الخوف من “العيب”: افشل سريعا.. افشل كثيرا.. افشل في كل مكان

Entrepreneur

قبل بضعة أسابيع في حاضنة أعمال غراند سنترال تك وسط مانهاتن بنيويورك تحدثت لورا مورينو كابانيلاس -وهي  رائدة أعمال ولدت وترعرعت في إسبانيا- عن نشأتها وعن حلمها بإنشاء عملها الخاص، فقالت “فكرت في بدء مشروعي الخاص منذ أن كنت مراهقة، في حين كان يحثني أهلي وأصدقائي على العثور على وظيفة حكومية مثل بقية الناس”.

كانت لورا تشارك في حلقة نقاش في “أسبوع الإنترنت” ضمن الاحتفال السنوي للمشهد الرقمي لمدينة نيويورك  بعنوان “الفشل في النجاح”، وهي جلسة نقاشية تتناول جانب الإخفاق في المشاريع التجارية. وكان من ضمن المشاركين في هذا النقاش جون كولتر أحد مبتكري منصة تخطيط الجسم ثلاثية الأبعاد المعروفة باسم بيوديجيتال BioDigital، الذي تحدث عن مخاوف عائلته وأصدقائه من إطلاقه لعمله الخاص. فيما شرح ليوناردو ميرون – عضو آخر في النقاش وهو رائد أعمال مكسيكي نشأ في فرنسا- سبب قلق لورا فيقول “في الثقافة الفرنسية والمكسيكية الفشل من المحرمات، فلا يمكنك أن تفشل أو أن تتحدت عن الفشل”.

أما في الولايات المتحدة فالحديث عن الفشل يعتبر أمراً اعتيادياً، إذ يعترفون أنهم أمة الإنجازات وأمة الإخفاقات في الوقت نفسه، فكثيرون فشلوا في مجال ما ثم بدأوا من الصفر في مجال آخر. وفي وادي السيليكون حيث صناعة التقنيات المتقدمة تستعمل كلمات “افشل سريعا، افشل كثيرا” كتعويذة أساسية في بيئة العمل. ويحب الأمريكيون مناقشة أمور الفشل لدرجة إقامة مؤتمرات متخصصة فيه مثل FailCon أو “مؤتمر الفشل”، وهو مؤتمر سنوي يعقد في سان فرانسيسكو يناقش هذه المسألة.

في نقاش غراند سنترال تك، تحدث المشاركون غير الأمريكيين عن كوارث تجارية حصلت معهم وما تعلموه منها. تحدثت لورا عن عملها في تركيا برغم أنها لا تتحدث التركية وتذكرت كيف أنها كتاجرة معادن مبتدئة، خسرت صفقة أطنان من الحديد الخام، وانتهى الحادث بها وهي تطارد الحمولة وبرفقتها زبون صيني غاضب. وأضافت “الدرس المهم هنا أن تتعلم كيف تستيقظ في الصباح وكأن شيئا لم يكن”. في حين كشف ميرون أن بدايته كانت مع برنامج لتمويل التربية الموسيقية في المدارس العامة في المكسيك والذي انهار بعد الضغوط الكبيرة على فريق العمل ويقول “بدأت باجهاد الفريق، ضغطت وضغطت عليهم.. إدراكي بأن شركائي في العمل يرغبون بالتوقف كان بمثابة ضربة على الرأس”.

اختلاف النظرة تجاه الفشل باختلاف الثقافات

grand central tech

تبدو النقاشات حول الفشل مألوفة في أمريكا لأن رجال الأعمال هناك معروفون بإخفاقاتهم. فنسبة الفشل في الأعمال التجارية الناشئة وفقا لشاخار غوش، أحد كبار المحاضرين في كلية هارفارد للأعمال، تتراوح من 40-30%، وهذا في حال تعريف الفشل بأنه خسارة المستثمر لكل شيء، كتصفية جميع أصول الشركة، وترتفع نسبة الفشل إلى 80-70% إذا كان تعريف الفشل هو عدم تلبية العوائد المتوقعة للاستثمار.

وبالرغم من الإحصاءات يبقى الأمريكيون متفائلين بشكل ملحوظ، ففي العام الماضي قامت شركات رأس المال المغامر (Venture Capital) بالمخاطرة بثمان وأربعين مليار دولار في ملاحقة العوائد الكبرى. والحقيقة أن هذه الاستثمارات تتركز على الشركات التي لا تثير مشاريعها المرتقبة أي قلق. ووفقا لدراسة أجريت في 2014 من قبل Global Entrepreneurship Monitor، وهو مشروع تديره Babson College وLondon Business School، فقد تم استطلاع آراء أشخاص لا يديرون أعمالهم الخاصة أعمارهم تتراوح بين 18 و 64 عاما، ورأى 30% منهم أن الخوف من الفشل قد يمنعهم من بدء مشروعهم الخاص. في حين يعتقد أكثر من نصف الأمريكيين بوجود فرص جيدة للاقتناص عندما يعمل المرء لحسابه الخاص.

بالمقابل وجدت الدراسة أن نسبة من يرى فرصاً لبدئ مشروع خاص في اليونان تبلغ 14% فقط. وتصل النسبة في إسبانيا إلى 23%  وفي فرنسا 28%. بينما نسبة الأشخاص الذين لا يديرون عملهم الخاص والذين منعهم من ذلك الخوف من الفشل تصل حتي 49% في اليونان و41% في فرنسا و 28% في إسبانيا. ولا شك بأن الظروف الاقتصادية تلعب دورا في التشاؤم والخوف في كل دولة. ففي اسبانيا يصل معدل البطالة إلى 23.2% وفي اليونان 25.4% أما في فرنسا فقد وصل لمعدل قياسي 10.6%. ومعدلات البطالة عند الشباب تصل لضعف تلك عند عامة السكان.

ينبغي أن تثير هذه الأرقام القلق نظرا للأثر التاريخي الكارثي عندما تجتمع البطالة المرتفعة مع الاضطراب الاقتصادي في أوروبا، خصوصاً وأنه يتزامن الآن مع الصعود الأخير للأحزاب اليمينية المتطرفة مثل “الفجر الذهبي” في اليونان و”الجبهة الوطنية” في فرنسا والتي تستغل الظروف الاقتصادية لكسب الناس نحو أجندة عنصرية متطرفة تذكر بإيطاليا موسوليني وألمانيا هتلر. وقد قام البنك المركزي الأوروبي مؤخراً بإجراءات غير مسبوقة لتحفيز الاقتصاد، ولكن التشجيع على إنشاء الأعمال الخاصة ينبغي أن يخاطب الأشخاص بطريقة مؤثرة فهم من سيأخذون زمام المبادرة في نهاية الأمر.

الخوف من العيب

Limiting-Beliefs

وقد تكون إزالة وصمة الفشل خطوة في هذا الاتجاه. ويشارك ميرون، رائد الأعمال المكسيكي ضمن مجموعة تنظم “أمسيات الخطأ الفظيع” (Fuckup Nights) والتي تضم ثلاثا أو أربعا من رواد الأعمال المستعدين لمشاركة الغرباء بتجاربهم الخاطئة. وبدأت الحكاية في مكسيكو سيتي عندما تجمع عدد من الأصدقاء للحديث عن أعمالهم التجارية ووجدوا هذه الأمسية مفيدة لذا قرروا تكرارها. وحاليا تقام “أمسيات الخطأ الفظيع” في أكثر من سبعين مدينة في ست وعشرين دولة في أنحاء العالم.

وبرغم الموجة التي تجتاح العالم لإنشاء الأعمال الخاصة، والتي باتت تقتحم عالمنا العربي بقوة، فإن الفشل هو أحد الأسباب الرئيسية لعدم إقدام العديدين على مشاريعهم الخاصة، أو تتبع أحلامهم، وقد تكون نسب الإقبال على المخاطرة في شعوبنا العربية مشابهة لتلك التي في أوروبا، ولكن ما الذي يجعل الأميركيون أكثر إقبالاً على المخاطرة والترحيب بالفشل أكثر من غيرهم؟ وهل يعد ذلك سبباً رئيسياً في ريادة الولايات المتحدة في العديد من المجالات الاقتصادية؟

الفشل في مجتمعاتنا يرتبط كثيراً بفكرة “العيب”، وأننا لا نريد أن يرانا الآخرون بمنظر الفاشلين، وهو ما يمنعنا من عمل الكثير من الأشياء التي نريد، وغالباً ما يأتي هذا الشعور من داخلنا فنكون في الحقيقة نمنع أنفسنا من التقدم والمغامرة بحجة ذلك “العيب” الذي يكمن في أذهاننا وقد لا يكون صحيحاً بالضرورة. الحقيقة أن الأمريكيون يرون في الفشل منصة للتعلم والتطور والنجاح، بينما قد يراها بعضنا عيباً يشوه صورتنا أمام الناس.

المصدر: New Yorker

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن