علم نفس: لماذا يقدم العديد من الناس على قضم أظافرهم؟

nail biting man

تنتشر عادة قضم الأظافر بشكل واسع بين العديد من الناس، وتعود جذور هذه العادة لآلاف السنين، إذ قيل أن الفيلسوف اليوناني القديم كليانثس كان من المدمنين على عض أظافره. ولا توجد في عصرنا الحديث بيانات واقعية عن عدد المأسورين بهذه العادة والمعروفة بـ (اضطراب قضم الأظافر)، ولكن تشير بعض الدراسات القليلة بهذا الشأن أن حوالي20 % من البالغين يقومون بذلك بانتظام.

ويقول فريد بينزل، وهو طبيب نفسي يساعد المرضى على التعامل مع قضم الأظافر ونتف الشعر وغيرها من الاضطرابات المتكررة التي تحدث الأذى الجسدي، “الجميع يقضم ويعض وينتف أظافره بشكل أو بآخر”، مشيراً إلى أن الأمر يستدعي العلاج عندما يصل لدرجة قيام البعض بإلحاق الأذى بأنفسهم، وهو أمر يختلف عن السلوك الاعتيادي اليومي للبشر.

وبرغم شيوع المشكلة إلا أن العلماء بدأوا بدراستها مؤخرا ولا يزالون في طور السؤال الرئيس وهو لماذا يقضي البعض أوقاتاً طويلة في الصراع مع أظافرهم ولا يكفّون عن ذلك بالرغم من أن جزءا من دماغهم يرغب بالتوقف عن ذلك؟

وتقول النظرية الحالية أن قضم الأظافر يساعدنا على موازنة مشاعرنا، فإن كنا نعيش فترة ملل فإن قضم الأظافر ينشّطنا، وعندما نكون مجهدين أو محبطين، فإن قضم الأظافر يمنحنا هدوءاً مؤقتاً.

رفض النظريات المبكرة لقضم الأظافر

Freud

سيغموند فرويد

لم تعد معظم التفسيرات المبكرة لهذه العادة مقبولة، إذ اعتقد سيغموند فرويد، على سبيل المثال، أن الإرضاع المفرط في مرحلة الطفولة يمكن أن يؤدي إلى ما يسمى الشخصية “المتقبلة فمويا”، أي الشخصية التي تستخدم فمها للإحساس بشكل أكبر من غيرها، فتميل لمضغ الأظافر وأشياء أخرى، ولم يكن لدى فرويد أي إثبات على صحة هذه الفكرة. وفي وقت لاحق، اعتبر بعض الباحثين قضم الأظافر وهوس نتف الشعر أشكالا خفيفة من إيذاء النفس، ووفقا لهذه النظرية فإن قضم الأظافر يعد مؤشرا لحقد الشخص على نفسه. لكن هذه الفكرة تفندها حقيقة أن معظم قاضمي الأظافر لا يعجبهم الضرر الذي تسببه هذه العادة لهم، بل إنهم يرغبون بالتوقف عنها. ومنذ تسعينات القرن الماضي، بدأ معظم علماء النفس بالتمييز بين الاضطرابات المتكررة التي تحدث أذى للجسد والأشكال الأخرى للاضطرابات الأكثر حدة في إيذاء النفس.

وبعد التوصل لفهم أفضل لهذا السلوك، يظهر سؤال إن كان ينبغي تصنيفه على أنه شكل من أشكال اضطراب الوسواس القهري (Obsessive Compulsive Disorder)، رغم معارضة العديد من علماء النفس لذلك. ويرى بينزل أن كلمة “وسواس” لا تنطبق بالضرورة على قضم الأظافر، فليس كل سلوك متكرر يكون قهريا. كما أن الأمور القهرية تترافق عادة بدرجات قلق بالغة، أما قضم الأظافر فيكون مصحوبا بالمتعة. ولكن المصابين باضطراب الوسواس القهري مؤهلين بشكل أكبر ليصبحوا من قاضمي الأظافر.

النظرية الجديدة: قضم الأظافر يساعد على توازن المشاعر

nail biting woman

توصل علماء النفس مؤخرا لنظرية أكثر قبولا حول قضم الأظافر، إذ أن هذه العادة تؤمن لفاعلها هروبا مؤقتا أو تسلية أو بعض المتعة أوالاسترخاء. ويشير بينزل إلى أن الأشخاص يلجأون لقضم أظافرهم عندما يشعرون بأنهم غير محفزين بما فيه الكفاية (كالشعور بالملل)، أو في حالات التحفز العالي (كالضغط الشديد أو الانفعال)، فعندما يكونون بحالة ملل فالفعل يؤمن لهم التحفيز والتنبيه، وعندما يكونون بحالة ضغط شديد فإنه يساعدهم على الهدوء، تماما كالنيكوتين، ويكون للعادة بذلك طور ثنائي، فهي تنشّط الذهن في أوضاع معينة وتساعد على تهدئته في أوضاع أخرى.

وفي دراسة أجرتها سارة روبرتس وزملائها من جامعة كويبيك الكندية في مونتريال، تم وضع الأشخاص الذين يقومون بقضم الأظافر أو نتف الشعر أو غيرها من السلوكيات المتكررة التي تحدث الأذى الجسدي في مواقف تم تصميمها لتثير الإحباط، كتكليفهم بمهام صعبة لا يمكن إنجازها في الوقت المحدد، أو مواقف تثير ضجرهم، كالبقاء في غرفة دون عمل أي شيء لفترة من الزمن، أو مواقف تثير القلق كمشاهدة مشهد تحطم طائرة مرعب من فيلم Alive، أو مواقف تدعو للاسترخاء كمشاهدة فيديو لشاطئ من على كرسي مريح. وبالرغم من كون هذه المواقف مصطنعة إلا أن سلوك المشاركين كان مثيرا للاهتمام من حيث الرغبة القوية لدى المشاركين في قضم أظافرهم. ووفقا لروبرتس يميل الأشخاص للقضم أكثر في المواقف التي يشعرون بها بضغط شديد أو تلك التي تبعث على الملل. وهي ذات النتائج التي توصلت لها دراسة أخرى حول الموضوع ذاته، وتعلق روبرتس “بدا من الواضح جداً أن الأمر يتعلق بتنظيم المشاعر والعواطف لأصحاب العادة”.

لم يلجأ البعض لقضم أظافرهم عوضا عن بدائل أخرى؟

Hands Nail Biting

ولكن لماذا يوفر قضم الأظافر أو نتف الشعر المتعة والتسلية أو الإلهاء؟ ولماذا يصبح الكثير من الأشخاص مدمنين على هذه العادات بدلاً من تطوير عادات أخرى؟

إحدى الإجابات المطروحة والمبنية على نتائج هذه الأبحاث تشير إلى أن الأشخاص الذين يعانون من الاضطرابات الجسدية المتكررة عادة ما تكون شخصياتهم ذات ميول نحو الكمال (Perfectionist)، فقد يكون قضم الأظافر الغير سليمة أو ذات الاعوجاج بهدف تقليمها أمر يمنح الشخص إحساساً بالكمال، فكلما قلّم أظافره شعر بإحساس يرضيه، إلا أن السعي وراء هذا الرضا هو ما يجعل الأمر في نهاية المطاف يخرج عن نطاق السيطرة.

ومن الممكن أن يكون الدافع وراء تقليم الأظافر والاعتناء بالنواحي الجسدية بشكل مفرط أمراً أكبر مما نعتقد. فالعديد من الحيوانات تفعل الأمر ذاته، بعض القطط مثلا تلعق نفسها بإفراط مما يؤدي لفقدان فروها، فيما تقدم بعض الخيول على عض خاصرتها بشكل متكرر.  وربما كان الدافع في التقليم يذهب إلى أبعد من نقطة المنفعة إلى الدرجة التي نسبب فيها الضرر لأنفسنا، وهي سمة يمكن تتبعها بالعودة إلى الأسلاف التطورية التي نتشارك بها مع الثديات الأخرى.

وهناك تفسير عادي وهو أن قضم الأظافر يتم لأن الأظافر موجودة وفي متناولنا. وبحسب علماء النفس فالإنسان يمكن أن يصبح مدمنا (نفسيا) على أي شيء، فأي نشاط يؤمن مكافأة يمكن أن يتعزز بمرور الوقت. وبالنسبة للعقل الذي يشعر بالملل فاليدان موجودتان دوما للتسلية، والأظافر تنمو مجددا لذلك هناك المزيد منها للقضم. وإذا قام المرء بهذا الأمر لفترة فإنه يتعلق به ويقوم به في كل الأحوال من ملل أو إجهاد أو إحباط ويعود لهذه العادة بحالة من اللاوعي.

ولكن كيف تتوقف عن قضم أظافرك؟

تختلف تقنيات علماء النفس بخصوص التخلص من هذه العادة، ولكنها تصب جميعا في اتجاه واحد وهو التعرف على الظروف التي تجعلك تقضم أظافرك أو نتف شعرك والعمل على تغييرها. فمثلا إن كنت تقضم أظافرك أثناء مشاهدة التلفاز، يمكنك حينها أن تمضغ العلك أو تستخدم يديك للعب بشيء ما. والأمر ذاته بالنسبة للمشاعر التي تجعلك تعض أظافرك، فإذا كان شعور الإحباط يجعلك تبدأ بذلك فعليك تغيير الظروف بشكل يشغلك عن القضم.

إن لم تتمكن من التوقف فهناك طرق أخرى مثل ملمعات الأظافر ذات الطعم المريع. وهي عديمة الضرر لكنها تترك في الفم طعما شديد المرارة لا يزول إلا بتناول شيء آخر.

ولكن بغض النظر عن التقنية المستخدمة، يجب أن تضع في ذهنك أن القضاء على الإدمان قد لا يأتي دفعة واحدة، فإذا عدت للقضم مرة أخرى فهذا لا يعني أن تستسلم كليا، فالامتناع عن القضم لفترات أطول فأطول يمكن أن يساعد في التخلص من هذه العادة تدريجيا  بحيث لا يبقى لها مكان في الذهن.

Follow us on Twitter @beopendotme

المصدر: Vox

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن