المجتمع الإقصائي: أن تعيش شبحاً في بلدك وإنساناً خارجه.. رحلة فتاة بدون من الكويت إلى نيويورك

mona kareem III

لطالما تساءلت منى عندما كانت طالبة في المدرسة لم لا تملك هي وعائلتها جوازات سفر، ولا يسافرون كغيرهم. منى كريم وعائلتها ممن يطلق عليهم في الكويت “البدون” (أي أنهم لا يحملون أي جنسية، وتأتي العبارة تصغيراً لـ “بدون جنسية”) وكغيرهم من البدون فهم ينحدرون من قبائل بدوية كانت ترتحل وترعى في المنطقة التي تشكل الآن الكويت والسعودية وسوريا والأردن والعراق.

عند استقلال الكويت عام 1961 لم يتقدم العديد من البدون لطلب الحصول على المواطنة فبعضهم لم يدرك أهمية الأمر والبعض الآخر كان أمياً أو لم يتمكن من إبراز الوثائق المطلوبة. ولسنين طويلة تمتع البدون بمعظم حقوق المواطنين الكويتيين، حتى عام 1986 حين قامت الحكومة الكويتية بتجريدهم من حقوقهم مما صعّب الأمور على جيل منى، ولا يلوح مؤشر في الأفق لحل مشكلتهم. وتعبر منى عن شعورها حيال ذلك في مقابلة مع مكتب مؤسسة تومسون رويترز في نيويورك فتقول “إنه أمر مذل أن تكون بلا جنسية… فأنت تشعر بالرفض من محيطك”.

untitled

كثيراً ما تحاول السلطات الكويتية تصوير قضية البدون باعتبارها مشكلة بيروقراطية بدأت مع إنشاء الدول وتفاقمت. إلا أن منى ترى بأن رفض الكويت تجنيس البدون يعكس أيدلوجية عنصرية تتبناها الدولة ضد البداوة فالقوانين والتبريرات الرسمية تتخذ من سور الكويت وعام ١٩٢١ مسطرة لتقرير المواطنة وهو ما يمكن ملاحظته في الصراع السياسي القائم في الكويت منذ ٢٠٠٩.

لم تكن منى، وهي من مواليد 1987، تعلم في طفولتها أن انتماءها لقبيلتها يعني حرمانها من حقوق المواطنة في الكويت، ذلك البلد التي ولدت وترعرعت فيه. وبدا لها أن زميلاتها في الفصل وحتى معلماتها يعتقدن بأنها لا تنتمي لهذا المكان. وفي المدرستين المتوسطة والثانوية طالما كان يلاحقها سؤال كيف يمكن للمرء أن يكون بلا جنسية؟ “شلون يعني بدون؟”، بنبرة قد تحمل إدانة في بعض الأحيان.

البدون في الكويت يأتون ضمن عشرة ملايين شخص عديم الجنسية حول العالم، وهم كما تفيد منى “لا يمكنهم الحصول على نفس المستوى من التعليم والرعاية الصحية المتاح للمواطنين الكويتيين كما لا يستطيعون توثيق زواجهم أو تسجيل المواليد الجدد”. إلا أن منى ترفض مصطلح “عديمي الجنسية” حيث تعتبره تفريغاً للمعاني السياسية لقضية البدون كما يخدم المصطلح محاولات السلطات الكويتية للتخلص من البدون بشراء جنسيات أخرى لهم. وترى أن قضية البدون لا تقتصر على أوراق قانونية بل أنها قضية سياسية تعنى بمحاربة الإقصاء والتمييز في الكويت على مستوى الدولة والمجتمع.

وتقول منى بمناسبة المنتدى العالمي الأول لانعدام الجنسية الذي أقيم في لاهاي بهولندا “هناك صورة نمطية سلبية عن البدون في المجتمع، لذلك تراهم يمتنعون عن كشف هوياتهم للآخرين. إلا أن روعة حراك البدون في الكويت خلال السنوات الأخيرة أنه أتاح لنا التحاور فيما بيننا كبدون والشعور بأننا لسنا وحيدين وضعفاء، فلا نرغب باسترجاع مشاعر الخجل التي فرضت علينا من قبل مجتمع إقصائي”.

mona kareem IV

ليس معلوما العدد الدقيق للبدون الكويتيين، إلا أن مفوضية شئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تقدرهم بأعداد تتراوح بين 93 ألفاً و120 ألف، في حين ترفع بعض المنظمات غير الحكومية هذا العدد إلى 140 ألفاً وفقاً لتقرير لوزارة الخارجية الأميركية في مارس 2014.

في عام 2011 حصلت منى على منحة دراسية لدراسة الدكتوراه في الأدب المقارن في جامعة بنغهامتون بولاية نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية. ولتستطيع السفر للولايات المتحدة، تمكنت منى من الحصول على جواز سفر خاص صادر عن وزارة الداخلية الكويتية، تصدره في بعض الأحيان لعدد محدود من البدون حيث يكتب تحت بند الجنسية “غير كويتي”.

كانت الولايات المتحدة من الوجهات القليلة المتاحة للدراسة، فوثائق السفر هذه غير معترف بها في العديد من بلدان الاتحاد الأوروبي وكذلك دول الخليج. وبعد إقامتها في نيويورك بفترة وجيزة انتهت صلاحية جواز سفرها ورفضت السفارة الكويتية تجديده بحجة أنها ليست مسؤولة عن البدون.

وتتحدث منى عن بعض الذكريات التي عاشتها ليست لكونها بلا جنسية فحسب، بل لأنها امرأة دون جنسية، كأن تقوم إحدى نقاط التفتيش على الطرقات في الكويت بإيقافها تتعرض للمضايقة والسخرية من قبل بعض رجال الأمن تصل في بعض الأحيان إلى التحرش… ولكونها بلا هوية وبلا حقوق فلا يمكنها الاعتراض على سوء المعاملة، فهي كالشبح في البلد الذي ولدت وربت فيه.

أما في الولايات المتحدة، فقد حصلت منى على رخصة قيادة من نيويورك كهوية تعريف أساسية، إلا أنها تتجول الآن في الولايات المتحدة بلا جواز سفر وبتأشيرة طلابية ستنتهي صلاحيتها قريبا، ويبقى أملها الوحيد هو بالحصول على اللجوء الذي تقدمت بطلب لنيله منذ عامين ولا تزال تنتظر الرد. فقد مضت قرابة الأربعة أعوام منذ أن رأت والديها وعائلتها المتواجدين في الكويت.

أصبحت منى معروفة للسلطات الكويتية كونها ناشطة تدير موقع “Bedoon Rights” الإلكتروني وهو موقع يوثق انتهاكات حقوق الإنسان التي يعاني منها مجتمع عديمي الجنسية في الكويت. تصف منى نفسها بأنها “حالة سياسية فردية تسبب الكثير من الصداع للسلطات الأمريكية” ثم تستطرد… “عليّ الإجابة على أسئلة والديّ حول موعد عودتي… وأنا لا أملك إجابة لهما. علي القبول بالواقع”.

Follow us on Twitter @beopendotme

Mona Kareem V

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن