إيران والغرب: عمدة طهران يستبدل لافتات “الشيطان الأكبر” بلوحات بيكاسو ورامبراندت

Tehran Art III

من المعروف عن عمدة طهران، محمد باقر غاليباف (54 عاماً)، أنه كان قائداً سابقاً في الحرس الثوري الإيراني، وطيار متقاعد، ومرشح رئاسي لم يحالفه الحظ في جولتين انتخابيتين في 2005 و 2013. إلا أنه قد أضاف لقباً جديداً في الأسابيع الماضية وهو راعي الفنون والآداب، وذلك بعد أن أعطى تعليماته بأن تعرض نسخاً لأعمال فنية شهيرة، بعضها لفنانون غربيون مشهورون، على أكثر من 1500 لوحة إعلانية منتشرة في أنحاء مدينة طهران.

وبحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية، فقد استبدلت اللوحات الإعلانية في المدينة بين ليلة وضحاها، وبدلاً من أن تعتلي اللوحات، التي تملكها المدينة وتشكل مصدر دخل كبير لها، إعلانات لغسالات كورية أو إعلانات البنوك التي تضع معدلات الفائدة المصرفية (22% حالياً)، فقد اكتست اللوحات بنسخ للوحات فنية رسمها فنانون عالميون أمثال رامبرانت والمصور الفرنسي الشهير هنري كارتييه بريسون. 

ويمضي سكان طهران ساعات طويلة من يومهم وسط الطرق المزدحمة، وغالباً ما يغطون أفواههم وأنوفهم بكمامات لتفادي التلوث في المدينة، وقد دهش السكان ذات يوم عندما رأوا أعمالاً فنية جميلة لرسامين عالميين تعرض إلى جانب نسخ رسومات لفنانين إيرانيين مشهورين. ويقول حميد هارماز، 58 عاماً ويعمل سائق أجرة، وهو يتنقل بسيارته البيجو الصفراء وسط إشارات المرور “أصبح طريقي اليومي أشبه بمغامرة. فنحن اليوم نتناقش ونتحدث داخل سيارتي حول رسومات وأعمال فنية “.

وهذا بالضبط ما يسعى إليه هذا المشروع، بحسب مجتبى موسوي المستشار في هيئة تجميل مدينة طهران وهي المجموعة البلدية المسؤولة عن تزيين الجدران والحدائق العامة والساحات، كما يدخل في نطاق عملها اللوحات الإعلانية. ويضيف موسوي “تلك المناقشات تصب في صالح المشروع الفني الذي نتبناه. إن سكان مدينتا مشغولون بشدة في أعمالهم لدرجة لا تسمح لهم بزيارة المتاحف أو المعارض الفنية، ولذلك قررنا أن نحول طهران بأكملها إلى معرض فني كبير”.

عمدة طهران محمد باقر غاليباف

عمدة طهران محمد باقر غاليباف

ويقول رضا باقري، وهو مسؤول آخر في بلدية طهران، “لقد تلقف عمدة المدينة الفكرة بكل حماس، وكل ما نقوم به في هذا المشروع يتم تحت إشرافه. إن السيد غاليباف محب للفنون، وأصبح لديه، خصوصاً خلال السنوات الأخيرة، عشق للأعمال الفنية. كما أن إدارة مدينة كبيرة كطهران يتطلب تقديم أشياء أخرى بالإضافة للخدمات الأساسية. إذ يجب أن تكون تكون الثقافة والفنون جزء من هذه الخدمات أيضاً”، ثم أضاف “لا أقول ذلك لأني أعمل هنا في بلدية المدينة”.

 وأنت ترى نسخاً للوحات معبرة شهيرة معروضة في شوارع طهران، مثل لوحة” الصخرة” للفنان النرويجي مونش”. 

ويرى المحللون، بحسب النيويورك تايمز، أن هذا التحول المفاجئ نحو الفنون مبعثه دافع سياسي. وكما هو الحال في الولايات المتحدة حيث تستعد الأحزاب السياسية للانتخابات الرئاسية لعام 2016، يعرف عن غاليباف، رغم هزيمته مرتين في سباق الرئاسة، أنه سياسي ماكر وطموح.

وقبل أشهر أزالت بلدية طهران كل شعارات العداء للولايات المتحدة الأميركية، التي كانت تعتبر “الشيطان الأكبر” في أدبيات الثورة الإيرانية، من شوارع العاصمة والمدن الأخرى، في بادرة حسن نية قبل توقيع الاتفاق النووي الأوّلي بداية أبريل الماضي. كذلك شهدت إيران في الأشهر الأخيرة انتشار موجة “العازفين الشباب” على أرصفة العاصمة، كما في شوارع أوروبا وأميركا، في إشارة إلى تخفيف “القبضة الدينية” من قبل السلطات، كذلك في ما يشبه الغزل الموجّه إلى الغرب. ويقول المحللون “مع احتمال التوقيع على صفقة الاتفاق النووي مع القوى الكبرى في الصيف الحالي، ومع احتمال التقارب مع الولايات المتحدة، قد يسعى عمدة طهران إلى تقديم نفسه على أنه رجل المرحلة القادمة”.

وفي هذا السياق، قال المؤرخ وجامع الأعمال الفنية، حميد طاهري، 56 عاماً، “إن عرض الفنون أمام أعين أبناء الطبقة المتوسطة في طهران يعد محاولة واضحة لكسب رضاهم. ولا أعارض بالطبع هذه الخطوة، فمن الرائع أن تشاهد لوحات رائعة تزين أرجاء المدينة، إنه شيء فريد من نوعه”.

Tehran Art II

ومن بين اللوحات، التي اختارتها لجنة تابعة لهيئة تزيين مدينة طهران ، تشكل الأعمال الأجنبية نحو 30% منها، ومن ضمنها لوحات للرسام الأمريكي جون سينغر سارجانت والمصور والرسام الأمريكي لي فريدلاندر.

ويقول موسوي “من بين الأعمال المعروضة، اخترنا لوحات رسمها فنانون إيرانيون رحلوا منذ زمن، لأن بعض الأعمال لفنانين معاصرين قد تثير جدلاً وهو ما نسعى لتجنبه”،  ومن بين المعروضات صور لقطع من السجاد الإيراني القديم، ولوحات مستقاة من الملحمة الفارسية الشهيرة “شاهنامه“، فضلاً عن أعمال رسمها بهمن محصص، والمشهور بلقب “بيكاسو الفارسي”.

وقالت مانيجيه أكبري، 60 عاماً، مقيمة في الحي الغربي لمنطقة سعادت آباد في طهران “أحببت الفكرة، ولكن يجب أن لا تنسى المدينة ضرورة تنظيف الأرصفة أيضاً”.

وكانت الإعلانات قد منعت من قبل رجال الدين في السنوات التي أعقبت الثورة الإسلامية في إيران في عام 1979، فكانوا يفضلون اللافتات المؤقتة. وكان من أشهر ما عرض خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية لافتة كتب عليها “نقدم الدماء التي تسري في عروقنا هدية لقائدنا الغالي”، وكثيراُ ما زينت الجدران بلوحات جدارية تعرض لصور شهداء تلك الحرب، والتي قضى فيها 400 ألف شاب إيراني”.

ولكن سرعان ما حل مكان تلك اللافتات لوحات تجارية، إلى أن لاقت الخطوة الفنية الأخيرة ترحيباً كبيراً، فقال البعض أنهم لم يزوروا قط متحفاً، أو صالة فنون، إلا أنهم سعداء بالفن المعروض. وقال ماجد حبي، 19 عاماً طالب جامعي، “بالطبع شيء جميل أن أرى لوحات فنية عوضاً عن إعلانات تجارية، وسوف يشجعني ذلك، ولأول مرة في حياتي، على زيارة متحف، عوضاً عن الخروج لتدخين الأركيلة، وحسب”. 

Tehran Art

المصادر: New York Times، العربي الجديد

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن