نقاش أكاديمي حول اتجاهات الحروب البشرية: هل هناك حرب كبرى قادمة؟ أم سلام عالمي طويل؟

89_1amartins_syria_aleppo_0485

أشارت العديد من الأبحاث التي جرت في السنوات الأخيرة أن العالم أصبح أكثر أمنا مما مضى، إذ تناقص عدد الحروب المدمرة كما أن أعداد المدنيين الذين يقضون في الصراعات في تناقص. وقد تبعث هذه الفكرة على البهجة لأنها تشير  بشكل إلى أن البشر في هذا الزمن أصبحوا أكثر تحضرا أو على الأقل أقل عنفا من الأزمنة السابقة.

ولكن دراسة حديثة أخرى أجريت مؤخرا أشارت إلى عكس ذلك، إذ بينت أن ما نشهده من صراعات محدودة هو مجرد فجوة زمنية تأتي بين الحروب الكبيرة، إذ ربما يشير ذلك إلى الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فأي الدراستين على صواب؟ فهل نتابع حياتنا ونحن مؤمنون بحلم عالم يسوده السلام؟ أم أن علينا أن نقلق لإمكانية فناء البشرية بسبب حرب نووية؟

مدي أهمية الموضوع

عندما صدر كتاب ستيفن بينكر “أفضل الملائكة داخلنا” (The Better Angels of Our Nature) عام 2011 أثار ضجة كبيرة. إذ يشير مضمون الكتاب إلى أننا نشهد العصر الأكثر سلما في تاريخ البشرية، وهذا ما أثار استغراب الكثيرين نظرا لوجود العديد من بؤر الصراع المشتعلة في أنحاء العالم. ووفقا للبيانات التي بنى عليها بينكر استنتاجاته فإن معدل الوفيات الناجمة عن الحروب وصل لأدنى معدلاته تاريخيا.

إحصائيات بينكر لضحايا الحروب خلال الـ70 عاماً السابقة

 إحصائيات بينكر لضحايا الحروب خلال الـ70 عاماً السابقة – المصدر Vox

Steven_Pinker_2007

ستيفن بينكر

اعتمد بينكر في دراسته على مفهوم “السلام الطويل” وقد استعار هذه الفكرة من المؤرخ جون لويس غاديس. ويشير إلى أن السبعين عاما الماضية لم تشهد حروبا بين القوى العظمى، فالحرب الباردة لم تصل إلى حد الاقتتال المباشر، وبذلك تجنبت البشرية صراعا كاد أن يكون مدمرا كالحربين العالميتين في بداية القرن العشرين.

ووضح بينكر في محاضرة بعنوان “قوى التهدئة” أن تجنب الحروب الكبرى يعود للديمقراطية والتجارة الدولية ووجود المجتمع الدولي، وإن كان محقا في أسبابه فذلك يعني أن الحفاظ على هذه التوجهات في عالمنا، من نمو التجارة العالمية وتعزيز دور المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة وتقوية العلاقات الدبلوماسية بين الدول الديمقراطية، كل هذا من شأنه أن يساهم في الحفاظ على السلام العالمي.

على الجانب الآخر يعارض البروفسور نسيم طالب من جامعة نيويورك المعروف بكتابه “البجعة السوداء” (Black Swan)  بشدة آراء بينكر. وبرأيه أن أنصار نظرية “انخفاض الحروب” يفرطون في تفسير الدلائل الجيدة بنفس طريقة من يعتقد أن مؤشرات أسواق الأسهم يمكنها الصعود للأبد دون انهيارات. وقد كتب نقدا لاذعا لعمل بينكر، رد عليه بينكر، وعاد طالب للرد مرة أخرى، وجري بينهما سجال أكاديمي لا زال يتابعه المهتمون.

وحوى البحث الأخير لنسيم طالب، والتي شاركه بإعدادها باسكال سيريلو من جامعة دلفت، بعض من أعقد النظريات الإحصائية التي تثبت بأن الحروب لا تنخفض وبأننا لا نزال عرضة لاشتعال الصراعات كما كنا في السابق.

لماذا يعتقد طالب و سيريلو أن الأرقام الأولية مضللة؟

A fighter from Jabhat al-Nusra is seen in front of a burning vehicle, caused by what activists said were missiles fired by a Syrian Air Force fighter jet from forces loyal to Syria's President al-Assad, at their base in Raqqa

nassim talib

نسيم طالب

الحجة الأساسية لطالب وسيريلو هي أن النظر إلى الأرقام الأولية وحدها يقود لنتائج خاطئة. ولأجل فهم المخاطر الفعلية للحروب الكبرى بمرور الزمن فهناك حاجة لأدوات إحصائية أكثر تعقيدا. وهما يعتمدان في دراستهما على طريقة تدعى “نظرية القيمة القصوى” (Extreme Value Theory) وهي نوع من التحليل الإحصائي المصمم خصيصا لتقييم احتمالية الأحداث النادرة والهامة جدا مثل نشوب حرب عالمية.

واستنتج طالب وزميله وجود عيبان رئيسيان في نظرية بينكر. الأول أن تحليلهما يلمح إلى أن الصراعات الكبرى (على مقياس 10 مليون ضحية) تحدث مرة في القرن، ولكن  فترة “السلام الطويل” التي يتحدث عنها بينكر مدتها سبعون عاما فقط. وهذا يعني أن هذه الفترة من الهدوء قد تكون فجوة بين الحروب الكبرى لا أكثر. أما العيب الثاني، فهو أن بينكر قام بتقليل المتوسط الفعلي لعدد الضحايا في الحروب الكبرى بحوالي ثلاث مرات، وأن الأرقام الحقيقية لا تظهر في الواقع انخفاضا مع الزمن. وإن كان هذا صحيحا، فإن قياساته للانخفاض الملحوظ في الحروب متفائلة أكثر من اللازم.

لهذه الأسباب استنتج طالب وسيريلو أن بينكر وزملائه المتفائلين على خطأ. وقياساً على استنتاجاتهم فإن ففكرة انخفاض الحروب يعد أمراً أقرب للخرافة.

فهل انخفضت حروب البشرية أم لا؟

فهل بينكر أم طالب على صواب؟ وهل هناك سبب يدعونا للاعتقاد أن انخفاض الحروب الذي نراه اليوم هو أمر مختلف أم مجرد ومضة إحصائية قبل الحرب الضخمة القادمة؟

يوضح جاي ألفلدر وهو خبير في التقييم الإحصائي للعنف السياسي بأن دراسة طالب وسيريلو لا تحل هذا السؤال. “فهي تشير إلى أننا لا يمكننا أن نستدل على أن الخطر قد تغير ولكن في ذات الوقت لا تثبت أنه لم يتغير”. وييبن خبير إحصائي آخر أن المشكلة “إحصائية بشكل مفرط”، فهي عن أشياء في العالم لا يمكن قياسها بالأرقام الكبيرة والشاملة. والأكثر أهمية أنه لا يمكننا معرفة ما إذا كان السلام غير الاعتيادي الذي استمر لـ 70 عاما يأتي ضمن سياق مستمر دون أن نفهم أسباب انخفاض معدل الوفيات من الحروب مؤخرا.

يعتقد  بينكر بأن دليل “لماذا” في صالحه، فيشير لحقيقة انخفاض للعديد من النسب المرتبطة بأشكال العنف المختلفة، من القتل إلى العبودية المقننة، وليس الحرب وحدها فحسب. وعلاوة على ذلك، فهناك أسباب عديدة تدفعنا للاعتقاد بأننا نشهد ثورة في الشؤون الإنسانية في الـ 200 عام الماضية ويمكن للارتفاع الهائل في إجمالي الناتج القومي المحلي لدول العالم والانتشار غير المسبوق للديمقراطية وسرعة انتشار مفاهيم العولمة كلها يمكن أن تغير العالم بطرق هامة.

لكن لم تنته المناظرة بعد، آملين أن يتم حلها على صفحات المجلات العلمية وليس في ميادين المعارك.

المصدر: Vox

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن