سبر أغوار النفس في عمان: متى كانت آخر مرة انفصلنا عن مظاهر الحياة المزيفة وارتمينا في أحضان الطبيعة؟

summit

قلما يجد الإنسان منا فرصة للهدوء والتأمل وسط زحمة الحياة اليومية وصخبها، فسرعان ما ننغمس في أمورنا اليومية من مشاكل العمل إلى مسؤوليات المنزل مروراً بالمسؤوليات الاجتماعية، فلا نكاد نجد الوقت لأنفسنا، كما أن هناك الكثيرين ممن لا يمتلكون القدرة للتأمل والغوص في أعماق النفس.

تبدأ قصتنا في الكويت مع عزّان الزواوي، الذي سمع من أصدقائه عن التجربة الفريدة التي مروا بها بعد عودتهم من رحلة لإحدى المناطق الطبيعية في عمان، فشرحوا له أن الرحلة تستمر ليومين خلال عطلة نهاية الأسبوع ويتم قضائها بالطبيعة بشكل كامل، فيتم نصب الخيام وافتراش الأرض على أن يحمل كل مشارك أمتعته وزاده الشخصي خلال الرحلة. إلا أن ما أثار انتباه عزّان هو ما سمعه عن “التجربة الفريدة”، دون أن يستطيع أن يفهم ما هو السر في هذه التجربة، فقرر الالتحاق بإحدى هذه الرحلات إلى جبل شمس في سلطنة عمان ليكتشف بنفسه ذلك السر.

سياحة من نوع آخر

Ali+Samhan+procced+1

“كانت المرة الأولى التي أسافر بها ليس بغرض العمل ولا السياحة” كما يقول عزّان، مبيناً أن “السياحة التي اعتدنا عليها في مجتمعاتنا غالباً ما تأخذنا لعواصم عالمية لنجلس في أشهر مقاهيها لننظر للناس، ونبحث عن أفضل المطاعم لنستمتع بالأكل اللذيذ ونخبر أصدقائنا عن زيارتنا، ونقضي الساعات في التسوق من أشهر وأغلى الماركات”، مستدركاً “هذه المرة كنت على موعد مع سياحة من نوع آخر، سياحة وفرت لي كنوزاً من المعرفة الذاتية”.

وحول ما اكتشفه عن ذاته يقول عزّان “كانت الرحلة مزيجاً من المتعة والجهد البدني، إذ نستغرق أجزاءً كبيرة من اليوم في المشي لمسافات طويلة بين طبيعة خلابة رائعة الجمال، فتتيح لنا هذه التجربة الشاقة –أحياناً- اكتشاف آفاق قوتنا الجسدية وقدرتنا التحمل، فنكتشف قدراتنا الخافية أحياناً، وننحني أمام هيبة الطبيعة أحياناً أخرى”.

أما على الصعيد الروحي والذهني يقول عزّان “كنا محاطين بلحظات من الصفاء التام، والمتعة الأخاذة ببساطتها، فكنا منقطعين عن سائر العالم إلى حد كبير، كنت ألتحف نجوم السماء كل ليلة ويلفني هواء الطبيعة النقي فأعيش في وسط منظر ساحر، ليس أمامي تلفاز ولا هاتف، فتسكنني سعادة غامرة من هذه البهجة البسيطة. وكنت أعتمد في بقائي على أصدقاء جدد تعرفت عليهم للتو، فتضيف حتمية البقاء عنصراً مهماً في تقوية أواصر المجموعة وتساهم التجربة بحذف الأقنعة الاجتماعية وأن يكون الجميع مجرد بشر طبيعيون دون تكلّف، وهنا يبرز الفارق بين تجربة العيش بين أحضن الطبيعة والعيش في المجتمع والمدينة، وبين هذه المفارقات يبرز جمال الحياة البسيطة المبهجة”.

الدنيا لا تزال بخير

10934067_10155193120745343_5571612878087029117_n

شمايل الشارخ

بدورها رأت شمايل الشارخ، إحدى المشاركات في رحلة إلى الكهف الطهري بقطعة معروفة باسم هضبة سلمى بسلطنة عمان، أن المغامرة كانت “من أكبر التحديات التي واجهتها في حياتي، سواءً على الصعيد الجسدي لما تتطلبه الرحلة من لياقة عالية وقوة تحمل، أو على الصعيد الذهني من باب مواجهة المخاوف والتحديات خلال المسير”، مشيرة إلى أن مسار الرحلة تضمن السير بالقرب من هاوية تطل على واد عميق مما جعلها تشعر بالخوف “كان زملاء الرحلة يحثوني ويساعدوني على مواصلة السير والتغلب على الخوف، وهو ما دفعني للاستمرار، كما دعاني للإدراك بأن الدنيا لا تزال بخير، فهناك ناس يتسمون بالشهامة ويهتمون  لغيرهم دون أن يجبرهم أحد على ذلك”.

وحول الليلة التي قضتها المجموعة في الكهف تقول شمايل “كان الكهف فسيحاً والطقس في تمامه، وعند تأملي في الطبيعة والجبال والوديان والسماء من فوقي أدركت كم ارتباطنا كبشر بهذه الطبيعة الأخاذة، وبأننا جزء منها، نتناغم مع ظروفها فنقهرها أحياناً وتتغلب علينا أحيان أخرى، فأتاني الإحساس وأنا في رحم الطبيعة أنني مهما اعتقدت أني وحيدة، فإني لست كذلك وسط هذه الطبيعة”، وتضيف “رغم افتراشنا للأرض في تلك الليلة إلا أنها كانت من أجمل الليالي التي قضيتها”.

كيف بدأت الفكرة ومن أطلقها؟

10723980_847314401975347_1637286004_n

بدأت فكرة تنظيم الرحلات إلى عمان من خلال علي حسين، وهو شاب كويتي قضى سنوات من حياته بين الدراسة والعمل بين ولايتي كولورادو وألاسكا الأميركيتين، وهما ولايتان تشتهران بالجبال والتضاريس الصعبة والطبيعة الجميلة، فاستغل وجوده فيهما ليقضي جزءاً من وقته في المشي لمسافات طويلة واستكشاف الطبيعة فشعر بشغف عارم وهو يسبر أغوارها فأصبحت هواية محببة له.

وانتقلت ظروف عمل علي، الذي يعمل بالقطاع النفطي، به إلى أبوظبي حيث استقر في 2008، وقرر أن يعيد إحياء هوايته في استكشاف الطبيعة، فأخذ يسافر مع مجموعة من أصدقائه إلى سلطنة عمان ما بين عامي 2009 و 2012، فأعجب بعمان وطبيعتها الأخاذة وقرر الانتقال للعيش والعمل هناك وهو ما حصل. ويقول “بدأت أذهب في رحلاتي الاستكشافية وأضع صور المناظر التي أمر عبرها على موقع انستغرام، فلم يصدق أحداً أن تكون هذه المناظر في الخليج العربي، فقررنا أنا وبعض الأصدقاء أن نتوسع في رحلاتنا ونفتحها لعامة الجمهور وهو ما بدأناه في 2013 من خلال شركة أطلقنا عليها إسم husaak adventures، حيث شارك معنا في السنة الأولى 19 شخص فقط، وفي 2014 قفز الرقم ليصل إلى 250 شخص ذهبوا في أكثر من رحلة طوال العام”، مشيراً إلى أن الربع الأول من 2015 شهد مشاركة 200 شخص جديد ولم تعد الرحلات تقتصر على الكويتيون فبات يشارك بها أشخاص من دول الخليج الأخرى كالسعودية والإمارات.

وحول المحافظة على انسجام المشاركين في الرحلات خصوصاً وأنهم قد يكونون من خلفيات مختلفة ولم يسبق لهم التعارف يقول علي “هناك 3 قوانين رئيسية نطلب من الجميع أن يلتزم بها وهي عدم الحديث في السياسة والمواضيع السياسية لأن لكل شخص أفكاره، وعدم الحديث عن الدين والمذاهب، فكل شخص حر في معتقده، أما القانون الثالث فهو عدم الحديث عن العمل، فالجميع هنا للابتعاد عن أمور الحياة اليومية”، مضيفاً أن كل ما في الرحلة من شأنه أن يكسر حواجز الشخص ونظامه التقليدي، فكل شخص هنا مع آخرين غرباء عنه، ويأكل طعاماً مختلفاً عن ذاك الذي اعتادوا عليه، ويجهدون مع بعضهم البعض ويتعاونون ويعتمد كل منهم على الآخر، فتنشأ روح الفريق بين الجميع وتساهم في رفع المعنويات والروح الإيجابية، وهي روح جميلة معدية تتسلل إلى نفوس الجميع، متسائلاً “متى كانت آخر مرة تعرفنا فيها على أشخاص جدد؟ متى كانت آخر مرة انفصلنا عن مظاهر الحياة المزيفة وارتمينا في أحضان الطبيعة؟”.

بين استكشاف الطبيعة واستكشاف الذات

DRD_1341

وحول الدافع الذي يدعوه للاستمرار، يقول علي “ما يدفعني للقيام بهذه الرحلات هو التغيير الذي أراه في وجوه الناس خلال الرحلات، فتخلق تأثيراً إيجابياً فورياً وهو شعور جميل أن تتمكن من إسعاد الناس والتأثير في حياتهم، أما على الصعيد الشخصي فإني أشعر براحة البال وسط الطبيعة، وأدرك أني أحيي روح الاستكشاف في نفسي وفي نفوس الآخرين، وهي روح أصيلة لدينا كبشر فجميعنا مستكشفون، إلا أننا آثرنا ترك ذلك للتمسك بالمظاهر المادية للحياة، وهذه الرحلات هي فرصة للتواصل مع روح الاستكشاف التي بداخلنا”.

ويقول علي “الفكرة هي أن يخرج الشخص من دائرته ومخيطه الاجتماعي والتعبئة الذهنية التي اعتاد عليها في المجتمع، وأن تتعرف على الشخص بذاته وتعتمد عليه وتكسر الحواجز التي يضعها لأنك ترى فيه شخص آخر نقي وبسيط، فتعرف كل مشارك على شخصيته الحقيقية النقية الخالية من ترسبات المجتمع”.

يقول صديقنا عزّان “بينما نحن في طائرة العودة، كنت أنظر لكل من حولي من زملاء الرحلة وأستذكر كيف بدأنا هذه الرحلة كغرباء لا يعرف بعضنا الآخر، وها هي تنتهي بنا وكأننا عائلة واحدة. لقد تبدى لي أننا نعيش في فقاعة كبيرة. وأن العالم أكبر وأجمل من اهتماماتنا اليومية الصغيرة. وأن رحابة الحياة أوسع من أن نبقى أسرى لمظاهر اجتماعية زائفة نأخذها ذريعة لنمنع أنفسنا من ممارسة الحياة”، مختتماً “لقد منحتني هذه الرحلة الفرصة لأن أتحدى نفسي وأصل إلى إدراك أجمل وأعمق للحياة”.

Follow us on Twitter @beopendotme

20141219_070531

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن