التعايش السني الشيعي في الكويت: ما لم تذكره كتب الاجتماعيات

241210938220140930

اهتز المجتمع الكويتي بعد تفجير مسجد الإمام الصادق في قلب مدينة الكويت، في عملية إرهابية انتحارية أعلن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) مسؤوليته عنها مستهدفاً المسجد الذي يرتاده معتنقو المذهب الجعفري في الكويت.

منذ نشأتها كانت حرية ممارسة العقائد من سمات الكويت، فللسنة -وهم غالبية السكان- مساجدهم، وللشيعة -وهم ثلث الكويتيين- مساجدهم وحسينياتهم التي لا يزال بعضها موجوداً في ذات الموقع منذ نهايات القرن الثامن عشر، كما أن للمسيحيين دور عبادتهم. وفيما شهدت البلاد بعض الاعتراضات من فئة على أخرى على مر التاريخ، إلا أن روح التعايش والتفاهم والتقبل كانت هي السائدة. وقد شكل نموذج التعايش الكويتي حالة فريدة في المنطقة، خصوصاً إذا ما قورن بأحوال الشيعة في البحرين والسعودية، أو أحوال السنة في إيران والعراق على سبيل المثال، لهذا لا يتوقف الكويتيون عن ترديد مقولة “أننا في نعمة”.

كانت تلك المقدمة منظر “الفاترينة”، أو ما قد يكتب في كتب “الاجتماعيات” أو التربية الوطنية، وهي كحال كتب المدارس، ليست خاطئة لكنها ليست دقيقة تماماً. فلنتحدث عن التاريخ الحقيقي لتعايشنا ككويتيين، وليس التاريخ الذي نخبره لزوارنا أو نتفاخر به أمام الغير، ولا بأس في بعض الاستطراد التاريخي أحياناً عبر التاريخ القريب، فقد شهدت الثلاثون عاماً الأخيرة تحولاً كبيراً في علاقات السنة والشيعة في الكويت على المستوى الاجتماعي، نلمسه في أروقة الوزارات والمناسبات الاجتماعية والمدارس وقاعة مجلس الأمة وجلسات حفظ القرآن. هو ذلك التحفز لمعرفة خلفية الشخص الذي أمامك لوضعه في صندوق وتحديد التعريف الذي تريده فيه. إذا كان شيعياً فهو حتماً ضد الحراك السياسي الذي شهدته الكويت مؤخراً، فمن الأفضل ألا نأتي بذكر مسلم البراك. وإذا كان سنياً، فمن الحكمة ألا يجرك الحوار معه للمواضيع الجيوسياسية وسوريا والعراق والنفوذ الإيراني في المنطقة. أصبح العديدون ينظرون بمنظار طائفي حتى إن لم يكونوا كذلك على اعتبار أن الشخص الذي أمامه سيستخدم نفس المنظور. وكأنها لعبة يجب على الجميع أن يلعبها.

Conservative Kuwaiti women attend the fi

بمقابل ذلك، فإننا لا نتوانى عن المبالغة والمزايدة في إظهار مشاعر الوحدة والتآلف للدرجة التي باتت معها هذه المشاعر أشبه بالديكور الاجتماعي، فلا تفوت الفرصة في أن تقول “طول عمرنا شعب واحد ما نفرق”، وكأن المعروف يجب أن يعرّف. ولا تكاد تخلوا مسرحية أو برنامج تلفزيوني إلا ويشار إلى الجملة التي يحفظها كل كويتي “صدام لما دخل الكويت ما فرّق بين سني وشيعي” يرافقها التصفيق والثناء، فأصبحت مع التكرار اسطوانة مشروخة، تستذكر ماضٍ لم يعد موجوداً وكأنها مذهولة منه.

السبعينات وبروز الإسلام السياسي

الواقع أن العلاقة لدى العديد من أبناء الطائفتين يسودها التوجس، وهذا ليس خطأ أحد بالضرورة، ولا يعود ذلك للخلاف التاريخي بين السنة والشيعة، لكنه يرتبط بشكل أساسي بالسياسة. وتبدأ الحكاية في سبعينات القرن الماضي، حين تراجعت قوى المعارضة الوطنية ذات المنطلقات القومية نتيجة تراجع مشروع القومية العربية إثر نكسة 1967 ووفاة جمال عبدالناصر، وبرزت بالمقابل قوى سياسية جديدة على الساحة ممثلة بحركات الإسلام السياسي بشقيها السني والشيعي. فبرزت لدى السنة جماعة الإخوان المسلمين التي كانت تعمل تحت غطاء جمعية الإرشاد الإسلامي (تغير اسمها لاحقاً إلى جمعية الإصلاح الاجتماعي)، فيما مارس المكون الشيعي نشاطاً اجتماعياً ودينياً متخذاً من جمعية الثقافة الاجتماعية واجهة شبه سياسية لأبناء المذهب. بالمقابل، فقد كان للقوى الوطنية “نادي الاستقلال الثقافي”، فيما كان للسلف جمعية إحياء التراث الإسلامي، وهي في الحقيقة بمنزلة واجهات دينية واجتماعية لجماعات ذات طبيعة تنظيمية سياسية.

عام 1976، حل أمير الكويت المغفور له الشيخ صباح السالم الصباح مجلس الأمة وعلق العمل بالدستور تمهيداً لتنقيحه، كما تم حل نادي الاستقلال فيما شكل إشارة إلى أن السلطة قد ضاقت ذرعاً بدستور 1962 وبالديموقراطية مفضلة تغيير قواعد اللعبة ومستعينة في ذلك بحلفائها الجدد من الإسلاميين، إذ شارك بعضهم بمناصب حكومية فيما بدأت كفة القيادة في اتحاد الطلبة تتبدل من يد القوى الوطنية إلى يد الإخوان المسلمين عام 1978 في ما رآه البعض بإيعاز من السلطة. في تلك الأثناء قامت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، فكانت إيران أول كيان سياسي شيعي في المنطقة.

يقول د. فلاح المديرس في كتابه “الحركات والجماعات السياسية والدينية في الكويت“:

منذ تأسيس جمعية الثقافة الاجتماعية في أوائل الستينات اقتصر نشاطها على المطالبة بإنشاء مزيد من المساجد الشيعية والحسينيات، ولم يشارك أعضاء الجمعية بأي نشاط سياسي محلي، كما لم يشاركوا في الإمضاء على أي بيان سياسي يتعلق بالأوضاع المحلية والقومية، وكان موقفهم موقف المتفرج ولكن بعد الثورة الإسلامية في إيران تمكنت مجموعة من المؤيدين لخط الإمام الخميني والمتمركزين في مسجد النقي من السيطرة على مجلس إداراته. وتحقق أول ظهور سياسي للجمعية أثناء تجمعات ‘مسجد شعبان’ التي حدثت بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عندما دعا السيد أحمد عباس المهري، ابن السيد عباس المهري، إلى اجتماعات حاشدة في ‘مسجد شعبان’ الذي يقع داخل مدينة الكويت في حي الشرق والذي يعد تاريخيا موطن تركز الشيعة في الكويت. لعبت الجمعية دورا رئيسيا في حشد أبناء الشيعة لهذه التجمعات. وقد اتصفت تجمعات مسجد شعبان في بداية تحركها بطابع طائفي سواء بالنسبة الى الحضور الذي اقتصر على بعض الجماعات الشيعية في الكويت أو بالنسبة الى المواضيع التي طرحت في هذه الاجتماعات مثل المطالبة بفتح مزيد من المساجد والحسينيات وإعطاء حريات أكثر ومساواة الشيعة الكويتيين بالسنة من حيث الحقوق، على أساس ان الشيعة يشعرون بهضم حقوقهم في تقلد المناصب القيادية في الدولة.

أما التيار الشيعي الثوري المتأثر بخط الخميني فقد كان يرى أن القضية ليست موضوع حقوق الشيعة المتعلقة ببناء الحسينيات والمساجد وإنما الموضوع الأساسي هو موضوع الوضع غير الديموقراطي الذي تعيشه الكويت ويجب أن تكون المطالب والشعارات التي ترفع في هذه المرحلة شعارات ومطالب وطنية تشمل كل القوى السياسية والاجتماعية في الكويت. ويعد هذا تطورا جديدا بالنسبة لشيعة الكويت. حيث تحول مسجد شعبان مركزا لتجمع الشيعة والقوى غير الشيعية في ظل غياب المؤسسات الشعبية، التي هي بمنزلة القنوات التي تعبر منها القوى السياسية عن آرائها. شعرت السلطة السياسية بخطورة الموقف وان هذه الاجتماعات ليست مجرد اجتماعات مقتصرة على الطائفة الشيعية، ومحصورة في مطالب طائفية، لكنها يمكن ان تتحول الى تحرك جماهيري يرفع شعارات وطنية للسنة والشيعة خاصة بعد مشاركة المعارضة المتمثلة في التيار اليساري والليبرالي وبعض اعضاء جمعية الخريجين وجمعية المحامين ورموز العمل الوطني مثل الدكتور احمد الخطيب الذي القى خطابا في الجموع المحتشدة في مسجد شعبان.

الثمانينات: سيرك كبير

8746397

كانت سنوات الثمانينات هي الأولى في مسلسل بث بذور الخلاف الطائفي، إذ من الطبيعي في حال حملت بعض التيارات أجندات دينية أن ينعكس ذلك على تصرفات الناس، فاختلط الدين بمفهومه الاجتماعي والإنساني المتكامل بقضايا التعاطي السياسي اليومية، فاستخدمه كل طرف لتعزيز رسالته ونفوذه.

وشهدت الثمانينات سنوات من التوتر بين السنة والشيعة في الكويت، عزز ذلك اندلاع الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988) وآثارها على المجتمع الكويتي، فكانت الكويت تحشد الجهود لدعم النظام العراقي أنذاك، وكانت الكويت أرضاً خصبة للتنظيمات والحركات الإقليمية الفلسطينية والعراقية والإيرانية، فحدثت تفجيرات طالت مصالح إيرانية وعراقية في البلاد، كما جرت تفجيرات استهدفت مصالح حكومية على اعتبار أن الحكومة تساند العراق، وقد وجهت الحكومة الاتهامات إلى مواطنين شيعة بتخطيط وتنفيذ الهجمات واعتقل وسجن بعضهم.، فيما كانت الكويت ساحة مفتوحة تعكس أحداث وصراعات الإقليم.

في غضون ذلك قوى التواجد الإسلامي السني على الساحة في الثمانينات فبرزت الجمعيات الخيرية الإسلامية وحملات جمع التبرعات لنشر الدعوة في آسيا وأفريقيا، كما ظهرت حملات تبرعات “نصرة إخواننا المجاهدين في أفغانستان”. وبزغ في تلك الفترة نجم الداعية أحمد القطان الذي كان يروي أعاجيب المجاهدين في أفغانستان المؤيدين بالنصر الإلهي في حربهم ضد الملاحدة السوفييت.

بالمقابل، بدأ العديد من الشيعة بالالتزام أكثر دينياً، فانتشرت المجالس الحسينية في المنازل، وشهد حائط كل بيت ذات الرزنامة المعلقة عليها صورة ضريح الحسين. وبدأ الشيعة يتحدثون عن “الجماعة” وشؤون مذهبهم أكثر من ذي قبل. فالكل يبحث عن وسط أو انتماء يمنحه الأمان الاجتماعي. كانت الدولة تحارب إيران ونهجها في تصدير الثورة، وكان الشيعة يشعرون بأنهم مطالبون بإثبات ولائهم بسبب أحداث المنطقة. فأصبحت بذرة الشقاق واضحة بين سنة وشيعة، بين خوف السنة من أجندة شيعية وتوجس الشيعة وانكفائهم على ذاتهم، وكان الوضع بادياً حتى في أحاديث الأطفال بساحة المدرسة: “أنت سني والا شيعي؟”.

لم يكن ذلك كله موجوداً قبل الثمانينات.

الغزو والهوية الكويتية

GUERRE DU GOLFE / GULF WAR

وأتى الغزو العراقي عام 1990 ليتجدد ولاء الكويتيين جميعاً وتسود روح التلاحم. وتأثر المزاج العام بأحداث الغزو بدا واضحا مع بدء تشكل هوية كويتية جديدة، وقد استغلت بعض التيارات الدينية المزاج العام للتذكير بالخطاب الديني، بل وذهب بعضهم لتصوير الغزو على أنه عقاب من الله على معاصينا، وهي فكرة لاقت بعض الرواج وبانت نتائجها في انتشار الحجاب بشكل لافت في السنوات التالية للتحرير بما يشبه مرحلة “الرجوع إلى الله”، وكان لافتاً في 1992 إقامة انتخابات فرعية على أساس طائفي في دائرة الدعية، وخوض أول شخصية دينية شيعية معممة للانتخابات البرلمانية في شخص سيد حسين القلاف.

مع ازدياد النواب الإسلاميين، رأى الإسلاميون في ذلك “صحوة إسلامية”، عشناها جميعاً في التسعينات وبداية الألفية.

وخلال العقدين الماضيين، ازداد الاستقطاب السياسي والانتخابي على أساس ديني من جميع الأطراف، ساعد ذلك غياب مشروع وطني يلتف حوله الكويتيون، فالتف كل حول طائفته أو مجموعته السياسية، يبحث عن انتماء ما في وطن يبدو قد ضاق فينا. ومع الاصطفاف ازدادت حدة التوتر، وبرزت الحركات السلفية بشكل أكبر فلم يعد الإخوان المسلمون الناطقين الوحيدين باسم الإسلام السني في اللعبة السياسية، ودخل صراع الفتاوى على خط الصراع السياسي بين فتاوى سلف وإخوان، وامتدت الصحوة إلى أن فصلت الطلبة عن الطالبات بالجامعات فيما عرف بقانون منع الاختلاط، وبحث نوابها بشكل جدي تطبيق العقوبات الشرعية في القانون وتعديل مواد من الدستور تمنع إصدار قوانين غير متوافقة مع الشريعة.

من مدونة طاخ طيخ

من مدونة طاخ طيخ

عودة الثمانينات

وازدادت حدة الاستقطابات فبرزت شخصيات من الجانبين تحرض ضد الأخرى، فأتى من الشيعة من يطعن ويشتم في السنة وأتى من السنة من يطعن في الشيعة ويثبت بطلان حججهم، وكأن على أحدهم إقناع الآخر وتغيير عقيدته، فباتت أسماء كعثمان الخميس وياسر حبيب وغيرهم أسماء مألوفة في أحاديث المجتمع الكويتي. وقد استغل بعض النواب الإسلاميين ذلك بتقديم قانون يقضي بإعدام المسيء بعد أن سب أحد الشيعة السيدة عائشة زوجة الرسول.

وقد نقلت إحدى الصحف عن جلسة مجلس الأمة التي أقر بها القانون الخبر التالي والذي يبين حجم المزايدات من الطرفين ومستوى النقاش بين ممثلي الطائفتين إن جاز التعبير:

أضاف مجلس الأمة جرما جديدا يعاقب عليه القانون بالاضافة للطعن في الذات الالهية او القرآن الكريم او الانبياء او عرض الرسول وازواجه، بان يعاقب بنفس العقوبة وهي الاعدام لكل مسلم ادعى النبوة. وقد أضيفت عبارة “تنفيذ الحكم بعد استتابة القاضي للمتهم ووجوب إذا أصر على رفض التوبة”.

وخلال النقاش قال النائب عدنان عبدالصمد ان هناك خلافاً شرعياً على القانون وينطوي على مخالفات وفيه تجاهل لسب أهل البيت، فيما اشار صالح عاشور الى ان القانون يخالف الشريعة الاسلامية ويعطي صورة سلبية عن الاسلام وجاء رد فعل على قضية شخصية، مشيرا الى ان اللجنة التشريعية لم تأخذ بالآراء الفقهية ويجب اضافة آل البيت وفاطمة الزهراء.

وفي الجانب الآخر قال النائب د.فيصل المسلم اننا اليوم نقود العالم عبر هذا القانون بالانتصار لرسول الله واعدام كل من يطعن به وبأمهات المؤمنين خاصة عائشة الطاهرة فسبهن اهانة لنا جميعا.

فنرى أن النقاش بات فقهياً بين السياسيين، وقد زاد التوتر أحداث البحرين آنذاك، ومحاولات شبيهة بالثمانينات في محاولة معرفة الشخص الذي أمامك ومذهبه وموقفه من الأحداث، وساهم تدهور الوضع في سوريا إلى توسعة أوجه الاختلاف بين الطائفتين، فأصبح الصراع الإقليمي يأخذ مكانه في العديد من الأحاديث خصوصاً مع بروز الحركات الإسلامية الجهادية في سوريا، فأصبحت الحرب هناك عقائدية وليست ثورة فحسب، فعادت صور الثمانينات مرة أخرى بذات الشخوص يدعون لتجهيز إخواننا المجاهدين في سوريا. وتعيش المنطقة صراعاً سنياً شيعياً يثير القلق في الكويت، لهذا فلا يكف أمير الكويت عن الدعوة للوحدة الوطنية في ظل أجواء متوترة، كما قامت الدولة بإصدار قانون لجمع السلاح بغرض تعزيز الأمن في ظل الأوضاع الملتهبة.

Screen Shot 2015-02-07 at 10.32.11 PM

..ألا تطالنا العاصفة

Kuwait Parliament

كنا جميعاً كمن يغمض عينيه ويضع يديه فوق رأسه آملاً أن تزول العاصفة وألا يطالنا شيء، لأننا لا نعلم تماماً ما الذي سيحدث.. وكيف ستكون ردة فعلنا. فأنا أعرف نفسي، لست متطرفاً، لكن ماذا عن الآخرين؟ هل سيتطرفون؟ وفي العادة، فإن التطرف يقابله التطرف، مما يصعب معه إيجاد موقع في المنتصف. هكذا كنت أشعر والعديدين من حولي على الأقل. بتوجس. فقبل ثلاثة أيام فقط من حادث تفجير مسجد الإمام الصادق جرت إحدى المشاجرات بين نواب في مجلس الأمة حملت تنابزاً طائفياً، وفيما نعلم جميعاً أن هذه المشاجرات هي بغرض الإثارة السياسية، إلا أنها بالتأكيد تلقى أثراً عند أحد ما، فيزداد التوتر وإن سعى الناس لمواصلة التعايش، فإن أجواء القلق موجودة، وبات كل يرى من أمامه بتوجس على أنه “الآخر”، محاولاً التفتيش عن آراء سياسية أو تجنب الحديث في السياسة للمحافظة على الود، دون أن يدري أحد ما يخبئه القدر، كيف سنواصل التعايش بينما طوائفنا تتقاتل في الخارج؟

kuwait exolosion blast

ومع لحظة انفجار واحدة، وجد الكويتيون أنفسهم وقد توقف فيهم الزمن وهم في مكان مألوف ظنّوا أنه كان ديكوراً اجتماعياً، لم ننتمي للطائفة في ذلك الوقت ولكن انتمينا للوطن والمجتمع الذي نعيش فيه، بفطرة إنسانية أساسية، وكأن القناعات والاختلافات والأماكن التي أتينا منها لم تعد مهمة. فرأينا أن الخطر عندما يأتي فهو يأتينا جميعاً وإن كان في مسجد لطائفة أخرى، فهو في بلدي، في بيتي، في ناس أعرفهم وأعيش معهم. فاختفى ذاك التوجس وكأن الكل يرى الآخر متفاجئاً فرحاً بأنه مثله، إنسان طبيعي، يتأثر ويحزن، ويهب للمساعدة، ويتعاطف ويطمئن على إخوانه، قيم إنسانية حملناها في داخلنا لسنوات لكن لم نستخدمها بهذا الأسلوب الجمعي. اتضح لنا أن الاستقطابات السياسية والإقليمية والشحن الطائفي لا يؤثر بنا، فنحن بطبيعتنا لسنا طائفيون، بل نأتي من ثقافة منفتحة على الآخرين منذ نشأة الكويت.. تماماً كما ذكرت كتب الاجتماعيات.

لحظتها، لم نكن نعلم ماذا نفكر وكيف نتصرف، الجميع يريد القيام بشيء لكننا لم نعتد حوادث إرهابية في الكويت خلال السنوات الأخيرة، فلا نعرف ما هي ردة الفعل! وبعد فترة وجيزة جداً من انتشار الخبر، فوجيء الجميع بظهور صور لأمير البلاد في موقع الحدث مطمئناً على أبناء وطنه، وعلى وجهه علامات التأثر، فاستوعبنا جميعاً، برغم كل آرائنا السياسية، معنى أن يكون هناك رمز للبلد، يعبر عنا جميعاً في كارثة وطنية كهذه، فأحسسنا بوجوده أننا جميعنا هناك. وكان ذلك مطمئناً.

amir kuwait explosion blast

قد يأتي مني حاول أن يعيدنا إلى ما كنا عليه، ويثير الخلافات القديمة محاولاً إيجاد موطيء قدم، وقد ينجح. إلا أن الحقيقة التي عشناها في اللحظات والساعات والأيام الأولى التي تلت الحادثة كشفت عن وجهنا الحقيقي، واتضح أنه وجه جميل وإنساني وليس كما يظهر في “تايملاين” تويتر أو على صفحات الجرائد. كانت الصورة على حقيقتها أجمل من كل ما قيل في خطابات السياسيين، وفي الأغاني الوطنية. كانت صورة صادقة، أتيح لنا جميعاً أن نعيشها. برغم ذلك فإن تاريخنا يشير إلى أن عادتنا ككويتيين أن نظهر معدننا الحقيقي في وقت الكوارث.. فقط. فهل يستمر هذا الشعور الوطني؟ أم ندخر هذه الحادثة لنستخدمها في دعاياتنا التلفزيونية وأغانينا الوطنية وندلل عليها في المسرحيات والبرامج فنستذكر.. ونصفق؟

Follow us on Twitter @beopendotme

150623071621_nasser_al_qasaby_2_640x360_reuters إقرأ أيضاً | سيلفي وداعش بعد العاصفة: ماذا تحكي ردود الأفعال عن طريقة تفكير مجتمعاتنا؟

There is one comment

  1. moayad

    سأكون صادقا بكلامي وأعبر عن إعجابي بالطرح التاريخي الهام الذي سردته، لكني لا أتفق مع الفقرات الثلاث الأخيرة التي تتحدث عن وضع ما بعد انفجار مسجد الصادق.

    لقد صورت – كما فعل غالبية الناس – وضع التآلف الشعبي الذي حصل وكأنه صحوة وطنية بعد ما يقارب الأربعين عاما من الشحن الطائفي، وأن هذه الحادثة أو تلك الأزمة تعيد الكشف عن وجهنا الإنساني المتسامح المتآلف، وذلك ليس بكلام دقيق برأيي. “تناسي” الخلافات بسبب التهديد الخارجي أمر طبيعي جدا ويحدث في كل مكان في العالم بين كل البشر، فهي ليست خاصية يمتاز بها الكويتيون عن غيرهم، حتى كفار قريش تآلفوا على الرسول صلى الله عليه وسلم عندما بلغ تهديده لهم مبلغه!

    عندما تذكر بأن شجارا طائفيا كان يدور بين ممثلي الطوائف بمجلس الأمة قبل ثلاثة أيام فقط من الحادثة فلا يمكننا الحديث بعد ذلك عن تصالح يحدث بين ليلة وضحاها. التغير الثقافي المعقد الذي نسجه المجتمع الكويتي – والإقليمي بشكل عام – خلال أربعين سنة لا يمكن أن يتغير بسبب حادثة تفجير… ولا حتى غزو استمر سبع شهر. لذلك علينا أن نتوقف عن خداع أنفسنا!

    نعم يمكننا أن نحدث تغييرا تدريجيا نحو مجتمع… لا أستطيع أن أقول متآلف…. لكن مجتمع قائم على الاحترام، لكن تحقيق ذلك يحتاج إلى رغبة حقيقة وإلى اقتناع بفكرة الاحترام ومن ثم إلى تخطيط سليم وواع وإلى جرأة كبيرة في اتخاذ القرار، والأهم من ذلك يحتاج إلى مساحة كبيرة جدا من حرية التفكير والنقاش والتعبير.

    والسؤال هنا، هل لدينا استعداد لكل ذلك؟ من ما أرى وأسمع… لأ! طالما كنا نفكر بأن “معدننا” أصيل وأن الحوادث لا تؤثر بنا سنظل من هذه الحال إلى أسوأ.

    Like

Comments are closed.