تونس بعد الثورة: عودة السياحة لبلد جميل

tunisia_yscgj.T0

تعد تونس البلد العربي الوحيد الذي تمكن من تحقيق التحول نحو الديمقراطية بعد أن عصفت رياح الربيع العربي بالمنطقة. وهي أصغر دولة في الشمال الإفريقي من حيث المساحة مع عدد سكان لا يتجاوز 11 مليونا، وقد أجريت في العام الماضي أول انتخابات رئاسية حرة ونزيهة منذ استقلالها عن فرنسا عام 1956. ومع مطلع هذا العام تقدم تونس نفسها للعالم بثوب جديد.

منذ فترة قريبة شهدت تونس، تلك العاصمة الثقافية الأكثر جذبا للسياح، هجوما على متحف باردو حيث فتح مسلحون النار فقتلوا 23 شخصا (22 سائحا ومواطنا تونسيا). وردا على تلك الأفعال الإرهابية انطلقت مئات آلاف التغريدات التضامنية على تويتر تحت هاشتاغ #JeSuisBardo (أنا باردو) حيث تعهد الجميع بزيارة تونس دعما لها. ويقول محرر الفاينانشال تايمز “رغم أني لا آخذ حملات التضامن التويترية على محمل الجد لكني شاركت بالحملة. ثم توجهت لاحقا إلى تونس على متن طائرة مليئة بالركاب لقضاء العطلة”.

تمثل السياحة 7% من الدخل القومي التونسي. ويعتبر فندق ريزيدنس أحد أفضل الفنادق في تونس، فهو يبعد ثلاثين دقيقة عن المطار والعاصمة. تفوح من غرفه رائحة زهر البرتقال مع إطلالة على بركة السباحة والشاطئ. وتمتاز هذه الأماكن المترفة بخدمات عالمية المستوى مع لمسات محلية تتمثل بالحمام المغربي وأشجار النخيل. وتكمن جاذبية منتجعات مثل ريزيدنس أنها تقع بمناطق معزولة، وهذا ما يجعلها وجهة مفضلة للسياح الأثرياء ورجال الأعمال وحتى كبار أعضاء الحكومة التونسية أيضا.

التجول في قلب المدينة القديمة

couverture

يقول محرر الفاينانشال تايمز “كنت متشوقا للتعرف على مدينة تونس، فالفضول يساورني لمعرفة إن كان في المدينة ما يجعلها مقصدا سياحيا لمن يرغب بأن يقوم بأكثر من مجرد الاستلقاء على الشواطئ”.

توجهنا لفندق قصر بيرم الذي تم افتتاحه في فبراير ويتوقع أن يصبح أفضل مكان للإقامة وسط المدينة، وتحديدا في البلدة القديمة التي ازدهرت حول مسجد الزيتونة منذ القرن الثامن. عندما استعمر الفرنسيون البلاد قاموا بشق الشوارع العريضة وإنشاء شبكة الكهرباء، لكن طرقات المدينة الضيقة تحكي إرثها القديم كموطن لحكام البلاد من الموحدين والحفصيين. وعلى الرغم من وجود فنادق في المدينة إلا أن معظم السواح يزورنها برحلة يومية.

بُني قصر بيرم في القرن الثامن عشر وكان مكانا لإقامة المفتي العام لمملكة تونس، ويقع في الجزء الأقدم من المدينة. ثم جرى ترميمه بعناية خلال السنوات الثمان الماضية، واستُخدمت في ذلك الوسائل والمواد التقليدية فقط.  يمثل كل جناح من أجنحته الثمانية عشر متحفا صغيرا من الرخام والأعمال الخشبية قديمة الطراز. يوجد في أحد هذه الأجنحة يوجد بلاطات إزنيق أصلية زرقاء وبيضاء اللون، وهي تحمل اسم المدينة التركية التي تنتج الفخار الأزرق والأبيض الشهير الذي افتتن به السلطان سليمان القانوني.

يعتبر قصر بيرم المكان الأكثر روعة للإقامة في تونس. فعندما يأتي الليل لا تسمع سوى صوت الأذان في قلب الساحة التي كان مستشارو المملكة يعبرونها إلى المسجد المجاور. ويتسلل نور القمر ليضيء بلاط إزنيق فيزيده رونقا وبهاء. لم يفتتح الفندق كافة مرافقه بعد، لذا لم يكن هناك الكثير من الرواد. لكن لاحقا سيتمكن الزوار من التمتع بشرب الشاي في الغرف والمنتجعات والبيوت الصحية وقضاء وقت منعش في الحمام المغربي، بالإضافة إلى البار فوق سطح الفندق ذو الإطلالة على المدينة بمنازلها المنخفضة. كما يقدم مطعم الفندق أشهى الوصفات، فالكرواسان باريسي الجودة وفطائر بريك مع البيض والجمبري مقرمشة بشكل رائع، والألذ من ذلك هو الكسكس والهريسة مع الحمل المطبوخ على نار هادئة والسمك الطازج.

يقع قصر بيرم في إحدى أكثر المناطق جاذبية للسياح في تونس، فقد كان السياح في السابق يزورون هذا القصر الذي تتحدث جدرانه عن جودة الصنعة والتجديد. لكن المدينة تفتقر لفعاليات أخرى يحتاجها السياح، فهل يمكن للمدينة استقطاب الزوار بعيدا عن المنتجعات الساحلية نحو الصخب والضجيج؟

وعلى العكس من بعض المدن القديمة التي يتفاعل سكانها مع السائح ليشتري قطعة تذكارية فقط، فإن مدينة تونس تبدو أكثر مصداقية وواقعية. فهي مصنفة كموقع تراثي وفق اليونسكو، وكل باب من أبوابها الملونة يحكي قصة (وكلما كان الرسم أكثر تفصيلا كانت العائلة أكثر ثراء). وتعرض الأسواق بضائعها من المكسرات والفواكه المجففة والجبن المالح المر والبسكويت الحلو التي يحطم الأسنان. 

“كان التونسيون -وعلى وجه الخصوص الشباب منهم- سعداء بالإجابة عن أسئلتي” صرح محرر الفاينانشال تايمز “وأعرب جميعهم عن الأسف والخجل بسبب حادث باردو، فيما يخشى البعض استخدام الحادث كذريعة لقيام السلطات التي لم يتم تأهيلها بعد بشن حملات أمنية ، وهو قلق تشاركهم به جماعات حقوق الإنسان”. يتسم الوضع التونسي بالهشاشة منذ بداية الثورة عام 2011. فحرية التعبير موجودة بلا شك، إلا ان ثلث الشباب التونسي بلا عمل. ويعقّب شخص على طول المواضيع الصحفية في الجرائد “أصبحت المقالات طويلة جدا لأننا نستطيع قول ما يحلو لنا”.

السياحة في المدن التونسية الأخرى

dougga-tunisia1_mini

وللاطلاع على حياة التونسيين عن قرب قمنا بزيارة ثلاث بلدات في الساحل الشمالي حيث يعيش الكثير من سكان الطبقة المتوسطة. في مدينة المرسى يزدحم الشاطئ بالمتنزهين من عائلات وعشاق عند الغروب. وخارج محل سالم للمثلجات يصطف طابور محبي المثلجات بالبندق والفستق التي لا تقل جودة عن مثيلتها في إيطاليا وبربع الثمن فقط.

وتعد مدينة قرطاج المجاورة مزارا سياحيا، رغم قلة الآثار المتبقية في هذه المدينة التي استسلمت للرومان في نهاية الحرب البونية الثالثة. ويقدم متحف قرطاج الوطني مكافأة لأي شخص يمتلك الخيال الكافي لإعادة خلق تصور لأحداث القرن الثاني قبل الميلاد. وفي الطريق إلى الشاطئ يقع مطعم نبتون المميز بتقديم أشهى المحار وسلطات الهريسة. بعد ذلك توجهنا إلى سيدي بو سعيد، البلدة الساحلية الجميلة التي ألهمت فنانين أمثال باول كلي وأوغست ناك ولويس مويليت بعض أعظم أعمالهم.

ويختم محرر الفاينانشال تايمز “في رحلتنا إلى تونس غمرنا شعور بالأمان والترحاب، أردنا رؤية متحف باردو وفسيفسائه المذهلة. وتوقعنا أن نرى أحد أعظم متاحف العالم فارغا بعد الحادث الأليم، لكن العشرات من طلاب المدارس متواجدون في المكان. وأخبرني أحد علماء الآثار بأن عدد الزائرين ازداد عما كان عليه قبل الهجمات. فهم يأتون بدافع الفضول والتضامن، فهل هناك أسباب أفضل تدفعك لزيارة مكان ما؟”

Follow us on Twitter @beopendotme

Un pueblo de Tunez (1)

المصدر:  Financial Times

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن