كل الطرق تؤدي إلى أوروبا: التغريبة السورية والهرب من الجحيم على دراجات هوائية

MACEDONIA-EUROPE-MIGRANTS

كتبت رنا فريجة

بعد قيام النظام السوري باستخدام كافة أنواع الأسلحة من الهاون إلى السكود ومن الكيماوي إلى غاز الكلور وانتهاءً بإسقاط البراميل المتفجرة فوق رؤوس الأبرياء من السوريين، وبعد حصار العديد من المناطق وحرمانها من دخول الغذاء والدواء وقطع الماء والكهرباء وكافة الخدمات عنها في سياسة عقاب جماعي، وبعد تدمير العديد من المدن التي أصبح بعضها أشبه بمتحف دمار مفتوح يذكر بمدينتي هيروشيما وناغازاكي، وبعد مرور أربع سنوات على هذه المعاناة ودخول السنة الخامسة، لم يجد السوريون حلا سوى أن يحملوا ما تبقى لديهم من متاع ويرحلوا إلى أماكن أكثر أمنا.

أين يذهب اللاجئون السوريون؟

خطوط هجرات اللاجئين السوريين

خطوط هجرات اللاجئين السوريين إلى أوروبا في 2013 بحسب رويترز

وتدفق اللاجئون فرادى وجماعات إلى دول الجوار كتركيا ولبنان والأردن إلى أن تجاوزت أعدادهم أربعة ملايين حسب الإحصاءات الأخيرة لمفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، فيما وصل بعضهم إلى مصر والبعض الآخر تمكن من الحصول على إقامة في دول الخليج، ولكن الأمر لم يتوقف عند ذلك الحد، فدول الجوار بدأت تتبرم وتشتكي من كثرة اللاجئين وقلة المساعدات واستنزاف مواردها ومن ثم اتجهت للتضييق على اللاجئين وتقليص المساعدات أو إلغائها وعدم السماح بالعمل على أراضيها ومصادرها، وهو ما دفع اللاجئين للبحث عن أماكن أخرى، فحزم المقتدرون ماليا حقائبهم وانتشروا في أصقاع الأرض من ماليزيا شرقا إلى الولايات المتحدة غربا ومن أوروبا شمالا إلى البرازيل جنوبا لتبدأ بذلك المرحلة الثانية من التغريبة السورية.

الحياة في مخيمات اللاجئين مليئة بالصعوبات

الحياة في مخيمات اللاجئين مليئة بالصعوبات

وكان المكان الأكثر جذبا يتمثل في الدول الأوروبية الغنية، حيث تمنح اللاجئ إقامة دائمة أو مؤقتة مع تأمين السكن والمعيشة إلى أن يتمكن من إيجاد عمل، بالإضافة إلى قرب تلك الدول الجغرافي إذ أنها ليست بعيدة ككندا والبرازيل، ويسهل الوصول إليها بطرق التهريب العديدة، إلا أن التهريب قد ينطوي على مخاطر قاتلة.

التهريب: الهرب من موت إلى موت آخر

Migrants-Mediterranean

مع اعتدال الجو بدأت في ربيع  2013 رحلات قوارب الموت نحو القارة العجوز، وكان السفر يتم من مصر أو ليبيا برعاية كبار المهربين أو ما يصح تسميتهم بتجار البشر، وعلى متن هذه القوارب الحالمة بالوصول إلى شواطئ الأمان خليط من البشر يمثل السوريون غالبيتهم مع وجود نسبة لا بأس بها من الأفارقة كالأريتيرين والإثيوبين وغيرهم. لكن هذه القوارب المتهالكة التي خرجت من الخدمة قبل عشرات السنين، لا تلبث أن تطلق نداءات الاستغاثة إذ سرعان ما تبدأ بالغرق بسبب حمولتها الزائدة،أو تنقلب في مياه البحر بسبب اختلال توازنها. وتغرق مع الغرقى أحلامهم وأمانيهم وكأنهم هربوا من موت البر ليلاقوه في البحر.

في بداية الأمر كانت حوادث الغرق قليلة مما زاد الإقبال على طريقة التهريب هذه، خصوصاً وأن أسعارها معقولة فهي تكلف من مصر 2000 دولار للشخص ومن ليبيا ألف دولار مع إمكانية اصطحاب الأطفال مجانا، فشهدت الهجرة بالمراكب رواجا عاليا. ولكن هذا جعل تجار البشر اللاهثين وراء المال يستهترون أكثر وأكثر بحياة الناس ويستخدمون مراكب أسوأ لجني أرباح أكثر، مما جعل حوادث الغرق تكثر حتي بلغ عدد الذين لقوا حتفهم غرقا عام 2014 وحده ما يزيدعن 3000 مهاجر، وفي عامنا هذا وصل العدد إلى 2700 مهاجر حتى اليوم، مما أطلق نذير أزمة في التعامل مع المهاجرين عبر البحر يسعى الاتحاد الأوروبي إلى حلها.

كل الطرق تؤدي إلى أوروبا

Migrants from Syria walk in Macedonia near the Greek border

ونظرا للمخاطر المميتة لهذا الطريق البحري فقد قل عليه الطلب واتجه السوريون إلى طريق آخر أكثر أمنا، وإن كان أطول مسافةً. فمن تركيا بدأوا بشد الرحال إلى اليونان ومن اليونان يتم عبور الأراضي المقدونية إلى صربيا فهنغاريا ثم النمسا ومنها إلى ألمانيا. وتدفق اللاجئون عبر هذا الطريق البري إلا أن مخاطر هذا الطريق الطويل عبر مقدونيا هدد حياة العديدين منهم، إذ لقي البعض مصرعهم وهم يتتبعون خطوط السكك الحديدية مشياً حتى يبلغوا الحدود الصربية أو يسيرون عبر الغابات المقدونية فيصادفهم قطاع الطرق أو تقضي عليهم أخطار الطريق. في الوقت ذاته، تسعى الشرطة وحرس الحدود المقدوني لمضايقتهم ومطاردتهم، إذ يجري في بعض الأحيان اعتقالهم وإعادتهم إلى الحدود اليونانية ليحاولوا الدخول مجددا وهكذا تعاد الكرة إلى أن يتمكنوا من عبور الحدود إلى مقدونيا. وقد عمدت السلطات المقدونية إلى التضييق على اللاجئين المهاجرين من خلال اعتقال بعضهم ووضعهم في سجن “غازي بابا” سيء السمعة، دون الاكتراث لوضع النساء والأطفال فالجميع إلى السجن إن كانوا شبابا بمفردهم أو عائلات.إلا أنه ونظراً للضغط الدولي، فقد سمحت مقدونيا مؤخراً للمهاجرين حق المرور عبر أراضيها شريطة ألا يمكثوا في البلاد أكثر من ثلاثة أيام، كما منعت السلطات مؤسسات النقل في الدولة من نقل اللاجئين أو بيع التذاكر لهم سواء عبر الحافلات أو القطارات، كنوع من التضييق عليهم مما يمنعهم من بلوغ وجهاتهم.

29B63AB500000578-3128709-image-a-35_1434573933464

وكان الحل الجديد المبتكر لتفادي الوقوع في أيدي الشرطة المقدونية وتسهيل عبور مقدونيا بسرعة هو استخدام الدراجات الهوائية بدلا من المسير ليلا في الغابات والتعرض لخطر الاعتقال أو الوقوع في أيدي قطاع الطرق أو من يسمون باللهجة السورية (المشلحين) الذين يتربصون باللاجئين ليسلبوهم أوراقهم الثبوتية وحفنة النقود التي بحوزتهم. ففي الوقت الذي لاتملك فيه السلطات المقدونية القدرة على إغلاق حدودها معا ليونان، فإنها لا ترغب كذلك في مساعدة اللاجئين والمهاجرين. ومع منع اللاجئين المهاجرين من ركوب الحافلات والقطارات، فإن هذه السياسة لم تحل دون مواصلتهم للمرور، فازدهرت سوق الدراجات الهوائية وبلغ العديد منهم مبتغاهم في الاستقرار بمكان آمن.

n_84169_1

وفي مدينة سالونيك اليونانية يتجمع اللاجئون السوريون  ليشكلوا مجموعات يصل عددها إلى  100شخص. ثم ينطلقون إلى أقرب مدينة على الحدود اليونانية المقدونية ويشترون الدراجات الهوائية. وينطلق رالي دراجات عبور مقدونيا وصولاً إلى الحدود الصربية، لتمنح بذلك الدراجات اللاجئين بعضاً من الحرية التي افتقدوها، فلم يعودو بحاجة بعد اليوم للمهربين الذين يأخذون الناس في طرق وعرة وعبر الغابات فإما أن يضلوا طريقهم وإما أن يسلموهم لقطاع الطرق باتفاق مسبق معهم.

وحتى اليوم مرت مجموعات عديدة من راكبي الدراجات عبر الحدود اليونانية المقدونية فهل سيستمر هذا الرالي الصديق للبيئة أم أن السطات المقدونية ستفعل المستحيل لإيقافه؟

Follow us on Twitter @beopendotme

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن