هل تنبأت “فئران أمي حصة” بما هو آت للكويت؟

Screen Shot 2015-06-29 at 4.47.08 PM

الفئران آتية .. إحموا الناس من الطاعون

هكذا يطلق سعود السنعوسي تحذيره في روايته “فئران أمي حصة” عن مستقبل الكويت القريب حين تأكل نيران الطائفية البلد وتحولها إلى رماد وبقايا وطن مقسم إلى طوائف وفئات يختبئ كل منها في منطقته مدججا بالسلاح ملوثا بتعصب أعمى وتعطش لقتل الأخر. نعرض هذه الرواية اليوم لما لها من أهمية في تذكيرنا بما قد يؤول إليه الحال إن لم نفعل شيئا لمواجهة الفتنة. نحن جزء من المنطقة، ولسنا بمنأى عما يحدث فيها من حروب واقتتال، ولطالما كان للأحداث الخارجية المحيطة أثر ملموس على الكويت والكويتيين، كما عرضنا سابقا في موضوع “التعايش السني الشيعي في الكويت: ما لم تذكره كتب الاجتماعيات”

في ظل الأحداث الأخيرة في الكويت ومحاولات إذكاء الطرح الطائفي فيها، هل تنبأ سعود السنعوسي بما هو آت للكويت؟

يأخذنا الكتاب في رحلة بين الماضي والمستقبل مصورا حياة شخصيات روايته في فترات زمنية مختلفة، تبدأ من فترة الثمانينات إبان الحرب العراقية الإيرانية وما تخللها من توتر طائفي ألقى بظلاله على الكويت، مرورا بالغزو العراقي ثم التحرير وانعكاس ذلك على المجتمع الكويتي وفئاته المختلفة، وتنتقل بنا إلى العام ٢٠٢٠ لنرى ما آلت إليه الأمور نتيجة تخاذل الناس وانزلاقهم خلف أصوات متطرفة تركت لتتسيد المشهد بخطاب إقصائي مدمر يودي بالبلاد إلى الهاوية، كما يرى السنعوسي. إنها رواية تنقل أحداث وطن مهدد، يسير به بعض أبنائه، بخطىً ثابتة، نحو مستقبل مظلم، أو نحو “وقتٍ لا مجدَ فيهِ إلا للظلام”.

في فمي جرعة الماء تنمو تزيد
وعلى جانبي لظى النار يصرخ
هل من مزيد
نحن والصخر كنا الوقود
نحن والصخر نبقى الوقود

من نص للأديب والشاعر الكويتي خليفة الوقيان، من ضمن مجموعة نصوص استعان بها السنعوسي في الرواية

يبدع السنعوسي في رسم تفاصيل مستقبل مظلم للكويت سنة ٢٠٢٠، وهو مستقبل افتراضي بالغ إلى حد ما بوصفه والتنبؤ بمجرياته محذرا من خطر قادم لا محاله اذا ما استمر النفس الطائفي على ماهو عليه في البلاد، فتعم الفوضى وسط حرب أهلية طاحنة وانهيار اقتصادي يصاحبه سقوط الدينار الكويتي ينهى حياة الترف الوردية التي عاشها الكويتيون طويلا، فلا عمال نظافة في الشوارع ولا هنود وفلبينيين يسهرون على راحة أهل البلد في منازلهم كما هو الحال الآن. القمامة تطفح في الشوارع، ورائحة العفن تملأ الأجواء. فتنقسم الكويت الى ثلاث طوائف متعصبة (شيعة و سنة و ملاحدة)، وتنتشر نقاط التفتيش التي تدقق على هويات الأشخاص وطوائفهم من خلال الإسم والشكل في السرة والجابرية والروضة وكيفان والعديد من مناطق الكويت الأخرى، كما يتم فرض حظر التجول في شوارع البلاد وتنتشر قوات دولية لحفظ السلام حول المناطق النفطية، وتفرض تأشيرات على الكويتين لدخول بعض دول الخليج العربي فيما يشير إلى خروج دولتين من مجلس التعاون الخليجي جراء الأوضاع المتوترة في المنطقة، كما أشار السنعوسي في الرواية التي نشرت في فبراير إلى نشوب حرب بين المملكة العربية السعودية واليمن بالإضافة إلى عدد من التفجيرات التي تطال مجمعات تجارية ودور عبادة.

رسم السنعوسي تفاصيل أحداث الرواية بدقة، فأشار إلى العديد من الحوادث والقضايا المرتبطة بذكريات الكويتيين، بما في ذلك مقولة “الفئران آتية إحموا الناس من الطاعون” والتي تأتي من مسلسل “على الدنيا السلام” للفنانتين سعاد عبدالله وحياة الفهد ومن خلاله تتم الإشارة للعديد من الشواهد في ثقافة الكويتيين في ثمانينات القرن الماضي حين بدأ الصراع الطائفي يحتد، وغاص السنعوسي في تفاصيل اختيار أسماء المناطق والشوارع التي كانت تتغير مع احتدام الصراع الطائفي، فيستخدم أسماءً يألفها الكويتيون وأسماء لم تكن بتلك الأهمية، فكانت الرواية بذلك جسراً زمنياً بين ماض عاشه غالبية الكويتيون في الثمانينات وحاضر يعيشونه ومستقبل قريب، ونرى من خلال الرواية نضوج الشخصيات مع مرور الوقت لتتشبع بأمراض المجتمع وانقساماته حتى تتفجر الأوضاع من حولهم وتأكل الفتنة البلد ولا تبقي على شيء.

حول الرواية يقول علي كاظم داوود في موقع القدس العربي  “تُذكّر الرواية بمشاهد الحرب الأهلية اللبنانية، بوصفها صوراً متخيّلة لمستقبل الكويت، إذا ما استمر في الانحدار نحو مستنقع الخلافات الفئوية. كما تستعير، لتمثيل مستقبلها العنيف، كثيراً من الوقائع اليومية المعيشة في العراق، على امتداد سنوات احتقانه الطائفي، بسبب تشابه أجوائه وبيئته الاجتماعية من الواقع الذي تسعى الرواية لاستشرافه في الكويت”.

فؤادة: مدرسة التاريخ المجنونة في مسلسل

فؤادة: مدرسة التاريخ المجنونة صاحبة مقولة: الفئران آتية .. احموا الناس من الطاعون

تأتي الرواية في وقت حرج لتبين لنا عمق الانقسام وتستعرض بوادره عبر فترات زمنية مختلفة، مذكرة بفشل المجتمع الكويتي المتكرر في التعامل مع الاحتقان الطائفي منذ بداياته. أبطال الرواية، “أولاد فؤادة” (@AwladFuada)، قرعوا جرس الانذار مبكرا، وحاولوا صادقين حماية الناس من “الطاعون”، مستنكرين تسيد قادة الخطاب المتطرف للساحة وتحلق الناس من حولهم، ومتمسكين بما تبقى من أمل في انقاذ البلد، إلا أن الفتنة تبقى هي الأقوى وينتصر الجهل بحسب رؤية السنعوسي.

“ينضج واحدنا كحبة التمر، ظاهرها لين ونواتها أقسى من أن تلين، نواصل إخفاء ما بداخلنا بعد عجزنا عن إصلاحه، بأغنياتٍ لفظت أنفاسها الأخيرة منذ سنوات، وكأننا اجتمعنا في هذه الشقة انتقامًا من ماضٍ كاذب بخداع حاضرٍ أحمق، نعيد بث أغنياتٍ منتهية الصلاحية، نسعى لخداع جيلٍ مقبل كي لا نشعر أننا وحدنا من انطلت عليه الخدعة!“. فئران أمي حصة

وتقول الكاتبة الكويتية بثينة العيسى “فئران أمّي حصة رواية مكتوبة بقسوة، لكنها قسوة المحب، قسوة كلها حنو، رواية تحذيرية بامتياز، وسؤال “وين رايحين” لم يعد سؤالاً ترفيًا، الرواية تضعك في مواجهةٍ صريحة ومباشرة مع نفسك، ولأنّها حقيقية جدًا، تشبهنا جدًا، فهي رواية لا تحتمل”.

تعرض الرواية أشد السناريوهات سوءا لتبين لنا عمق الأزمة واستفحال المرض الطائفي، وبعد تفجير مسجد الإمام الصادق في الكويت في يونيو 2015 يجد الكويتيون أنفسهم أمام اختبار هام وفرصة في الوقت ذاته لتغيير مسار البلاد وإنقاذها مما قد يقع. وانحصرت ردود الفعل الأولية  في الإطار “الوطني” المعزز للوحدة الوطنية والذي تبدى في بعض الشكليات كالوقفات تضامنية والندوات العامة وغيرها من الفعاليات التي تسعى لتذكيرنا جميعاً أن الكويت بخير، وبالرغم من دوافع هذه الفعاليات النبيلة إلا أنها في الحقيقة تساهم في تسطيح المشكلة الطائفية وإيهام الناس بأن الأمر بسيط.. لنتلاحم فقط، بينما الأمر، كما يشير السنعوسي ببراعة عبر نقله لنفسيات شخصياته، أعمق من ذلك ويعود للتربية والموروث الاجتماعي والثقافي للكويتيين من الأجيال الجديدة خصوصاً.

لا شك أنه برغم تلك المبادرات الشكلية لتعزيز الوحدة الوطنية قد ساهمت في تعزيز الانقسام بين ما هو “ظاهر” وما هو “باطن”، ففي الظاهر أصبح لزاماً على الجميع أن يغرد داخل سرب الوحدة الوطنية، أما في الأحاديث الخاصة فقد تعزز التنابز الطائفي بعد الحادث الأخير الذي اتضح معه أن هناك الـ “أنا” وهناك “الآخر”، وبات ذلك مستشريا في المجتمع وإن كان لا يؤدي إلى نتائج ملموسة وواضحة، إلا أن العديدين باتوا ينظرون لأنفسهم وغيرهم كطوائف وليس كمواطنين. فهل الكويت في طريقها المحتوم لما رسمه السنعوسي في روايته؟

هذا ما سيحدده أبناءها.

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن

There is one comment

Comments are closed.