رواية “الطلياني” الفائزة بجائزة بوكر العربية: تقلبات القيم والسياسة والمجتمع في تونس الثمانينات

talyani

أعلنت مؤسسة الجائزة العالمية للرواية العربية عن جائزة “بوكر” لهذا العام والتي ذهبت لرواية “الطلياني” للكاتب التونسي شكري المبخوت. فعن ماذا تتحدث الرواية؟

رواية الطلياني تدور أحداثها في تونس وبطلها عبدالناصر، الملقب بالطلياني بسبب وسامته، فيسيطر على أحداث الرواية لغز اعتداء في مقبرة استهدف به عبد النّاصر جارَه إمام المسجد خلال دفن والده الحاج محمود أمام ذهول المعزّين. فيتكفل الراوي بتقصّي دوافع تلك الحادثة من خلال إعادة بناء الذاكرة الجريحة لـصديقه الطلياني مستعيدا وقائع تمتدّ من طفولته إلى ليلة الحادثة.

وتنقلنا الرواية في رحلة عبر حياة عبدالناصر الطالب اليساري الذي كان فاعلا وشاهدا، في الجامعة التونسية وخارجها، على الأحداث في تونس، فنعيش تاريخ عبدالناصر الطلياني في النضال السياسي ومغامراته العاطفية كخلفية لتأمل تاريخ تونس الحديث بكل تعقيداته، خصوصاً في فترة الانقلاب الذي قام به زين العابدين بن علي على الحبيب بورقيبة في أواخر الثمانينات، وهي الفترة التي تركز عليها الرواية. ونشاهد من خلال عبدالناصر أحلام جيل تنازعته الطموحات والانتكاسات والخيبات في سياق صراع بين الإسلاميين واليساريين ونظام سياسي ينهار، كما تلقي الرواية الضوء على التحولات في القيم وهو ما خلخل بنيان المجتمع التونسي أنذاك. فتكشف الرواية، من خلال عمل عبدالناصر الطلياني في عالم الصحافة، عن آليات الهيمنة والرقابة في المجتمع كما تكشف من خلال علاقات عبدالناصر العاطفية، خصوصاً مع زينة طالبة الفلسفة الطموحة، هشاشة الشخصيات وتواريخها السرية وجراحها الباطنية.

المؤلف شكري المبخوت

1-743597

ويقول المبخوت في حوارات أجراها أن فكرة الرواية جاءته من أحداث ثورات الربيع العربي، “بعد سنتين من الثورة تقريبا، استعدت مرحلة قريبة من تاريخ تونس شبيهة بمخاوفها وتقلّباتها وصراعاتها بما كنت أشاهد وأعايش أثناء فترة الانتقال من عهد الزعيم بورقيبة إلى عهد الرئيس بن عليّ إثر انقلاب 1987″، مشيراً إلى أنه أراد أن يطرح أمرين وهما: “لماذا أخفق جيلي ممن حملوا القيم الإنسانية بأن يكونوا في السلطة. ومحاسبة هذا اليسار التونسي الذي عجز أن يسأل السؤال حول الحرية”.

وفي حوار أجرته معه جريدة الجريدة، أشار في إجابته حول اسم بطل الرواية “الطلياني” وملامحه الخليطة بين الأندلسية والتركية، أنها “بعض خصائص فسيفساء تونس الثقافيّة والأجناسيّة الرائعة”، مبيناً أن “في الرواية أيضاً (زينة) البربريّة والمطبخ اليهوديّ والمعمّر الفرنسيّ الذي ترك أثراً، وغير ذلك. لكنّني أرى بلادي وليدة هذا التهجين مع عبقريّة خصوصاً في وسم الوافدين عليها كلهم بميسم خاصّ من القرطاجيّين الذين جاؤوا من لبنان إلى بقيّة الغزاة، وصولاً إلى الفاتحين العرب الذين نشروا الإسلام وقبائل الهلاليّين الذين زحفوا عليها فخرّبوها لكنهم عرّبوها نهائيّاً. هؤلاء كلهم كانت تونس تستوعبهم وتصهرهم لتصنع منهم شيئاً جديداً تغتني به هويتها. إنها في قلب المتوسّط تجمع الرياح لتحوّلها إلى طاقة حضارية خلاقة استثنائية”.

ويضيف “المشكلة أنّ ذاكرة التونسيّين مثقلة، وفي الوقت نفسه مصابة بداء النسيان، ومن دور الأدب والسرد الغوص في هذه الطبقات وتحرير الذاكرة الجماعيّة من قيود الانتماء المبهم”.

شكري المبخوت من مواليد تونس عام 1962. حاصل على دكتوراة الدولة في الآداب من كلية الآداب بمنوبة ويعمل رئيسا لجامعة منوبة. عضو في العديد من هيئات تحرير مجلات محكّمة منها مجلة “y التي يصدرها معهد الآداب العربية بتونس ومجلة Romano Arabica التي يصدرها مركز الدراسات العربية التابع لجامعة بوخارست، رومانيا. له العديد من الإصدرات في النقد الأدبي. “الطلياني” روايته الأولى.

آراء

Mzali_bourguiba_84

وبحسب بعض المشاركين على موقع Good Reads الذي يتيح للقراء تقييم الكتب، فقد أتت ردود الفعل متفاوتة، إذ أحد المشاركين في تعليقه إلى أن الرواية تعالج الحراك السياسي والطلابي داخل أسوار الجامعة قبل أن تتعرض للأحوال السياسية والاجتماعية في تونس إبان أفول شمس بورقيبة وبزوغ زين العابدين بن علي، مبيناً أن الرواية تطرح “ذلك التساؤل الأزلي المعلق بلا إجابة: لماذا تخيب الآمال؟”. مشيراً إلى أن لغة السرد “رائعة وراقية”، إلا أن “نمط السرد قد تكلف المؤلف اصطناع شخصية الراوي العليم وأشركه في الأحداث دون أن نرى وجه الراوي إلا في مفتتح الرواية وفي ختامها”. فيما رأى آخر أن “بناء العمل جاء جيداً في مجمله، مترهلاً في عدة مواضع بلا جدوى فنية، كما رسمت الشخصيات الرئيسية ببراعة وعناية، بينما أتت شخصيات أخرى مكملة ظهرت كأطياف بلا دور ولا ملامح”.

تتكون لجنة تحكيم جائزة بوكر العربية من الشاعر والكاتب الفلسطيني مريد البرغوثي، رئيساً، والشاعرة والناقدة والخبيرة الإعلامية البحرينية بروين حبيب، والأكاديمي المصري وأستاذ الأدب المقارن في جامعة لندن أيمن الدسوقي، والناقد والأكاديمي العراقي وأستاذ الأدب المقارن في جامعة بغداد نجم عبدالله كاظم، والأكاديمية والمترجمة والباحثة اليابانية كاورو ياماموتو.

وعلاوة على الجائزة المالية، فإن الجائزة تعمل على التعاقد لنشر الروايات العربية الفائزة بلغات أخرى، وقد تم بالفعل نشر سبع من الروايات الثماني الفائزة خلال السنوات الماضية في ترجمات إنجليزية، وبصفة إجمالية فإن الروايات الفائزة أو المدرجة على القوائم القصيرة للجائزة منذ عام 2008 قد تمت ترجمتها إلى ما يربو على 20 لغة من لغات العالم. وقد تم التعاقد مؤخراً على إصدار رواية “فرنكشتاين في بغداد” لأحمد سعداوي الفائزة بالجائزة عام 2014 باللغة الإنجليزية في خريف 2016 عن دار وون ورلد في المملكة المتحدة ودار بنجوين في الولايات المتحدة. وقد صدرت رواية “ساق البامبو” للكويتي سعود السنعوسي الفائزة بالجائزة عام 2013 في بريطانيا في أبريل 2015 عن دار بلومزبري – مؤسسة قطر للنشر.

Tunisia000

المصادر: Al Jarida، International Prize for Arabic Fiction، Good Reads

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن