هل طغت مباني مكة الشاهقة على التجربة الإيمانية فيها؟

Mecca-Clock-Tower-02

كانت مكة على مر تاريخها محطة لتعايش الثقافات والشعوب المختلفة، فوضع كل من وطأت قدمه فيها أثراً، منذ ما قبل الإسلام، ومروراً ببزوغ المجتمع الإسلامي في مكة وعصور الأمويين والعباسيين والعثمانيين، فكان لكل دولة إسلامية بصمة وأثر. إلا أن هذه الآثار لم تعد موجودة اليوم، إذ استبدلت بناطحات السحاب والمحلات التجارية كماكدونالدز وستاربكس ومطاعم البيتزا بل حتى محل لباريس هيلتون. فتحولت المدينة التي يفترض أن تكون موقعاً لتجربة إيمانية وروحية فريدة لزوارها من المسلمين إلى ما يشبه المجمع التجاري الضخم، تعدى حدود الكعبة ليلامس السحاب، وإن كان بيت الله أكبر ما في تلك المدينة مكانةً، إلا أنه –ومع مرور الوقت- بات من أصغر ما فيها حجماً بعد أن بنيت حوله القصور والفنادق والأبراج الشاهقة.

فهل أصبح جني المال في مكة أهم من المقدسات الدينية؟

أبراج كدي المزمع افتتاحها عام 2017

أبراج كدي المزمع افتتاحها عام 2017

لوهلة، يخيل للناظر أن ما حول الكعبة بات أهم منها. فبمجرد أن تزور مكة المكرمة أو ترى صوراً للمنطقة لا تستطيع إلا أن تستحوذ اهتمامك تلك الساعة الكبيرة الرابضة على ارتفاع شاهق ببرجها العظيم، كما من المقرر أن يفتتح أكبر فندق في العالم عام 2017 لينافس برج الساعة الشاهق، حيث سيضم عشرة آلاف غرفة و70 مطعما ومراكز تسوق ومهابط لطائرات الهليكوبتر، وقارنت الصحيفة بين الفندق الجديد وفنادق مدينة لاس فيجاس الأمريكية، فهي الوحيدة التي لديها فنادق بهذا الحجم. وقالت الصحيفة إن الفندق الذي سيتكلف 3.5 مليار دولار، يقع في منطقة “المنفية” بوسط مكة المكرمة على مسافة 2.2 كم من الكعبة، وسيضم 12 برجا، بـ 44 طابقا بالإضافة إلى أكبر قبة في العالم مصممة على الطراز الأندلسي، منها عشرة أبراج ستكون من فئة 4 نجوم، وبرجين آخرين من فئة 5 نجوم، ستخدم الملايين من المعتمرين والحجاج والزوار سنويا.

تضرعك بمستوى ما تدفع

وقد تول عوامل الاستغراب إذا ما رأينا حجم الأموال التي تأتي من وراء هذه المشاريع، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن الإيرادات المتوقعة لمكة المكرمة خلال موسم الحج تبلغ 32 مليار ريال سعودي (8.5 مليار دولار)، وهذا خلال موسم الحج فقط، فيما أشارت تقارير أخرى إلى أن الإيرادات السنوية عام 2012 كانت نحو 16 مليار دولار، كما أن أسعار العقارات في مكة ضمن الأغلى في العالم، إذ من الممكن أن يصل سعر المتر بالقرب من الحرم المكي إلى أكثر من 100 ألف دولار، في حين تبلغ تكلفة الليلة في الجناح الملكي في أحد فنادق “أبراج البيت” أكثر من 5900 دولار لليلة واحدة. فنرى أنها تجارة مربحة.

لكن ألم تكن الحكمة من الحج والعمرة التقرب لله والتخلص من متاع الدنيا والتواضع أمامه جل جلاله؟ فكيف ذلك ونحن نبني مبان تمكن المرء فيها من الجلوس والنظر إلى أسفل لمشاهدة بيت الله الذي يبدو نقطة صغيرة في وسط حرم كبير؟ فتتحول تجربة التضرع المليئة بالتواضع وإسلام النفس إلى الله إلى تضرع  وفق مستويات، منها الفخم ومنها الاقتصادي؟

فلسفة الإحرام

10548757_786568484729134_2898625297225359444_o

فإذا كان غالبية من يقصد مكة المكرمة هو بقصد التعبد والتقرب إلى الله، وقد تجسد ذلك في أعلى صوره بالإحرام لزيارة البيت الحرام، فما هي فلسفة الإحرام؟ وهل ساعدت المدينة بالحفاظ على هذه الحكمة الإيمانية منه؟

يقول الشيخ الدكتور صالح الفوزان عضو اللجنة الدائمة للإفتاء وعضو هيئة كبار العلماء في السعودية عبر كتابه “الملخص الفقهي” واصفاً الحكمة من الإحرام في المناسك أن هدفها الابتعاد عن الترفه فيتصف المسلم بصفة “الخاشع الذليل”، وليتذكر عبر ارتداء الإحرام الموت، ولباس الأكفان، ويتذكر البعث والنشور… إلى غير ذلك من الحكم.

فيما تقول الفتاوى أن الغرض من الإحرام هو أن يبعث على صاحبها الخشوع والتواضع والخضوع لله تعالى، وتذكر الآخرة حيث لم تغره الزخارف والظاهر والزينة، كما أن الإحرام يرمز إلى وحدة المسلمين، ويشير إلى المساواة بينهم، ولذا توحّد زيهم حتى لا يمتاز فرد على فرد، ولو ترك الأمر فسيلبسون ما يشاؤون لتمايز الغني من الفقير، والحاكم من المحكوم، وهذه ليست حكمة الله من الإحرام.

فمالذي تحكيه هذه المباني وهذا الزخرف الكبير في مكة عن تعاطينا مع جوهر الإيمان؟

إذا سلمنا بأن التخلي عن تلك المظاهر الدنيوية المادية أمر لم يعد سهلاً مع تطور الحياة واعتيادنا على العيش برفاه، فإن الفكرة من الحج والعمرة وزيارة بيت الله هو تذكيرنا بروحانية الدين، واتصالنا ووحدتنا كمسلمين ببعضنا البعض، فلا فرق بين شخص وآخر في بيت الله. وعلى مر السنوات، كانت مكة مكاناً يذكر الزائر بهذا التواضع وهذا الخشوع وذلك خلال زيارته للمدينة على الأقل، قبل العودة لعيش مظاهر الحياة المترفة في مدينته أو بلده. فنرى أن جوهر التواضع والمساواة والخضوع لله تعالى أصبح يؤطر في نطاق المناسك فقط، وهو أمر مؤسف، لكنه على الأقل كان في السابق في إطار أطهر مدينة مكة وضمن حدودها. إلا أنه قد تحول الآن إلى ما لا يتعدى محيط الحرم المكي. فما أن تخرج من الحرم، حتى تستقبلك مظاهر الحياة المادية المترفة ببنايات شاهقة ومذهبة ومنسقة، وأجنحة الفنادق الفخمة والشقق المليونية، فأصبح جوهر الدين والحكمة منه أمر يقتصر على المناسك وفي أضيق الحدود التي لا تتعدى حدود الحرم ذاته، فتخلينا عن ما يفترض به أن يكون تجربة روحية خالصة على حساب الأموال والمظاهر والمادة. فلا يمكن للزائر المحايد للمدينة أن يتبين ما هو الأهم، هل هي تلك المباني الشاهقة الجميلة الفخمة؟ أم الكعبة المشرفة التي تقع تحتها؟ ويكفي أن تطوف بالحرم بالقرب من بيت الله، وترفع رأسك ويداك لله تضرعاً حتى ترى الأبراج الشاهقة تطل عليك من الأعلى لتذكرك بأنها باتت عنصراً أساسياً فيما يفترض أن يكون تجربة إيمانية خالصة.

Follow us on Twitter @beopendotme

stage_large_mecca

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن

There is one comment

Comments are closed.