بيبسي وكولا في المكسيك: عندما يتحول الصراع التجاري إلى تنافس طائفي

ومضات آلاف الشموع تضيء غرفة مظلمة، دخان البخور يملأ الأجواء، يقف على المعبد رجال يلبسون صوفا أسودا و سراويل بيضاء بطول الركبة ويقرعون الطبول منشدين أغانيهم الدينية،  يجلس تحتهم عدد من أبناء القرية في دوائر صغيرة  على الأرض المغطاة بالصنوبر. في وسط كل دائرة شموع وبيض وبخور وخمر موضوع في إناء زجاجي قديم، وبجانب هذا كله زجاجة نصف لتر من كوكا كولا أو بيبسي، وبين الفينة والأخرى يتوقف أحدهم عن الغناء ليأخذ رشفة سريعة. فمالذي يحصل؟ وما هي هذه الطقوس؟
Welcome to San Juan Chamula

سان خوان جامولا (San Juan Chamula) قرية صغيرة في ولاية جياپاز (Chiapas) المكسيكية في جنوب المكسيك. يسكن هذه القرية المعزولة جماعة لا يتعدى تعدادهم المئة ألف يطلق عليهم اسم التزوتزل (Tzotzil)، وينتسبون الى حضارة المايا القديمة. لهذه القرية استقلالية فريدة وغريبة عن بقية أرجاء وقرى المكسيك، فلها لغتها الفريدة، وشرطتها الخاصة، ويمنع دخول الشرطة المكسيكية أو الجيش إلى القرية.

ولهذه القرية ايضا طقوسها الدينية المميزة، فأهلها يشربون الخمر المحلي في الشعائر الدينية والاجتماعية بكثرة، فهو –بحسب اعتقادهم- الشراب الديني المقدس الذي يطهر الروح وينقّيها، حتى أن الرجال يتنافسون في مسابقات لتحديد الأقدر على شرب أكبر كمية من الخمر، وكل ذلك بتشجيع من وجهاء القرية من سياسيين وحتى رجال الدين في بعض الأحيان، لكونهم هم المتحكمون في صناعة الخمر وبيعه وتوزيعه، مما يجعلهم الأغنى والأقوى في القرية بطبيعة الحال.

هذا بدوره أدى إلى ارتفاع نسبة المدمنين على الخمر في سان خوان جامولا، وما يتبع إدمان الخمر من مشاكل صحية واجتماعية كثيرة، فظهرت الحاجة للبحث عن مشروب بديل يحل محل الخمر في الشعائر الدينية والمناسبات الاجتماعية، وفي النصف الاول من الستينات، وبعد مشاورات بينهم، قدم كبار القرية الشراب الجديد: الكوكا كولا.

Truck

منذ ذلك الحين وبشكل تدريجي، حلّت الكوكا كولا محل الخمر المحلي في حياة التزوتزل (Tzotzil)، وساهم وجهاؤهم في ترويج الكولا كبديل غير مسكر ويسبب التشجؤ في الوقت نفسه، وهو ما يؤمنون أنه يخرج الأمراض ويطرد الأرواح الشريرة من الجسم، لذا أصبح شرب الكولا تقيلدا أصيلا في حياتهم اليومية، وبطبيعة الحال حصل كبار القرية على حقوق بيع الكولا وتوزيعها بمباركة شركة كوكا كولا.

بعد انتشار كوكا كولا ونجاحها في استبدال الخمر المحلي، دخلت شركة بيبسي في المنافسة رغبة في الحصول على حصة سوقية تنافس بها غريمها التقليدي كوكا كولا، فمن وجهة نظر أي شركة لا يوجد هناك ما هو أثمن من أن يكون منتجها تقليدا دينيا واجتماعيا في أي مجتمع، لما يعنيه ذلك من استهلاك مرتفع ومستمر يؤدي لأرباح مجزية، ولاختراق احتكار شركة كوكا كولا على القرية، قام مندوبو مبيعات بيبسي بإغراء كبار القرية بحقوق بيع حصرية وجزء من الأرباح، ونجحت باستمالة بعضا منهم، فأصبح بيبسي أيضا مشروب بعض المجتمعات الدينية في هذه القرية، وجزء من حياة بعض التزوتزل (Tzotzil). دفع هذا التنافس المحموم بين الشركتين إلى تقديم المزيد من الإغراءات لوجهاء التزوتزل (Tzotzil)، فبدأت كوكا كولا بتوزيع ثلاجات وحتى قطع أثاث في بعض الأحيان، للمحافظة على علاقاتها مع باعة الكوكا كولا والمتحكمين بتوزيعها.

Woman selling coca cola

ولم تقف الأمور عند هذا الحد، فبدأت المشروبات الغازية بلعب دور مهم في السياسة المحلية لقرية سان خوان جامولا،  ففي موسم الانتخابات تحصل المحلات – التي قد تبيع كوكا كولا أو بيبسي، لكن ليس الاثنين معاً – على ما تريد من المشروبات الغازية مجانا، مقابل دعم مرشح معين، وبالمثل يحصل عليها الناس بالمجان من المحلات مقابل التصويت لذلك المرشح، ويحفظ هذا الوضع لكبار القرية الأثرياء سلطتهم علي القرية لتستمر الأمور كما هي دون تغيير يذكر.

يتجلى في هذه القرية تقاطع السياسة والدين والمال بشكل فريد من نوعه، فأصبحت الكوكا كولا والبيبسي جزءاً من الشعائر الدينية للقرية بمباركة الساسة ورجال الدين الذين جندتهم الشركتان لمساعدتهما في تحقيق المزيد من الأرباح بينما يحصلون هم على “الغنائم” من الشركات بما يحفظ نفوذهم ويوسّع جيوبهم. وكان من الفريد مشاهدة هذا الوضع الغريب الذي يشبه إلى حد كبير لعبة السياسة والطائفية، وقد لا يختلف عن الشركات التي تستغل الدين في إسمها أو شعاراتها للوصول لشرائح أكبر مستخدمة سلاح الدين، إلا أنه من المؤكد أن نموذج سان خوان جامولا، تلك القرية المكسيكية الصغيرة، تجاوز التنافس السياسي/الطائفي ليقدم نموذجاً لما قد تكون عليه المجتمعات إذا تركت للعبة الشركات التي لا تبحث عن شيء سوى المزيد من المال مستغلين بذلك السياسة والاقتصاد وحتى الدين. إلى أي حد يا ترى يمكن أن يتوسع هذا النموذج؟


Story via @Murad_Ah

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن