صراع التعصب والعقول الحرة: لماذا قتل ثلاث مدونون في بنغلاديش خلال ثلاث أشهر؟

Bangladesh-blogger-protest-afp-getty

صراع العقول الحرة والتعصب: مقتل ثالث مدون في بنغلاديش خلال ثلاث أشهر.. إقرأ تدويناته الأخيرة

“لا يمكن لشخص ذوعقل حر أن يحبس نفسه داخل جدران التعصب”.. كانت هذه الكلمات الأخيرة التي كتبها أنانتا بيجوي داس قبيل موته بساعات.

في ذلك اليوم، وأثناء توجهه للعمل، اعترض طريقه أربعة ملثمين مسلحين بالمناجل في مدينة سيلهيت في بنغلاديش. وقام الملثمون، المشتبه في انتمائهم لميليشيا إسلامية، بطعن داس حتى الموت في شارع مزدحم بوضح النهار في خامس أكبر مدينة في البلاد. كانت جريمة داس أنه انتقد التعصب الديني بالإضافة  لحماسه للعلم، لذلك استحق الموت –حسب رأي الجناة- بهذه الطريقة البشعة، وكان مصيره مشابها لمصير رجلين آخرين هما، أفيجيت روي وأشيكور رحمن، اللذان قتلا بطريقة مشابهة في بنغلاديش في فبراير ومارس على التوالي، وذلك لقيامهم بكتابة ونشر أفكار علمانية في بلد يمثل المسلمون 90% من سكانه.

وُصف عمل داس بأنه أقل إثارة للجدل من زميليه. فيما صرح أحد أصدقاء داس للغارديان قائلاً “لقد كتب عن الخرافات، ولكنه لم يكن من الكتاب اللذين يجرحون المشاعر الدينية، وقد ازدادت التهديدات بالقتل بعد مقتل روي ورحمن”. وتساءل بينوي فادرا، وهو صديق آخر لداس، في حديث للبي بي سي “لا نعرف إن كانت الشرطة ستحمينا”. تلك الشرطة التي تناول داس عملها في آخر تدوينة له قبل مقتله بيوم واحد، تحدث خلالها عن إخفاق الشرطة البنغلاديشية ليس فقط في قضية روي ورحمن بل في قضايا ضحايا العنف الذين لا علاقة لهم بالتدوين.

من مدونة داس

ناشطون يحملون لافتة حملت صورة أنانتا داس في تظاهرة بعد مقتله

ناشطون يحملون لافتة حملت صورة أنانتا داس في تظاهرة بعد مقتله

 

تقصير رجال الشرطة في مهامهم: 11 مايو 2015

عندما قتل أفيجيت روي كانت الشرطة تقف بالجوار وتراقب المشهد، وقد غادر القتلة مكان الجريمة سالمين بعد فعلتهم، فيما ادعت الشرطة فيما بعد أنها “لم تقصر في واجباتها”. وفي القضية الأخرى، فقد كان رجال الشرطة متواجدون أيضا عندما هرب القتلة بعد إجهازهم على أشيكور رحمن، ولكن لسوء حظهم لم يستطيعوا القول هذه المرة بأنهم أدوا واجباتهم، إذ تم إيداع القتلة السجن بعد قيام أحد الأشخاص بالقبض عليهم.

كان رجال الشرطة نمورا من ورق عندما كانت النساء تتعرضن للتحرش أمام الآلاف في احتفالات رأس السنة، بل كانوا مشغولين بواجبهم بفتح الطريق أمام المتحرشين للهرب. وعندما قام ليتون ناندي وآخرون بالقبض على بعض “إرهابيي التحرش” وتسليمهم للشرطة، فوجئ الجميع بإطلاق سراحهم بعد فترة وجيزة. وأحدث ذلك ضجة في وسائل الإعلام، فقامت الشرطة بنفي الواقعة برمتها متعللة بعدم وجود شكوى. وعند تسليط الضوء على جرائم الاعتداء في الـ CCTV (كاميرات المراقبة)، التزمت الشرطة الصمت، وعادوا للاسطوانة القديمة بعدم وجود شكوى.

خلاصة القول أن رجال الشرطة لم يقوموا بأداء مهامهم حتى بعد التعرف على المجرمين. وعندما قدم عدد من المنظمات اليسارية، بما في ذلك الاتحادات الطلابية، مذكرة احتجاج للشرطة تطالب بمعرفة سبب عدم القبض على الجناة، انقضت عليهم الشرطة وأوسعتهم ضربا بالركل وبأعقاب البنادق موقعة إصابات في صفوف الطلاب. قيل لي كذلك أن في هذه الواقعة فقد قامت الشرطة بواجبها على أكمل وجه. وهو ما يجعلني أتساءل إن كانت هذه هي المسؤولية والمهام الحقيقة لرجال الشرطة.

crop_7702623

كان داس مواطنا في دولة تدّعي العلمانية، ولكنها أخفقت في حماية حق التعبير لأحد مواطنيها. كما أنه ثالث مدون يقتل خلال ثلاثة أشهر. وكأن قوانين البلاد العلمانية تبقى مجرد حبر على ورق، فالسياسة البنغلاديشية تنقسم بين معسكرين علماني وإسلامي، وبحسب البي بي سي فإن الحكومة، وهي برلمانية منتخبة ذات توجه علماني، قد بدأت تضييق الخناق على الحريات المدنية وحرية التعبير، وبات ذلك يطال كلا من الأصوليين الإسلاميين وحتى أولئك المطالبين بحرية التعبير وفصل الدين عن الدولة.

وفي تصريح لوكالة روريتز علق ابن رئيسة الوزراء البنغلاديشية حول صمت والدته على مقتل روي “إننا كمن يسير على خيط رفيع، فنحن نؤمن بالعلمانية، لكننا لا نريد أن نبدو ملحدين، كما أن المعارضة تلعب ضدنا بورقة الدين بلا هوادة، لذا فنحن لا نستطيع التعبير بقوة لأجل المدون القتيل”.

لم تكن حكومة داس هي الوحيدة التي فشلت في حمايته، فقد تقدم قبل أسبوع من مقتله بطلب للحصول على تأشيرة من السفارة السويدية التي رفضت طلبه حسب ما أوردت الإيكونومست. إذ كان من المفترض أن يقوم برحلة قصيرة للسويد، إلا أن السفارة السويدية ظنت أن لديه الكثير من الأسباب للبقاء هناك.

وقبيل مقتله ببضع ساعات عبّر داس عن شعوره بالإحباط لقيام عضو في البرلمان بالتهديد بجلد بروفيسور في الجامعة على الملأ وتناول بالنقد خطاب العنف الذي يحض على القتل والتخويف. فشبه المشرعين في بلاده بالزاميندار وهو اللقب الذي كان يسمى به الإقطاعيين الارستقراطيين من أصحاب الأراضي إبان الاحتلال البريطاني للهند.

أيام الزاميندار كانت السياط تسلخ جلود الناس وهم أحياء عند ارتكابهم أدنى مخالفة، لكن أحدا لم يعترض على السرقة العلنية التي كان يقوم بها زاميندار للأراضي ولحقوق البسطاء من الناس. إننا محظوظون لأن أيام زاميندار قد ولّت، ولكن وككل الأعضاء الضامرة، كالزائدة الدودية مثلا، لا يزال هناك قليل من بقايا الزاميندار في المجتمع. فهلا أعلمتنا لأي مجموعة من الأعضاء الضامرة تنتمي يا جناب البرلماني؟

يا جناب البرلماني، إن كلمة جامعة University مشتقة من العالمية Universality، ما يقوله بعض المتعصبين الدينيين من مدينة سيلهيت أمثالك يخلق انطباعا أنك وكل من يوافقك الرأي لا ترون في الجامعة أكثر من مجرد روضة أطفال في منطقتكم.

ويختم داس بقوله:

إلى المتعصبين الدينيين في سيلهيت. سيلهيت ليست جزءا من بنغلاديش، إنها أمة منفصلة. ولهذا أقترح أن تنفصل عن بنغلاديش وتنال الاستقلال، بعدها يمكنكم إظهار مدى حبكم لسيلهيت كما تشاؤن. ولكنكم لا تستطيعون العيش في بنغلاديش أو خارجها، أو أن تكونوا مواطنين بنغلاديشيين، وأن تحملوا جواز سفر بنغلاديشي، وأن تصبحوا أعضاء في برلمان بنغلاديش وفي الوقت ذاته تستمرون بممارسة المناطقية البغيضة. ربما عليكم أن تسقطوا هويتكم البنغلاديشية أولا.

ثم أنهى تدوينته الأخيرة بالاقتباس من مقالة حررها لصحيفة “جوكتي” (العقلانية):

لا يستطيع أي أحد ذو عقل حر أن يقبل تلقن التعصب المناطقي أو أن يحبس نفسه داخل جدرانه الضيقة. إن العالم كبير جداً، إلا أن منافقينا المحترمون لا يزالو بدائيين، وقد حان الوقت كي يزحف هؤلاء خارج البئر التي يعيشون فيها لينظروا للكون الواسع الذي نعيش فيه من زاوية أخرى. كلنا بشر، وكلنا بنغلاديشيون بنغال، فكم من الوقت سيستغرق أهالي سينهيلت ليفهموا هذه الحقيقة البسيطة؟

أنانتا بيجوي داس

أنانتا بيجوي داس

المصدر: The Atlantic

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن