زينوا القرآن بأصواتكم: صراع الكلمة والنغم في تلاوة القرآن

ModernEgypt,_Farouk_I_during_Ramadan,_DHP13655-30-14_01

من موضوع لعبدالرحمن مصطفى* على موقع معازف

ليس من السهل الحديث مع الشيوخ المقرئين حول تلحين القرآن فبعضهم لا يسعد بهذا الحديث ويرفض الحديث عن علاقة التلحين بالموسيقى معللاً بأن هناك قواعد تضبط الحديث عن القرآن وقواعد تلاوته. وهذا ليس مستغرباً في سياق العلاقة القديمة بين الموسيقى والنص القرآني، إذ تقوم العلاقة على صراع بين مجموعة من آراء الفقهاء، ومجموعة من الأحاديث النبويّة تهدف إلى ضبط قواعد التلاوة، بحيث لا تتحكّم الموسيقى أو اللحن في النص القرآني وطريقة نطقه أو تلاوته.

أما الحل الوسط الذي يقترحه بعض المحافظين، ففي حلاوة الصوت، واعتبار الصوت أداةً لتزيين النص القرآني، بينما تأتي حلاوة النغم في موضع هامشي. ويقول الحديث النبوي “الله أشد أُذُنَا إلى قارئ القرآن من صاحب القَينَةِ إلى قَينَتِهِ” والمقصود أن الله أشد استماعاً إلى قاريء القرآن من استماع صاحب الجارية التي تغني إلى غنائها، وبهذا المنطق تتحول أصوات المقرئين إلى مزامير مثلما يروّج الموروث الإسلامي عن النبي داوود، الذي أوتي من حلاوة الصوت ما يجمع الإنس والجن والطير أثناء تلاوته للنصوص المقدّسة.

إلا أن الأمر بات يتجاوز الاكتفاء بالتركيز على جمال الصوت، ويمتد إلى إرهاب من يفكر في الانتصار للألحان والموسيقى ومن يفكر في جعلها أداة تتحكّم في النص القرآني. وهنا تبرز أحاديث نبويّة تثير الفزع في نفوس المتجرئين، منها على سبيل المثال قول النبي: “إقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الكِتابَينِ وأهل الفسق، فإنه سيجيء أقوام يُرجِعونَ بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم”. يستند كثير من أعداء التطريب بالقرآن إلى هذا الحديث، ويرون أن تلاوة القرآن المثاليّة هي تلك التي يعبر عنها شيخ مثل عبدالرحمن السديس إمام الحرم المكي ومن يستخدمون ذات الأسلوب، حين يتلون القرآن في صلاة التراويح من مقام واحد. وهنا يبرز سؤال: كيف ظهر من يعادون استخدام المقامات الموسيقيّة وإجادتها، في حين أن كبار المقرئين المحترفين تعلموها وتدربوا عليها؟

وهناك أساتذة في علوم المقامات، كالأستاذ أحمد مصطفى كامل وهو أحد جامعي تراث المقريء الشيخ مصطفى اسماعيل، يهتمون بعلوم المقام، فقد تدرب على يد كامل قراء محترفون منهم منهم ياسر الشرقاوي الذي كان تدريبه عبارة عن تكرار لآية، مرة يقرؤها من القرار، أي الصوت الغليظ، ومرة من الجواب، أي الصوت الأكثر حدّةوفي منزل كامل كان الطرب يغلف الأجواء، فأصبحت قضيّة الطرب أكبر من قضية الاهتمام بقواعد النطق، إذ يرى البعض أنها قضية مدربين آخرين يدربون على قواعد النطق المتصلة بالتلاوة، مثل كيفية مد بعض الحروف، وإدغام حروف أخرى، وهو ما يعرف بعلم التجويد.

وفي المقابل يعادي أبناء التيار المحافظ هذه الأجواء، حيث تبرز آراءهم في المنتديات الدينيّة، وفي تعليقات أسفل فيديوهات تعرض حالة الطرب بين جمهور القراء العظام. ولا يخلو الأمر من نزعة شعوبيّة، حين ينتفض أبناء التيار المحافظ لنماذج من شيوخ سعوديين، يتلون القرآن بالحد الأدنى من التلحين، بينما يدافع المصريون عن أنفسهم، مستندين في ذلك إلى أن الكثير من القراء الخليجيين قد أجيزوا على يد شيوخ مصريين، في محاولة منهم لمنع أي مزايدة على اتقان الشيوخ المصريين لقواعد التلاوة.

ويبدو أن الأمر أقدم من هذا الجدل الحديث، إذ يذكر الإمام القرطبي (توفي 617 هجرية/ 1220 ميلادية) في كتابه “الجامع لأحكام القرآن” قائلاً: “الذين يقـرؤون أمام الملوك والجنائـز، ويأخذون عـلى ذلك الأجـور والجـوائـز، ضـل سعيهم، وخـاب عـملهـم”. وكان يقصد القراء المصريين تحديداً إذ عرف عنهم ذلك.

ويمكن إيجاز القضية محل النزاع بين التيار المحافظ والتيار الأكثر تصالحاً مع الموسيقى في أمر هام وجذري، وهو ألا يكون هناك خرق لقواعد النطق والتلاوة أثناء القراءة، بمعنى ألا يكون استخدام مقام موسيقي سبباً في مد حرف مدّاً زائداً، أو في تغيير نطق حرف من الحروف، أو أن يقف المقرئ في مواضع تغير المعنى، كأن يقف على جملة ولا تقربوا الصلاةمن الآية من دون استكمالها، ويغلف كل هذا رؤية أشمل، تعتبر مثل تلك الخروقات، استهتاراً بمضمون النص القرآني المقدس.

نحن هنا أمام أطياف من التعامل مع النص، أغلبها يُجمع بشكل قاطع على رفض فكرة التلحين ذات الطابع الغنائي للقرآن، أو التشبه بالترانيم المسيحيّة التي تخضع النص إلى اللحن بشكل كامل، أو استخدام الأدوات الموسيقيّة.

ويحذر أبناء هذا التيار من أداء مشاهير المشايخ مثل مصطفى اسماعيل والطبلاوي والمنشاوي وغيرهم، ويعتبر بعضهم أن تعلم المقامات الموسيقية فتنة عن مهمة القارئ الأصليّة، وحجتهم في ذلك أن التنوع في استخدام المقامات الموسيقية يستلزم اتباع أوزان موسيقية ملائمة، في حين أن النص القرآني ليس نصّاً غنائيّاً يتبع أوزان الأشعار والقصائد، وبالتالي فإنهم يفترضون أن الاهتمام الزائد بالموسيقى سيؤدي لا محالة إلى خرق قواعد النطق السليم. إذ ينقل عن الإمام السيوطي (توفي 911 هجرية/1505 ميلادية) رأياً يرى فيه أن قراءة القرآن بالألحان والأصوات الحسنة تعتبر سنّة حسنة إن لم تخرجه عن هيئته المعتبرة، أما إن أخرجته عنها فذلك حرام فاحش. بينما يتحدث ابن القيم الجوزية (توفي 751 هجرية/ 1350 ميلادية) بشكل قاطع عن نفس القضية في كتابه “زاد الميعاد” قائلا: “إن القراءة بالتطريب والألحان لا تتضمن زيادة في الحروف، وذلك لأنها لا تخرج الكلام عن وضعه، ولا تحول بين السامع وبين فهمه، ولو كانت متضمنة لزيادة الحروف لأخرجت الكلمة عن موضعها، وحالت بين السامع وبين فهمها، ولم يدر المقصود بها”.

وتكشف مثل تلك الآراء عن صراع بين الرغبة في تقديم النص القرآني بأنغام تقرّب الجمهور إلى المعنى، وبين خشية من أن تتحول قضية المقرئ إلى متابعة النغم قبل متابعة المعنى وإجادة النطق، أو أن يصبح “قلب القارئ مصروفاً إلى وزن اللفظ بميزان الغناء لا يتدبره ولا يعقله”. على حد عبارة ابن تيمية (توفي 728 هجرية/ 1328 ميلادية).

وهنا يبرز حديث نبوي يمثل معضلة أمام هذا التيار المحافظ، يقول الحديث: “ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن”. وأمام هذا النص يستخدم أبناء التيار المحافظ حجة أخرى تؤيد وجهة نظرهم، مفادها أن النبي وسلفه لم يتعلموا المقامات الموسيقية، وأنها مسألة دخيلة ظهرت على يد الموالي وأبناء الشعوب الأخرى، وأن الرسول نفسه قد أوصى بقراءة القرآن بلحون العرب.

لكن في جانب آخر يظهر من هم أكثر تسامحها مع تزيين القرآن بالمقامات الموسيقيّة، واعتبار قراءة القرآن فنّاً يحتاج إلى دراسة موسيقيّة. ويستند أبناء هذا التيار أيضا إلى الحديث النبوي نفسه، وحديث نبوي آخر يقول ” زيّنوا القرآن بأصواتكم”. ويتحدّث أبناء هذه المدرسة بلغة مطمئنة تحكمها الخلفية الأكاديميّة التي ترى أن علم النغم والمقامات لن يطغى على علم التجويد، فمن لديه العلم، لن يقع في الخطأ أو يتعثر في التلاوة.

Follow us on Twitter @beopendotme

abdulbaset-1234

* مصطفى عبدالرحمن صحافي من مصر يعمل في جريدة الشروق المصريّة. كتب في مجالات الثقافة والسياسة والمجتمع في عدد من المطبوعات المصريّة والعربيّة. وقد سبق نشر هذا الموضوع في موقع معازف وتم اقتباسه بتصرف.

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن