سلطنة: أثر الفنون الدينية في غناء أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب

أم كلثوم مع الشيخ أبو العلا محمد

أم كلثوم مع الشيخ أبو العلا محمد

ملخص لموضوع "عن أثر فني الإنشاد والتلاوة على الغناء الطربي الدنيوي" لفادي عبدالله من موقع معازف:

لم تكن أم كلثوم، بخلاف الأسطورة الشائعة، المرأة الأولى التي تؤدي القوالب الموسيقيّة العالمة التي يفترض أنّها كانت قبلها حكراً على الرجال. فمنيرة المهديّة مثلاً قدمت إلى جانب طقاطيقها المشهورة ومسرحها أدواراً وقصائد موقعة، وذلك أرقى وأعقد فنون الموسيقى المصريّة العالمة. غير أن أحد أوجه تميّز أم كلثوم يأتي من أنّها أول امرأة تؤدّي الغناء “الدنيوي” –إن صح التعبير- بعد أن تدرّبت موسيقيّاً على الفنون الدينيّة، وبالتحديد: التواشيح والمدائح، إذ لا يبدو أنها كانت مقرئة رغم إلمامها بالتلاوة (راجع الفيديو أدناه). ويعني ذلك أنّها كانت قادرة على استدخال تقنيات وجماليات فن الإنشاد كما عرفته الدلتا المصرية (وهو مختلف عن الإنشاد الديني الصعيدي أو الشامي) إلى فنون الغناء الدنيوي، في حين أن العوالم الأخريات أتين من عالم الغناء الخفيف حتى وإن قمن أحياناً بتأدية غناء أكثر تعقيداً، بكفاءة، مما ميز أسلوب غناء أم كلثوم عن غيرها.

أما محمد عبد الوهاب، وهو ابن لمؤذن ومقرئ، فقد تتلمذ على أيدي الشيخ درويش الحريري في الموشحات، بالإضافة إلى تتلمذه على يد العلم الأبرز في الإنشاد والتلاوة الشيخ علي محمود. ويمكن للمستمع المدقق أن يلاحظ احتمال صدق القصة التي تقول أنه لجأ إلى الشيخ علي محمود بعد أن استعصى عليه تلحين “أنا هيمان” من أغنية الكرنك (راجع الفيديو أدناه في الدقيقة 15)، إذ يعثر فيها المرء على خروج تام من مناخ الأغنية إلى أداء مشايخي مخصوص قبل العودة إلى رومانسية اللحن الوهابي. والحق أن الأداء المشايخي ولعبه بالإيقاع لم يكن غائباً عن عبد الوهاب، كما في تسجيله شاباً لموشح ملا الكاسات لمحمد عثمان.

مقطع "أنا هيمان" من أغنية الكرنك لمحمد عبدالوهاب، لاحظ ملامح الإنشاد الديني بين الدقيقة 14:30 و 9:30

ولئن استمرت أم كلثوم فترة أطول من عبد الوهاب، أي حتى 1939، في تأدية قالب “الدور” من ألحان داود حسني وزكريا أحمد، فإنها وعبد الوهاب قاما بتغيير كبير لأنماط الموسيقى الشائعة، مبتعدين عن القوالب العالمة والغناء المسرحي، مركزين بالمقابل على المونولوج والطقطوقة والقصيدة الملحنة، كما غنى عبد الوهاب أيضاً المواويل الملحنة. فيما تمت التضحية بالغناء المتنوّع اجتماعيّاً، كما في مسرح سيّد درويش، لصالح الغناء العاطفي الرومانسي حصراً.

maxresdefault

عبدالوهاب والشيخ محمد عمران

هناك دوماً احتمالات للتخصيب المتبادل بين أنواع الفنون الموسيقيّة على تنوّعها، فمثلما كان للإنشاد والتلاوة آثار بينة على الغناء المصري في مرحلة النهضة ومرحلته الكلثوميّة/الوهابيّة، فقد عادت موسيقى محمد عبدالوهاب والقصبجي ورياض السنباطي أداء المنشدين والمبتهلين كما يبدو في أسلوب أحد ابرز المتأخرين منهم الشيخ محمد عمران.

مقطع نادر للشيخ محمد عمران يؤدي موالاً  (يبدأ في الدقيقة 7) بمعية الموسيقار محمد عبدالوهاب وعازف الكمان عبده داغر ويلاحظ سلطنة وانبهار عبدالوهاب وإعجابه بأداء الشيخ وتواضع الشيخ في حديثه في النهاية من أنه "يؤدي أمام الأستاذ محمد عبدالوهاب"

هناك حتماً مجال لتلمس كيف انتقت أم كلثوم وعبد الوهاب أسلوب الأداء المختلف، المتأني والأبطأ والأكثر سيطرة على الصوت والعرب، وتطوروا إليه، وذلك استناداً لتنشئتهم في ظل مدرسة الإنشاد الديني، وقد يتيح هذا الأمر بناء شجرة أنساب موسيقية جديدة لا تبدأ من سيد درويش بطبيعة الحال (رغم أنّه لحّن عملاً اسكندراني الطابع، بحسب وصف عبد الوهاب، للشيخ علي محمود مثل إن ميلاد الرسول“)، بل شجرة أنساب تضرب جذورها إلى قرن أسبق، أو يزيد.

Follow us on Twitter @beopendotme

78d80dcc-c1ec-4219-87f5-c588c3bdcb65

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن