كيف ارتقى محمد بن سلمان إلى تراتبية الحكم في السعودية خلال ثلاثة أشهر؟

9b219c68-ad24-4161-a631-49bec429d5df

“بعد أن اتضحت قدراته للجميع من خلال كل الأعمال والمهام التي أنيطت به، وتمكن –بتوفيق من الله- من أدائها على الوجه الأمثل”، كانت هذه هي الأسباب التي ساقها الأمر الملكي الصادر بتعيين االأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولياً لولي العهد في المملكة العربية السعودية، فأضحى الأمير الشاب في طريقه إلى حكم المملكة في المستقبل.

لقد كانت الأشهر الثلاثة الماضية بمثابة “بروفة” لمحمد بن سلمان اكتسب منها الكثير، فأصبح وزيراً، ورئيساً لديوان الملك، وخاض حرباً، ولعب دوراً إعلامياً واجتماعياً في تلك الحرب، وتعاطى مع السياسة الخارجية، وعزل وزراء وأتى بآخرين، فيما كان يشبه التهيئة لدوره القادم الأكبر، فهل أتت هذه الأدوار لتهيئته؟ أم أنه هيأ الظروف لخلق اسم له وخبرة عملية تؤهله لذلك الدور الأكبر؟ ومن هو هذا الأمير الشاب الثلاثيني؟ وكيف ارتقى من شخص غير معروف نسبياً إلى ثالث أهم منصب في أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم؟

موقعه في العائلة

Mohammed bin Salman, Salman bin Abdul-Aziz

في الحقيقة أن عمر محمد بن سلمان لا يزال في طور التخمين، إذ تشير تقديرات إلى أنه يبلغ من العمر ما بين 30 و35 عاماً، دون خبر أكيد حول ذلك (يرجح أنه 34)، إلا أن ما يبدو أكيداً هو أن وصول محمد بن سلمان إلى هذا الموقع لم يكن محض صدفة، بل ضمن مسار مهني محدد وضعه والده الملك سلمان الذي يبدو شغوفاً بنجله، إذ يعزى الصعود السريع للأمير الشاب للعلاقة القريبة جداً التي تجمعه بوالده الملك والتي جعلته يحظى بموقع مميز دوناً عن إخوته.

ويعد محمد بن سلمان الإبن السادس للملك سلمان، والإبن الأكبر لزوجته الثانية فهدة بنت فلاح بن سلطان آل حثلين العجمي، إذ تشير بعض المصادر إلى أن للملك “ما لا يقل عن 12 إبناً من ثلاث زوجات”، إلا أنه يتمتع بموقع أبرز من إخوانه غير الأشقاء ممن يكبرونه سناً والبعيدين نسبياً من دوائر الحكم، فمنهم الأمير سلطان (58 عاماً)، وهو رائد فضاء سابق ويتولى حالياً ملف السياحة في المملكة، بينما قضى عبدالعزيز (55 عاماً) حياته المهنية في وزارة البترول والثروة المعدنية وقد تمت ترقيته في يناير لمنصب نائب الوزير. وفي الحالتين فإنهما مرؤوسين من قبل أخيهم الأصغر بحكم عضويته في مجلس الوزراء ومناصبه الأخرى.

وقد درس الأمير الشاب القانون في جامعة الملك سعود، ليكن بذلك أحد القلائل من جيله في العائلة ممن لم يواصل دراستهم الجامعية في الخارج مما جعله أكثر قرباً من والده خصوصاً بعد اعتلال صحة الأخير.

من أين أتى محمد بن سلمان؟

بدأ بزوغ نجم محمد بن سلمان مع تولي والده للحكم في يناير 2015 فتم تعيينه وزيراً للدفاع ورئيساً للديوان الملكي، وهما منصبان لهما قوة هائلة في نظام ملكي مطلق كالسعودية، خصوصاً إذا ما كانت هناك مخاوف حول صحة الملك وقدرته على العمل. وبمجرد تقلده هذان المنصبان، فقد رأس محمد بن سلمان الحرس الملكي ويسيطر كذلك على القوات المسلحة من خلال منصبه كوزير للدفاع، وهي مناصب تتبعها أجهزة إدارية ومالية وميزانيات ضخمة تتحكم بمفاصل مهمة في المملكة.

0363b83c-60ef-43fa-a45e-7cf4663859a1وقد وجد الأمير الشاب نفسه في الصفوف الأمامية للحرب التي انطلقت باليمن تحت مسمى “عاصفة الحزم” بعد شهرين من استلامه حقيبة الدفاع، وهو الذي لا يمتلك خبرة سياسية أو عسكرية تذكر قبل تولي والده الحكم. وتمتد خبرته العملية لعشر سنوات، وكان أول المناصب العامة التي تقلدها عام 2007 كمستشار متفرغ بهيئة الخبراء في مجلس الوزراء إلى أن تم تعيينه في 2009 مستشاراً خاصاً لوالده، الذي كان أميراً للرياض أنذاك، قبل أن يصبح في 2013 رئيساً لديوان والده الذي أصبح ولياً للعهد. وفي إبريل 2014 تم تعيينه وزيراً للدولة وعضواً في مجلس الوزراء قبل أن يعين وزيراً للدفاع ورئيساً للديوان الملكي مع اعتلاء والده لسدة الحكم في 23 يناير 2015 خلفاً للملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز. كما تم تعيينه رئيساً لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية وعضواً في مجلس الشؤون السياسية والأمنية، وهي مناصب هامة لشاب في مقتبل حياته السياسية، إلا أنه من الواضح أن الملك كان يعد نجله ليكون ملك المستقبل.

ومع التغييرات الأخيرة في المناصب، لم يعد محمد بن سلمان رئيساً للديوان الملكي، إذ تم تعيين حمد السويلم لخلافته، إلا أنه لا يزال يحتفظ بمناصبه الأخرى علاوة على دوره الجديد ولياً لولي العهد والملك القادم بعد محمد بن نايف. ومؤخراً، أصدر الملك سلمان بن عبدالعزيز، والد محمد، أمراً ملكياً يقضي بضم الديوان الملكي مع ديوان ولي العهد في جهاز واحد، كما وافق مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الذي يرأسه محمد بن سلمان على إعادة هيكلة شركة أرامكو النفطية وفصلها عن وزارة البترول، وتم تشكيل مجلس أعلى للشركة برئاسة محمد بن سلمان.

ورغم عمره الصغير نسبياً، فإن هذا لم يعد مستغرباً في الشرق الأوسط، إذ سبق للأمير الراحل سلطان بن عبدالعزيز أن تولى وزارة الدفاع وهو في عمر الحادية والثلاثين، كما تولى الرئيس السوري بشار الأسد الحكم وهو في الخامسة والثلاثين، وتولى الملك عبدالله حكم الأردن وهو في السابعة والثلاثين، وصعد الأمير تميم بن حمد آل خليفة إلى سدة الحكم وهو في الخامسة والثلاثين من عمره.

وقد حرص محمد بن سلمان على إظهار نفسه في الإعلام السعودي –الذي يملك والده جزء كبير منه- على أنه قائد لجيل الشباب من السعوديين، إذ يرأس عدداً من المؤسسات الخيرية ذات الاهتمام بقضايا الشباب، وقد يتيح له ذلك الحصول على تأييد أكبر شرائح المجتمع السعودي متمثلة بالشباب.

الوجه الجديد للسياسة السعودية

ويرى بعض الخبراء أن الدور المتنامي للأمير محمد بن سلمان في السياسة السعودية يعكس التحول في السياسة الخارجية للمملكة، فبالرغم من صرفها للمليارات لتطوير قواتها ومنشآتها العسكرية على مر السنوات، إلا أن المملكة كانت دائماً ما تعظم نفوذها من خلال الدبلوماسية والثروة الكبيرة التتي تتمتع بها. ويرى البعض أن هذا التحول يأتي انعكاساً لما يشعر به الجيل الجديد من الأمراء السعوديين المتعطشين لتأكيد قوة المملكة ونفوذها في المنطقة، على عكس من سبقوهم.

ويقول عبدالخالق عبدالله، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الإمارات العربية المتحدة “يبدو أن هذا الجيل أكثر ثقة بنفسه، فتراهم حريصين على إبراز القوة العسكرية للمملكة ووضع حد لما يرونه تعاظماً للدور الإيراني في المنطقة على حساب النفوذ السعودي”، وأشارت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في تقرير عن محمد بن سلمان أن “القيادة الجديدة الشابة للمملكة لها استراتيجية جديدة قائمة على تصحيح ما تراه على أنه أخطاء في سياسات الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز”.

صعوده لدائرة القرار

من مظاهر بروباغاندا الحرب في السعودية

من مظاهر بروباغاندا الحرب في السعودية

CENTCOM

عند تولي الملك سلمان لسدة الحكم في يناير، كان الأمير الشاب محمد بن سلمان شخصية غير معروفة للعالم ولبعض الفئات في المجتمع السعودي، إذ لم يكن له نشاط سياسي واسع ولم يكن له تواصل مع شركاء المملكة في العالم. ومنذ يناير حتى الآن، حقق محمد بن سلمان الكثير على صعيد تعريف المجتمع به، إذ تم تعيينه وزيراً للدفاع، واتخذ موقعاً قيادياً في حرب المملكة على الحوثيون في اليمن، وقد رافق ذلك ظهوراً إعلامياً مكثفاً له على شاشات التلفزيون السعودي والصحافة المحلية، كما وضعت صوره على بعض اللافتات في الشوارع العامة، مما عزز موقعه كشخصية رئيسية في دوائر القرار في المملكة.

MTY_9352

وسرعان ما اكتسب محمد بن سلمان خبرة في مواقعه الجديدة، إذ أشارت هآرتس في تقريرها أنه اجتمع قبل بدء “عاصفة الحزم” بالرئيس السوداني عمر البشير في الرياض، وبالرغم من تحالف البشير مع إيران، إلا أن الأمير الشاب قد استطاع إقناعه خلال الاجتماع الذي استمر لساعتين بتغيير موقفه والانضمام للعمليات العسكرية ضد الحوثيين. وذهب البشير إلى أبعد من ذلك بطرد ممثلي إيران من السودان، ولم يعرف تحديداً ما قاله الأمير للبشير، إلا أنه من الواضح أن دوره القيادي في المملكة بات يأخذ دوراً كبيراً في فترة وجيزة.

وخلال أسابيع قليلة، زار محمد بن سلمان البحرين لدعوة الملك حمد بن عيسى لزيارة الرياض، وزار القاهرة لعقد مباحثات مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، كما نشرت وسائل الإعلام السعودية صوراً له في اجتماعات مع رئيس القيادة المركزية الأميركية في المنطقة الجنرال لويد أوستن، والسفير الأميركي لدى الرياض، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير. كما التقى وفداً من قيادات الحزب الجمهوري في الكونغرس الأميركي يتقدمهم رئيس مجلس النواب جون بينر.

كما يرى البعض أن الأمير محمد، بصفته رئيساً لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، هو المسؤول عن الاستغناء عن وزيري الإسكان والصحة في الحكومة بسبب عجزهم إدارياً عن تلبية المتطلبات التي يضعها لحل المشكلات الملحة.

تساؤلات حول المستقبل

JAB_2213

محمد بن سلمان يزور جرحى الجيش السعودي في عملية عاصفة الحزم ويبدو ولي العهد محمد بن نايف خلفه

وبرغم ما تنشره بعض وسائل الإعلام العربية عن نجاحات الحرب في اليمن والتأييد الكبير الذي تحظى به العملية في السعودية، إلا أن الواقع يرجح عدم تحقيق تقدم مهم على أرض الواقع، فمع الأعداد المتزايدة للقتلى المدنيين، لا يزال الحوثيون يسيطرون على أنحاء كبيرة من صنعاء ويواجهون صعوبات في السيطرة على مدينة عدن الساحلية، كما أن قوات الرئيس عبدالربه هادي من الضعف بمكان أنها لا تستطيع مقاومة السيطرة الحوثية على صنعاء ومدن أخرى رئيسية.

وفي مقابل ذلك فإن العالم الخارجي يراقب ما يقوم به الأمير الشاب لصنع إسمه وتاريخه في صراع لم يفض في الماضي إلى نصر واضح لجهة على أخرى، إذ عادة ما تكون اليمن مستنقعاً للحروب التي لا تنتهي أو لا تفض إلى نهاية واضحة.

في ظل ذلك فإن المملكة تواجه تحديات كبرى محلية على المدى الطويل قد تطغى على النزاعات الإقليمية الحالية، بما في ذلك معدلات البطالة المرتفعة لدى الشباب، ومعدلات الإنفاق المرتفعة للدولة، بالإضافة إلى التوتر بين الجماعات المحافظة والجماعات الأكثر انفتاحاً في المملكة، وهي جميعها تحديات سينبغي على الأمير محمد بن سلمان وولي العهد السعودي محمد بن نايف مواجهتها كونهما ثنائي الحكم الأبرز اليوم في الرياض.

إن التساؤلات المحيطة بمشهد الحكم في السعودية تفوق الإجابات المتوفرة، ففي ظل حكم ثنائي آل سعود الجديد المتمثل بمحمد بن نايف ومحمد بن سلمان تعيش المملكة تغييرا في سياستها الخارجية، فهل سيواكب ذلك اهتماماً بالتحديات المحلية الأكثر إلحاحاً؟ وفي ظل الرمال المتحركة في صراعات دوائر الحكم فهل سيبقى الوضع على ما هو عليه لمحمد بن سلمان ويقود المملكة لمرحلة جديدة عند استلامه الحكم؟ أم يلقى مصير عمه مقرن الذي “طلب إعفاءه من منصبه” كولي للعهد ليخرج خالي الوفاض؟

Follow us on twitter @beopendotme

mohammed bin salman

المصادر: Brookings Institute، Reuters، Vocativ، Business Insider، Haaretz، Shorouk News

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن