قضية أبركرومبي والفتاة المحجبة: “الكول” انقلب على الساحر

الثقافة كلمة ذات معان ودلالات واسعة. وهي أداة لرصد ما هو سائد في مكان، فالسيء منها يجب إدانته ومحاربته كثقافة الاغتصاب التي تعصف بالهند وأخرى ينبغي السعي لنشرها كثقافة احترام الغير وحفظ كراماتهم، هذا ينسحب أيضا على الشركات التجارية، وكيف يمكن لثقافة شركة أو مؤسسة أن تغدو مهمة وتحديدا عندما يتعلق الأمر بحقوق الناس.

بطلة قصتنا سامانثا العوف كانت في السابعة عشرة من عمرها عندما تقدمت بطلب شغل وظيفة لدى متجر “أبركرومبي وفيتش” Abercrombie & Fitch في مدينة تولسا بولاية أوكلاهوما عام 2008. لقد أحبت المتجر لدرجة أنها وصفته ببيتها الثاني، وكانت مسرورة بحصول الموظفين على خصومات. اعتبر المدير المساعد الذي أجرى المقابلة أنها مؤهلة للعمل لكن عبر عن خشيته أن يشكل الحجاب الذي ترتديه انتهاكا لـ “سياسة المظهر” في الشركة، وهي السياسة المذكورة في كتيب يفصل قواعد مظهر الموظف بشكل غريب، فمثلا يمنع الموظفون الذكور من إطلاق الشوارب أو اللحى، ويجب على كل واحد منهم أن يطوى الجينز الضيق من الأسفل بمقدار بوصة وربع، وغيرها من السياسات الغريبة. في النهاية لم يتم توظيف سامانثا رغم حصولها على تقييم عال كموظفة محتملة لأن أحد قوانين “سياسة المظهر” يمنع ارتداء القبعات.

الصراع القضائي

WASHINGTON, DC - FEBRUARY 25:  Samantha Elauf (C), her mother Majda Elauf (2nd R) of Tulsa, Oklahoma, and Equal Employment Opportunity Commission General Counsel David Lopez (R) leave the U.S. Supreme Court after the court heard oral arguments in EEOC v. Abercrombie & Fitch February 25, 2015 in Washington, DC. Elauf filed a charge of religious discrimination with the EEOC saying Abercrombie & Fitch violated discrimination laws in 2008 by declining to hire her because she wore a head scarf, a symbol of her Muslim faith.  (Photo by Chip Somodevilla/Getty Images)

رفعت لجنة تكافؤ الفرص الوظيفية، وهي منظمة غير ربحية، دعوى قضائية ضد الشركة بالنيابة عن سامانثا، وحكمت محكمة المقاطعة (محكمة الدرجة الأولى) لصالحها وبمنحها تعويضا مقداره عشرين ألف دولار. وفي درجة التقاضي الثانية، ردت محكمة الاستئناف القرار باعتبار أن صاحب العمل لا يمكن أن يعتبر مسؤولا عن تلبية متطلبات ممارسة الشعائر الدينية لموظفيه. وحينما وصلت القضية للمحكمة الأميركية العليا أشار القاضي أنتونين سكاليا، أحد قضاة المحكمة والذي صاغ حكمها الصادر مؤخراً في القضية، إلى أنه لا يجوز لرب العمل أن يجعل من دين المتقدم للوظيفة سبباً في قرار توظيفه من عدمه، مشيراً إلى أن الشركة لم تتأكد ما إذا كانت سامانثا قد ارتدت الحجاب لأسباب دينية أم لا فقد يكون لديها أسباب أخرى، وتم اتخاذ قرار عدم توظيفها في الشركة على ذلك الافتراض.

وفق القانون الأميركي، فإنه يحق لصاحب العمل تحديد قوانين اللباس في شركته، ولكن لا يمكنه أن يستعمله للتمييز ضد الأفراد على أساس ممارساتهم الدينية، فإذا رفض صاحب عمل توظيف مسلمة ترتدي حجاب أو يهودي يرتدي طاقية أو شخص من السيخ يرتدي عمامة لمجرد معتقدهم الديني دون أن يحاول الوصول إلى تسوية فإن ذلك يعد تمييزاً ينطوي تحت البند السابع من قانون الحقوق المدنية لعام 1964. وقد أصدرت المحكمة العليا حكمها بأغلبية أصوات قضاتها التسعة، إذ أدان ثمانية قضاة الشركة بينما اعترض القاضي التاسع كلارينس توماس مشيراً إلى أن قرار أبركرومبي نبع من سياسة محايدة للشركة تقضي بمنع ارتداء القبعات.

وبالرغم من كونها ليست قضية معقدة، إلا أن أبركرومبي استخدمت كل الوسائل للوصول إلى المحكمة العليا، وقد يعود السبب في ذلك إلى ثقافة الشركة وأسلوبها وسلوكها الذي تنتهجه في حملاتها التسويقية من أنها فوق الجميع وتفرض رأيها، فهي تتبع أسلوباً غريباً في عرض منتجاتها كما أنها تسوّق غالبية ملابسها حصرياً لأصحاب الأجسام النحيلة، فكان ذلك السلوك المتغطرس هو ما أقنعها أن سياساتها الإقصائية قد تبدو مقبولة.

ماركة الأولاد “الكول”

في عام 1992 كانت أبير كرومبي شركة تحتفل بمرور مائة عام على تأسيسها، عرفت خلال تلك سنوات عملها بتوفير ملابس السفاري، وقد جاء في ذلك الوقت المدير التنفيذي الجديد مايك جيفريز لتحديث الشركة. كان لدى جيفرسون رؤية محددة، لكنها رؤية ضيقة الأفق. وقد تحدث في مقابلة عام 2006:

abercrombie_fitch

مايك جيفريز

“في كل مدرسة يوجد أولاد رائعون “كول” ولهم شعبية وهناك أولاد آخرون ليسوا بتلك الصفات. بصراحة نحن نسعى وراء الفئة الأولى، الأولاد الجذابين، جميع الأولاد الأمريكيين ذوي السلوك الممتاز والذين يحظون بكثير من الأصدقاء، الكثير من الناس لا ينتمون إلى ما لدينا ولا يستطيعون أن ينتموا. فهل هذا يعني أننا إقصائيون؟ على الإطلاق”.

ولطالما سعت أبركرومبي إلى تعزيز هذه الثقافة، فموظفو المبيعات الذين يتم توظيفهم في المتاجر يسمون “عارضين” (Models) وهم يخضعون لشروط قاسية فيما يخص سياسة المظهر لدى الشركة، كما لا تبيع أبركرومبي ملابس نسائية بقياس أكبر من 10. ولفترة من الزمن، جرت الأمور بشكل جيد وبطريقة مربحة، وتمكن جيفرسن من تحويل هذه الماركة من ملابس تليق بكبار السن فكان يرتديها تيدي روزفلت وإرنست همنغواي، إلى ماركة الملابس المفضلة لتلاميذ المدارس من المراهقين، وفي أوج انتشارها، كان لأبركرومبي ألف نقطة بيع.

عنصرية أبركرومبي: قضية سامانثا ليست الأولى

abercrombie

إلا أن الثقافة السطحية والتمييزية التي تنتهجها الشركة في التوظيف تسببت بإيقاعها في المشاكل. فقضية سامانثا ليست الأولى فيما يخص التمييز لدى أبركرومبي. ففي عام 2004 وافقت الشركة على دفع مبلغ خمسين مليون دولار لبضع آلاف من الموظفين لتسوية دعوى بالتمييز ضد الأمريكيين من أصول إفريقية ولاتينية وآسيوية في ممارسات توظيفهم وفي دعايات الشركة. كما زعمت هذه الدعوى بأن الشركة تدفع عادة بموظفي الأقليات غير البيض للعمل المناطق الخلفية في المتجر حتى لا يراهم الزبائن كثيرا.

وجد جيفرسون أنه من الصعوبة أن يكون هناك أولاد “كول”، أو شقر أو بيض، دون أن يكون لهم شعبية. وكانت النتيجة الانكماش الكبير لعلامة أبركرومبي. ولا بد أن هناك عوامل أخرى أثرت على ذلك كالركود الاقتصادي وسطوع ماركات أخرى مثل H&M وForever 21 و Uniqlo ممن يبيعون ملابس ظريفة وعلى الموضة وبأسعار أرخص. إلا أن الثقافة العامة للشركة ساهمت في انعزالها عن المجتمع وابتعاد الناس عنها.

المفاهيم الأخلاقية لهذا العصر

Diversity tree hands pattern

ويقول إيريك غوردن، الأستاذ في كلية إدارة الأعمال في جامعة ميشيغان، لمجلة نيويوركر “هذا الجيل يتجه نحو الشمولية وتقدير التنوع، ولا ينظر للناس بنوع من التعالي”، وقد تكون هذه النظرة متفائلة وتبعث على بعض الأمل، فهذا العصر الذي بات يظهر فيه المتحولون جنسياً على أغلفة المجلات، والزمن الذي وضعت فيه شركة مثل غاب موديل من طائفة السيخ على أحد إعلاناتها، فحتى في لحظات هيجان المشاعر ضد المسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر، فإن سياسة خاطئة كتلك التي طبقتها في فرنسا بمنع الحجاب في المدارس لن ينظر لها بشكل جدي في الولايات المتحدة.

واصلت سامانثا حياتها حيث في متاجر Forever 21 وOld Navy ونشرت صحيفة وول ستريت جورنال صورة لها هذا العام تظهرها في آخر عمل لها كمديرة تسويق في أبرز متاجر أوكلاهوما وكانت ترتدي حجابا أسود وجينز ممزق بطريقة فنية وهي تبتسم. حينها، كانت أبركرومبي قد فقدت تواصلها مع المجتمع.

تحاول أبركرومبي الآن اللحاق بما فاتها من خلال استراتيجية تسويقية جديدة. فبعد احتجاجات من المساهمين وشهور عديدة من تراجع مبيعات المتاجر، تنحى جيفريز من منصبه كمدير تنفيذي في ديسمبر 2014. وفي إبريل 2015 أعلنت الشركة أنها ستطبق إجراءات أكثر شمولية وتعددية في عملية التوظيف، كما ستضع سياسة جديدة للمظهر تسمح بارتداء أزياء “أكثر فردية” وتعبر بشكل أكبر عن روح الفرد. كان من الواضح أن الإعلان عن هذه التغيرات جاء بأمل أن تنعكس إيجابا على تراجع المبيعات. قد يبدو الأمر برمته غير مهم، ولكن إن لم تتمكن إحدى الشركات من ترويج ثقافة التفرقة وعدم التسامح بسبب عدم قبول الناس لها، فهذا بحد ذاته.. “كول”.

تابعونا على تويتر لمعرفة أحدث المواضيع

Follow us on Twitter @beopendotme

المصدر: The New Yorker

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن