوات الأخيرة أصبح مهتما بنوع آخر من السموم العصبية وهو الفقر.

brain-activation

يمكن للظروف التي تسبب الفقر والحرمان أن تكون سامة لدماغ في طور النمو تماما كتعاطي المخدرات أو الكحول، وتتمثل هذه الظروف في الاكتظاظ والضجيج والسكن غير اللائق والانفصال عن الوالدين أو أحدهما والتعرض للعنف والاضطراب الأسري وغيرها من أشكال الضغط الشديد. فهذه الظروف تحفز الجسم على تحرير هرمونات مثل الكورتيزول الذي يتم انتاجه في قشرة الغدة الكظرية. ويمكن لكميات قليلة من الكورتيزول مساعدة الشخص في التغلب على الإجهاد أو المواقف الصعبة، لكن إفرازه لمدة طويلة قد يكون كارثيا. وبالنسبة للمرأة الحامل، فإن الهرمون يمكنه العبور عبر المشيمة ليصل إلى الجنين ويحتمل أن يؤثر على دماغه. لاحقا عندما يكبر الطفل فإن الكورتيزول الذي يصنعه جسمه قد يستمر في تخريب تطور دماغه.

وقد أصدرت مجموعة من الباحثين من تسعة مستشفيات وجامعات دراسة ضخمة أجريت على ما يزيد على ألف طفل  ونشرت في مجلة نيتشر نيروساينس في مارس. حيث أخذ الباحثون عينات من الحمض النووي DNA وقاموا بعمل مسح بالرنين المغناطيسي لأدمغة الأطفال، وجمع معلومات حول مستوى دخل عائلاتهم وخلفيتهم التعليمية وقاموا بإعطائهم سلسة من اختبارات المهارات كالقراءة والتذكر. مكّنت عينات الحمض النووي العلماء من اكتشاف تأثير الوراثة والنظر عن قرب إلى تأثير الحالة الاقتصادية والاجتماعية على الدماغ في طور النمو. وركز المسح على قياس المساحة الكلية لسطح الدماغ وحجم “الحصين” وهو جسم ذو بنية منحنية يقع في وسط الدماغ ويقوم بتخزين الذكريات. وكما كان متوقعا فالعائلات الأكثر تعليما يكون لأطفالها دماغ بمساحة سطح أكبر ويكون الحصين أكبر حجما. هذا بالنسبة للتعليم، إلا أن للدخل تأثير آخر مستقل، فالأطفال الذين يعيشون في مستوى اجتماعي متدني  تكون مساحة سطح الدماغ لديهم أقل بنسبة تصل إلى 6% من الأطفال الذين يعيشون في عائلات ذات مستوى دخل مرتفع. وتؤثر الزيادات البسيطة في مدخول الأسر ذات الدخل المنخفض بشكل كبير على الدماغ. أما بالنسبة لمستويات الدخل المتوسط والمرتفع فإن منحنى المال – الدماغ يصبح أكثر تسطيحا. وبمعنى آخر فإن الثروة لا يمكنها بالضرورة شراء دماغ أفضل ولكن الحرمان يمكن أن يتسبب في دماغ أضعف.

يمكن للحرمان والتوتر أن يتسبب في تشكل نوع من السموم العصبية عند الأطفال في طور النمو

يمكن للحرمان والتوتر أن يتسبب في تشكل نوع من السموم العصبية عند الأطفال في طور النمو

يمكن للشخص الذي تضرر دماغه تدريجيا بهذه الطريقة أن يعاني من صعوبات سلوكية وتعليمية طويلة الأمد. وأظهرت دراسة أخرى نشرت في مجلة أكتا بايدياتريكا صورا غريبة بالموجات فوق الصوتية لأجنة يحركون فمهم ويلمسون وجوههم عندما تكون أمهاتهم تحت ضغط نفسي أو عندما يقمن بتدخين السجائر، وكأنها علامة على تأخر تطور الجهاز العصبي. وفي دراسة طويلة المدى نشرت منذ عامين، قام علماء أعصاب من أربع جامعات بمسح أدمغة مجموعة أشخاص بعمر 24 عاما ووجدوا أن من عاش منهم في الفقر والحرمان في سن التاسعة، كانت المناطق الخاصة بالمشاعر السلبية في الدماغ أكثر نشاطا، في حين كانت المناطق التي تكبح هذه المشاعر أكثر هدوءا. وفي مكان آخر، ظهر بأن الضغوط النفسية في الطفولة تجعل الأشخاص عرضة للاكتئاب وأمراض القلب والإدمان في مرحلة المراهقة.

أصبح هناك إجماع علمي واضح خلال العقد الماضي على أن الفقر يديم الفقر جيلا بعد جيل بفعل من الدماغ. وللعمل على تحطيم هذه الحلقة، ينبغي اتخاذ اجراءات بتقديم الرعاية الأفضل للأمهات خلال الحمل وكذلك للأطفال من حيث توفير التعليم ما قبل المدرسة (الحضانات). فإن بناء جيل جديد متوازن يستوجب العناية ببناء أدمغة هذا الجيل منذ بداية تشكله في الرحم مرورا بكافة مراحل الطفولة والمراهقة وصولا إلى سن الرشد…. وهذه مهمة ليست سهلة.

المصدر: The New Yorker

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن