أنا الملك: العودة للاستماع لعبدالله الرويشد بعد انقطاع

rowaished

لا أكف عن الاستماع لأغنية “أنا الملك” لعبدالله الرويشد (اسمها الأصلي “ملك بالحب”)، ربما لأَنِّي لم أرتبط بأغنية خليجية منذ زمن، فهذا حال العمر معي، إذ توقفت حواسي الموسيقية وروح الاستكشاف عام ٢٠٠٥، مع تخرجي من الجامعة. أو ربما لأن هذه الأغنية -نرجسية الطابع كما هو واضح من عنوانها- تشبع فيني ذاك الزهو الزائف، الأنا.

arrouj ومن حيث الكلمات، فإن الأغنية، ذات اللحن الملحمي الممتع للمبدع مشعل العروج، خرجت عن النص السائد في الاغنية الخليجية، أو على الأقل النص الذي اعتدنا على سماعه نحن جيل الثمانينات، والذي لا يتعدى قصص الحب واللقاء والعتاب والعذال -وآه منهم- والفراق والوله واللوعة إلى أن أتت أحلام وقلبت الطاولة فباتت تتحدى بأسلوب أقرب إلى العنف، باختصار فإن هذه الثيمات كانت الطاغية في ذاكرتي الموسيقية الخليجية، فأتت أغنية “أنا الملك” على ثيمة مختلفة تتحدث عن النفس والسعادة والكبرياء والتسامح والثقة بالنفس، ساعدها لحن مشعل العروج وهو حكاية بحد ذاته، فتبدأ الاغنية على صوت أشبه بصوت بكرة الفيلم المستخدمة لعرض الأفلام ليهيئك للدخول الى عالم آخر يبدأ مع نقرات الكمنجات الأولى فيتداخل معها الفلوت في موسيقى تحسسك أنك تدخل إلى عالم شبيه بعالم أليس في بلاد العجائب، ثم تأتي موسيقى رسمية كأنها تؤذن بوصول الملك، ولم أستطع تمالك خيالي في الذهاب إلى عالم سريالي خيالي -كارتوني في بعض الأحيان- إلا أن تداخل اللحن الشرقي مع الموسيقى الملكية منح الأغنية بعض الجدية، فكان التناقل بينهما كصراع بين عالم سريالي يقارب الكوميديا، وبين لحن شرقي جميل نلمح بعضا منه قي هذه التداخلات، ويستمر الصراع الى ان يأتي صوت الرويشد فيبدأ كمن يحسم هذا الصراع في اللحن مع إيقاع خليجي بحري في الخلفية هذّب من اندفاع الموسيقى، ويقول:

أنا الملك بالحب والذوق والصد..

وأنا الحليم اللي على الجرح صَبَّار..

عند الوَلَه مالي محاذير أو رد..

ومن صدِّني قفّيت واهديته أزهار..

ويكمل بأداء جميل من عبدالله الرويشد يذكرنا بتعاوناته الأولى مع خالد الشيخ حيث برزت مساحات صوته فأبهر بأدائه:

وحدي في حزني مالي وصف ولا ند..

وافراحي تعرفني أنا إبنها البار..

حنون من طبعي ولا أبيّح السد..

واللي ظلمني عنه أنا أقدم أعذار..

فنلاحظ الثقة بالنفس والعزة بالكلام، وهو أسلوب اشتهر فيه العرب منذ الشعر الجاهلي وصولا لأشعار أهل البادية التي تتحدث عن الشجاعة والإقدام والوفاء والقوة، إلا ان الرويشد والشاعر محمد القرني قدما نموذجا عصريا لهذi النوعية من الشعر، فالشاعر يحزن ويفرح ويحب بل ويقدم الأزهار.

يستمر اللحن بموسيقى كمنجاتية بتوزيع جميل يغلب عليه الطابع التركي في العزف والحليات، ويكمل الرويشد بلحن يوافق الكلام:

أحلم وانا نايم بعصفور غرد ..

كنه يناجيني على جاله أنهار ..

وأفز أنادي بس هالحلم ما رد ..

أحلامي ألقاها كتابات جدران ..

ويختم مع توقف الموسيقى: وانا الملك

فتدخل الأغنية في طور جديد، يكاد أن يكون أسطورياً بروح قديمة وأثر تركي واضح، وكأن ما سبق كان تمهيدا لما سندخل به من أعماق موسيقية جميلة بتوزيع عبقري، فيتجه المقام تدريجيا إلى مقام موسيقي شرقي حزين، ويكمل الرويشد اللحن بالكلام بينما تلعب الكمنجات هارموني مكمِّل في الخلفية يضفي على اللحن عمقا وروحا، ونلاحظ ان الكلمات أضحت حوارا بين شخصين:

حزني من اللي شاف من روعته شد ..

قال انت أحزن مني وش باقي ما صار ..

قلت انتظر ما شفت دمعي على الخد ..

قال: إلا بمشي عـل ألقا لي ديار ..

ومع تكملته للمقطع بقوله “هذي حياتي” ينفجر اللحن صخباً وكأن جلالة الملك فعلا يعلن أن “هذي حياتي..” ويستمر المقطع في تناغم فريد بين الكلمة واللحن، ومع قوله “وأحيان هي إعصار في جوف إعصار”، لفت سمعي أحد الأصدقاء أن موسيقى الكمنجات في الخلفية تعزف بوتيرة متسارعة آخذة في الارتفاع كما لو كان إعصارا فعلاً، إلى إن يتراجع اللحن ليأخذ وضعه عودا للمقام الأول وكأن الملك يصل للخلاصة وهو جالس على عرشه، فيختم:

بس الملك لا دارت وحصحص الجد ..

يبقى  ملك  والغـيـر  يادوب  تذكار ..

طبعاً نعود في الختام كذلك لثيمة النرجسية في الكلمات والتي أشرنا لها في البداية، إذ يواصل الأسلوب المعتاد بأنني “الملك والغير يا دوب تذكار”، وكأن الملك بحاجة للتفوق على الغير لتعزيز مكانته، إلا أن هذا الشعور بالنصر -وإن كان زائفاً- من خلال أغنية تتحدث عن النفس بدل عن الثيمات التقليدية بالإضافة الى اللحن العبقري لمشعل العروج هو ما يجعل هذه الاأنية تبعث على الإدمان فلا أستطيع إلا أن أشعر في بعض الأحيان بأنني الملك فعلاً.

أغنية “ملك بالحب” طرحت في مارس 2015 ضمن ألبوم يحمل الإسم نفسه من إنتاج روتانا.

Follow us on Twitter @beopendotme