كيف يفكر الفرنسيون؟

نشرت مجلة الإيكونوميست مؤخراً عرضاً لكتاب "كيف يفكر الفرنسيون: بورتريه متعاطف لشعب مفكر" (How the French Think: An Affectionate Portrait of an Intellectual People).

في عام 2003، عندما كانت أمريكا تتأهب لغزو العراق التي كانت حينئذٍ تحت حكم صدَّام حسين، تقدَّم رجلٌ فرنسي ذو شعر أشيب كثيف ليخطب في الحاضرين بمقر الأمم المتحدة بنيويورك، هذا الرجل هو دومينيك دو فيلبان، وزير الخارجية الفرنسي آنذاك. لم يكن خطاب دو فيلبان آسرًا للعقول بسبب موقفه الحاسم المعارض للحرب فحسب، بل أيضًا بسبب الطريقة التي ألقاه بها، داعيًا ببلاغةٍ عظيمةٍ إلى الالتزام بالمُثل والقيم، فمثل دو فيلبان بلهجته السلسة العميقة بلداً عريقاً،  قد عرف  الحروب والهمجية، لكنه “لم يتوانَ عن الوقوف مع الحق والبشرية على مدار التاريخ” وبصفتهم “حماةً للمُثُل وللضمير الإنساني”، فرأى دو فيلبان أنه “من واجب الأمم المتحدة، ومن بينها فرنسا، أن تدعو إلى طرق سلمية لنزع السلاح بدلًا من إعلان الحرب”.

بهذا المشهد يفتتح سودير هازاريزنغ، أستاذ العلوم السياسية بجامعة أوكسفورد كتابَه، واصفًا الخطبة بأنها “تنطق بفرنسيتها”، فقد مزجت كلمات السيد دو فيلبان بين “الرجولة الجذابة والخطابة الحيّة” في أفضل صور البلاغة والأناقة اللغوية الفرنسية. وقد  لجأ الخطاب إلى المنطق والتجريد، واستُخدمت فيه التناقضات الثنائية بين الصراع والوئام، والأخلاق في مقابل السلطة.  واستند دو فيلبان إلى حكمة الحضارات القديمة، وفرنسا، وما استلهمه من تجارب جسدت معاناة البشرية الصادقة، كل ذلك بتفاؤلٍ واثق ينبعُ من إيمانٍ راسخ بتفوق فرنسا الفكري. ومن خلال صفحات كتابه، يتساءل هازاريزنغ عما يجعل الفرنسيين يفكرون ويتحدثون بهذه الطريقة؟

thinker

يُزعم أن فرنسا هي أرقى البلدان فكراً وثقافة، ففيها يُحتفى بالمفكرين وكأنهم كنوز قومية، فيُمنحون مساحات في جرائد مثل “لو موند” وتٌخصص لهم ساعات على التلفاز ليعبروا عن آرائهم. ويتم احترام رأيهم ويؤخذ بمشورتهم في مناسبات عِدة، مثل بيرنارد هينري ليفي، الفيلسوف الفرنسي المعاصر الذي كان سببًا في إقناع نيكولا ساركوزي، رئيس فرنسا السابق، بالتدخل العسكري في ليبيا عام 2011. إن إدراك الفرنسيين لكون الفلسفة جزء من تكوين هويتهم الثقافية، ليس مجرد محض نظريات في كتب، لكنه أمر ينتقل من جيل إلى جيل حتى انتقل الآن إلى الأجيال الأصغر سنًا، ويتجلى ذلك في مسيراتهم الحاشدة الداعمة لجريدة شارلي إبدو بعد الاعتداء عليها في يناير 2015.

يقدم هازاريزنغ في كتابه مختصر مكثف لتطور الفكر في فرنسي منذ زمن رينيه ديكارت إلى هذا اليوم. لكنه مليء بالكثير من الإشارات والاقتباسات لدرجة قد تفقد السرد سلاسته أحياناً،  لكن اهتمام المؤلف ليس بما يفكر به الفرنسيون، وإنما بكيف يفكر الفرنسيون، وذلك عن طريق البحث في: إطار التفكير، الأعراف والدساتير، بالإضافة إلى البنية الاستدلالية، خلال العقود الأربعة الماضية.

يميِّز الكاتب خمسة عناصر لطريقة التفكير الفرنسية:

أولًا، تأثير التاريخ على البنية الفكرية، عن طريق مفاهيم مثل: تحطيم الثوابت، والثورة، والتقدم.

ثانيًا، إرساء الهوية الثقافية والوطنية، وخير مثال على ذلك هو خطبة السيد دو فيلبان البلاغية.

ثالثًا، انتشار المناقشات الفكرية بين عموم الشعب، كقول جول ميشليه، المؤرخ الفرنسي، في عام 1846: “نحن نثرثر، نتشاجر، ونبدد طاقاتنا بالكلام، ونتحدث بلغة قوية ونحلق إلى أبعادٍ فكرية جديدة في حديثنا عن أبسط المواضيع”.

رابعًا، أهمية المثقفين في نشر الأفكار الجديدة.

خامسًا، وجود تفاعل بين الترتيب المنطقي، والتفكير المبتكِر.

وكما لاحظ المؤلف، فالعديد من أشكال التعبير تعود إلى عصر الملكية، أي قبل ثورة 1789. إلا أن هازاريزنغ يرى أن “معظم النقاشات الأساسية بين الفرنسيين ظلَّت دائمًا تدور حول التراث الثوري وتلك الفترة بشكلٍ أو بآخر”، فقد شكَّلت أفكار الثورة ظلالاً طويلة تمتد حتى اليوم وتتعلق بالفكرة الثورية التي تمزق وتحطم الثوابت، والتي تعني أن الأفكار أو الحركات والمذاهب الفنية أو النظريات، بل وحتى الحركات السياسية، ينبغي التشكيك فيها وانتقادها ونسفها. ومع مرور الزمن، كان هذا الفكر المتجذر بتحطيم الثوابت مصدراُ كبيراً للإبداع ولكنه كان سبباً في عدم الاستقرار في الوقت ذاته، خصوصاً في مجادلات اليمين واليسار الفرنسيين كما يسهب هازاريزنغ في شرحه بالكتاب.

how the french think

وترى الإيكونوميست في عرضها للكتاب أن السيد هازاريزنغ أقل إقناعًا في نهاية كتابه عندما يناقش ضعف تأثير الفكر الفرنسي مؤخرًا. فيشير إلى أنه قد لاحظ قلة ثقة الفرنسيين في إبداع مفكريهم، منذ عهد أشهر الفلاسفة الفرنسيين مثل جاك دريدا، ميشيل فوكو، جان بول سارتر، وألبير كامو، ويوضح أيضًا امتعاضه من مفكري العصر الحالي المحافظين، وارتباطهم ببعث الحياة في القومية الفرنسية العِرقية، وأخيرًا، يسجل خفوت أثر الفكر الفرنسي على العالم، متجاهلًا بشكل غريب كتاب الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي الأخير “رأس المال في القرن الواحد والعشرين”، الذي يعد انتشاره الواسع في البلدان الناطقة بالإنجليزية خيرَ ردٍ على المؤلف، إلا أن الأخير قد تجاهل الكتاب باعتباره يخُص “مجالًا تقنياً”.

على الرغم من الأدلة التي ساقها هازاريزنغ للدلالة على تراجع تأثير الفكر الفرنسي، إلا أنه يبدو أنه لا يريد التسليم بذلك، فيقول أنه على الرغم من أن فرنسا لم تعد تملك الكثير من المفكرين، إلا أن العديد من الناس لازالوا يكتبون وينشرون الكثير من الكتب كل عام، كما لو كان الكَم قد يُعوِّض عن ذاك التراجع. هذا التذبذب في الرأي قد يكون ناتجًا عن شغف المؤلف بفرنسا وثقافتها، لكن تراجع الفكر الفرنسي والتشاؤم الجمعي الناتج عن ذلك يستحق أن يُفرَد له تحليلًا أكثر إرضاءً في كتابٍ قائم بذاته.

Follow us on Twitter @beopendotme

المصدر: The Economist

About Open Selects

Selections of interesting content from around the world. مختارات من المواضيع المثيرة من حول العالم.