مسجد فينيسيا الوحيد.. داخل كنيسة

Venice-church-to-mosque-butts

في صيف 1969 شهدت الكنيسة الكاثوليكية سانتا ماريا ديلا ميزيريكورديا المشيدة في حي كاناريجيو بمدينة فينيسا (البندقية) الإيطالية إقامة آخر قداس فيها، ومن بعدها تركت لتغدو مكانا مهجورا لا يرتاده سوى المدمنون ومرتكبوا الفواحش. وكانت الكنيسة قد بنيت في القرن العاشر حيث ضمت المستشفى الأول في البندقية بجانب دير يضج بالحياة، سرعان ما خلا من جميع الرهبان الذين حصدهم الطاعون في القرن الرابع عشر وفقا لتقويم مدينة البندقية. كما شهدت تلك الكنيسة مقتل البطريريك جيرمولا سافينا الذي دس له أحد الرهبان السم في النبيذ.

كيف تحولت الكنيسة إلى مسجد وأصبح الإثنان عملاً فنياً؟

1431681562186.cached

أصبحت هذه الكنيسة المهجورة والتي طواها النسيان حديث السكان والإعلام بعد قيام الفنان السويسري الآيسلندي كريستوف بوشيل باستخدامها لإنجازعمل فني يمثل مسجدا داخل الكنيسة ضمن فعاليات بينالي البندقية هذا العام.

لا زالت الكنيسة من الخارج تبدو كمكان عبادة كاثوليكي، تزينه النقوش اللاتينية وتماثيل القديسين وهم يحملون الصلبان. لكنها من الداخل أفرغت من رموزها المسيحية لتحل محلها نقوش الخط العربي التي زينت الجدران ومحراب يشير باتجاه القبلة. كما غطت الأرضيات الرخامية القديمة سجادة صلاة كبيرة باللونين الأحمر والأخضر، في حين تتدلى من السقف الخشبي ثريا من الكرات الزجاجية. وعلى الجدران لوحات تشير للزوار بوجوب خلع أحذيتهم قبل الدخول لمنطقة الصلاة، وقد زودت المنطقة الخلفية برفوف للأحذية. وفي مكان مجاور علقت أغطية الرأس للنساء ورفوف عليها نسخ من القرآن الكريم. في ركن آخر نرى ماكينة بيع آلية لعلب “مكة كولا” للمصلين ورواد المعرض الفني على حد سواء. كما تضمنت مراسم افتتاح المسجد في التاسع من مايو الماضي رفع الأذان أيضا.

أتت فكرة معرض “المسجد” بناءً على الأثر التاريخي الكبير للثقافة الإسلامية في مدينة البندقية بالإضافة إلى الآثار الاجتماعية والسياسية للهجرات العالمية المعاصرة. وفيما يشير تاريخ البندقية بأنها ازدهرت بفضل تجارتها مع الشرق وتأثرت بالفنون العربية والمعمار العربي واللغة، إلا أنها ورغم الروابط التي تجمعها مع العالم الإسلامي لم تسمح أبداً بإقامة مسجد في مركز المدينة التاريخي. بالمقابل فإن المجتمع الإسلامي الصغير في آيسلندا، التي تساهم في بينالي هذا العام من خلال هذا المعرض، بات جزءاً من النسيج الاجتماعي لأيسلندا، وهو يستعد الآن بعد إثنى عشر عاماً من الحوار الذي لا يخلو من الإثارة الإعلامية لبناء أول مبنى لمسجد في تاريخ العاصمة الأيسلندية.

ويقول كريستوف بوشيل إن الهدف من وراء هذا المعرض الفني، الذي جرى تصميمه بالتعاون مع عدد من القيادات الإسلامية في آيسلندا والبندقية، هو “تسليط الضوء على الطابع المؤسسي السياسي للتمييز والتحيز وسياسات الاستيطان التي تكمن في قلب الصراعات العرقية والدينية في العالم”.

التمييز يأخذ طابعاً مؤسسياً 

WST_8219

ويبدو أن ما سعى بوشيل لتسليط الضوء عليه قد حدث بالفعل، إذ أقلق استقطاب المسجد للمصلين السلطات المحلية، فحذرت بإغلاق المسجد في العشرين من مايو إذا لم يتم استخراج التراخيص المطلوبة. ووفقا لرسالة نشرتها الصحف المحلية من أبرشية كنيسة البندقية فإنه لا يجب أبدا استخدام كنيسة كاثوليكية لأغراض دينية غير كاثوليكية. وبحسب بطريريك البندقية فإن “الجناح الفني المقام في الكنيسة لا يعد مكانا للعبادة، حتى وإن كانت المواد الترويجية الصادرة في الأيام الماضية تقترح ذلك” في إشارة واضحة إلى الإعلانات المنشورة باللغات العربية والإنكليزية والإيطالية والتي  تروج للجناح الآيسلندي على أنه مكان لصلاة المسلمين.

وقد صرح محمد أمين الأحدب، رئيس المجتمع الإسلامي في البندقية لصحيفة الديلي بيست بأن السماح بافتتاح هذا المسجد كان مفاجأة للجميع ولكن إغلاقه سيكون ذا أثر سلبي إذ سيخلق المزيد من التوتر في المدينة. ووفقا للأحدب فإن تعداد الجالية المسلمة في مدينة البندقية يصل إلى عدة آلاف من نحو ثلاثين بلدا. ولا يوجد في المدينة مسجد واحد للصلاة، مما جعل مسلمي المدينة يرون في الجناح الآيسلندي أكثر من مجرد عمل فني.

 وكانت منطقة شمال إيطاليا المحيطة بالبندقية مرتعا للتوترات الدينية لفترة طويلة بقيادة حزب رابطة الشمال المعادي للأجانب، وقد عمل هذا الحزب بنجاح على منع بناء المساجد في العديد من مدن الشمال الإيطالي.

وفي الواقع فإن مجلس مدينة البندقية قام بمنح الإذن في أبريل لبناء وتجهيز المعرض الفني، ولكن المتحدث باسم المدينة صرح لموقع الديلي بيست بأنه لم يتم إعطاء إذن لبناء مكان عبادة. وقام مسؤولون في المدينة الأربعاء الماضي بتعليق لافتة داخل المسجد الكنيسة تحذر الزوار من أن “المكان ليس للصلاة” كما أنه “ليس على الزوار خلع أحذيتهم” في تناقض صارخ مع لافتات المعرض التي تدعو المسلمين للصلاة فيه. ويقول أمين الأحدب أن إماماً آيسلندياً يحل ضيفاً على المعرض سيؤم الناس في صلاة الجمعة هذا الأسبوع، وإن أخبرتهم المدينة بأنه لا يمكنهم الصلاة في الكنيسة، فإنهم لن يقاوموا. ويستطرد “لم يتم السماح لنا بمسجد في البندقية من قبل، فما الذي سيغيره إغلاق هذا المسجد؟”.

 Follow us on Twitter @beopendotme

المصدر: The Daily Beast، Biennial Foundation

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن