وول ستريت جورنال: هل نشهد نهاية سايكس بيكو وتشكل شرق أوسط جديد أكثر هدوءاً؟

MPK1-426_Sykes_Picot_Agreement_Map_signed_8_May_1916

عن وول ستريت جورنال

بعد وقت قصير من نهاية الحرب العالمية الأولى، أخذ رئيسا الوزراء الفرنسي والبريطاني استراحة من القتال ومحاولة إعادة رسم خريطة أوروبا لمناقشة مسألة أكثر بساطة: رسم حدود منطقة الشرق الأوسط المحتلة حديثا بعد سقوط الدولة العثمانية.

في عام ، 1916 كان الحليفان قد اتفقا على المناطق التي يسيطر عليها كل منهما في الشرق الأوسط وذلك عبر اتفاقية سايكس بيكو السرية، وتم توزيع الحصص بالتراضي، إلا أن بريطانيا، وبعد قتالها بضراوة ضد الأتراك رغبت في زيادة حصتها من السيطرة على تلك المنطقة .

 “قل لي ماذا تريد”، قالها جورج كليمنصو رئيس وزراء فرنسا آنذاك مخاطبا رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج وهما يتمشيان في السفارة الفرنسية بلندن.

“أريد الموصل”، أجاب رئيس الوزراء البريطاني.

رد كليمنصو، “هي لك.. أي شيء آخر؟”.

وهكذا ببساطة حسم الأمر، وأصبحت محافظة الموصل العثمانية الضخمة، والتي تضم العرب والأكراد وفيها الكثير من النفط، جزءا من دولة العراق المشكلة حديثا، لا جزءا من سوريا الجديدة.

قرن مضى على اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت حدود الشرق الأوسط كما نعرفها اليوم… فهل هذه الاتفاقية سبب ما يعانيه الشرق الأوسط اليوم؟

كانت منطقة شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام باستثناء أجزاء بسيطة تحت حكم الإمبراطورية العثمانية ، و ضمت مختلف الأعراق والأديان في إطار دولة خلافة يحكمها الخليفة العثماني من اسطنبول، إلى أن وقعت الحرب العالمية الأولى والتي شهدت نهاية الخلافة العثمانية نتيجة لتحالفها مع الطرف الخاسر في الحرب. فأتى ساسة الدول المنتصرة، ممن يعيشون على بعد آلاف الأميال من المنطقة ويجهلون جغرافيا المنطقة وعادات أهلها وتقسيماتهم الإثنية، وقاموا بتقسيم تركة الدولة العثمانية فيما بينهم وفق اتفاقية سايكس بيكو السرية عام 1916، وذلك قبل نهاية الحرب العالمية الأولى.

رسمت اتفاقية سايكس بيكو الشرق الأوسط بشكله الحالي، وبعد نهاية الدول الاستعمارية نالت عدد من مناطق الشرق الأوسط استقلالها على شكل دول بهويات وحدود جديدة، لم تكن موجودة من قبل، فتشكلت دول العراق وسوريا ولبنان والأردن ومصر والسودان وغيرها، واحتفظت هذه الدول بالحدود التي أقرها المستعمر حتى في فترة ما بعد الاستعمار، رغم آمال الوحدة العربية والمحاولات المتعثرة لتحقيقها في القرن العشرين.

وتشهد المنطقة في الوقت الحالي مرحلة تشير إلى تشكل شرق أوسط جديد بملامح غير معروفة، فسوريا والعراق لم تعدان دولا بالمعنى المتعارف عليه، فلا تسيطر حكوماتها على أجزاء كبيرة من الدولة، كما نرى انحسارا للهوية العراقية والسورية مقابل ارتفاع حدة الاصطفاف خلف هويات دينية وعرقية.

“محو العار وهدم المؤامرة”

EIIL frontiere sykes picot

وأتت داعش كنتاج مباشر لهذا الانهيار، فأعلن أبو بكر البغدادي -خليفة الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)- صراحة أن من أهداف الدولة “محو العار وهدم مؤامرة بسايكس بيكو”، وبالفعل قام مقاتلو داعش بتفجير عدد من النقاط الحدودية بين سوريا والعراق بعد بسط نفوذهم على أجزاء من الدولتين، ويقول فرانسيس ركاردوني، سفير الولايات المتحدة السابق لدى تركيا ومصر والذي يعمل حاليا في المجلس الأطلسي، وهو معهد أبحاث بواشنطن، “ما نشهده هو زوال الأنظمة التي أتت بعد انهيار الدولة العثمانية، وزوال مشروعية الدول بشكلها الحالي، وداعش جزء من ذلك، فهي تملأ فراغ انهيار تلك الأنظمة”.

ويوضح حسين حقاني، الكاتب والسفير الباكستاني السابق لدى الولايات المتحدة  أن “جزء كبير من الصراع في الشرق الأوسط هو نتيجة لانعدام الأمن في الدول المشكلة من قبل الاستعمار”، و ويضيف أن  “الدول التي صنعها الاستعمار تستخدم الأيديولوجيات للتعويض عن عدم وجود تاريخ مشترك لشعوبها أو ثقافة مشتركة، كما تستعرض عضلاتها على شعبها أو على الدول المجاورة في محاولة لإيجاد هوية موحدة من خلال صنع عدو مشترك يعزز الشعوب بالانتماء “. ففي مصر على سبيل المثال، ذات التاريخ الممتد لآلاف السنين والهوية المصرية القوية، فإنك تقريباً لا ترى أحداً يشكك في الهوية المصرية بعد الاضطرابات التي أعقبت الإطاحة بالرئيس السابق حسني مبارك في ثورة 2011. ونتيجة لذلك، نجت معظم المؤسسات في مصر من الاضطرابات سليمة نسبيا –إذا ما قورنت بسوريا والعراق مثلا-، وتوقف العنف دون الانزلاق لحرب أهلية بسبب انتماء الجميع بالنهاية لهوية مصرية راسخة أكبر من كافة الانتماءات الأخرى، صنعها التاريخ والثقافة المشتركة.

ولا يعني ذلك أن كافة الدول التي صنع حدودها الاستعمار محتومة بالفشل، فبعضها –مثل الأردن- لا تواجه خطر الانهيار حتى الآن على الأقل. ففي العالم نماذج عديدة لدول ناجحة ومزدهرة تضم إثنيات وأجناس مختلفة من سويسرا لسنغافورة والولايات المتحدة، رغم أن الأخيرة تعتبر حديثة في مصاف الدول مقارنة بإيران أو تركيا على سبيل المثال، اللتان تحتفظان بنوع من الاستقرار رغم تعدد الإثنيات والأديان فيهما، وقد ساعد في ذلك تاريخهما الطويل كإمبراطوريات عظمى في الماضي خلقت هوية راسخة لدى شعوبها وانتماء يتعدى حدود الإثنية أو الدين.

وفي الدول الناجحة، فإن الحكم الرشيد والفرص الاقتصادية عادة ما تجعل من التعددية الإثنية والدينية مصدراً لقوة البلد بدلاً من أن تكون مصدراً لعدم الاستقرار.

الحياة تحت الاستعمار

8d44k7bh-1404226946

صورة توضح مناطق نفوذ القوى الاستعمارية، فيشير الأحمر الداكن إلى مناطق حكم مباشر للبريطانيين بينما يشير الأحمر الفاتح لمناطق نفوذهم، فيما يشير الأزرق الداكن لمناطق الحكم المباشر للفرنسيين بينما يرمز الأزرق الفاتح لمناطق نفوذهم

صورة توضح مناطق نفوذ القوى الاستعمارية، فيشير الأحمر الداكن إلى مناطق حكم مباشر للبريطانيين بينما يشير الأحمر الفاتح لمناطق نفوذهم، فيما يشير الأزرق الداكن لمناطق الحكم المباشر للفرنسيين بينما يرمز الأزرق الفاتح لمناطق نفوذهم

ولنفهم كيف كانت خارطة المنطقة في العراق والشام إثنياً، فعلينا أن نعود لتلك المناطق إبان الحكم العثماني، إذ لم تكن هناك كيانات تسمى سوريا أو عراق. فشكلت محافظات بغداد والبصرة والموصل –تقريبا- ما يعرف بالعراق اليوم، فيما كانت بلاد الشام تتشكل من دمشق وبيروت وحلب ودير الزور ولبنان وأنحاء كبيرة من الأردن وفلسطين وبعض من جنوب تركيا، وكان خليط السكان يضم طوائف السنة والشيعة والعلويين والدروز، وإثنيات العرب والأكراد والتركمان والمسيحيين بالإضافة للإثنيات الأصغر كالآشوريين واليزيديين وغيرهم.

ومع قدوم الاستعمار بعد نهاية الحكم العثماني وترسيم الحدود الحديثة، لعب المستعمرون على توازنات التعددية الإثنية والدينية لتلك الدول الحديثة، ففي سوريا، واجهت سلطات الاستعمار الفرنسي مقاومة شرسة من الأغلبية السنية في سوريا، فقامت في بتقريب العلويين – الذين عانو من الاضطهاد إبان الحكم العثماني- والتعامل معهم أكثر، ولبعض الوقت أنشأت فرنسا دولة منفصلة للعلويين على الساحل السوري للبحر الأبيض المتوسط ​​وقامت بتجنيد العلويين بشكل كبير في القوات المسلحة الجديدة.

وفي العراق، حيث يشكل الشيعة أغلبية السكان، واجهت بريطانيا تمردهم بعد استعمار العراق بتصرف مماثل، حيث نصبت عليهم ملكا سنية أتت به من الحجاز، واعتمدت على الأقلية السنية في العراق لتسيير الأمور، وهي الأقلية التي لطالما ازدهرت تحت الحكم العثماني.

شكلت تلك القرارات مستقبل سوريا والعراق حتى في مرحلة ما بعد الاستعمار، فتحكم عائلة الأسد العلوية سوريا منذ عام 1970، وأصبح صدام حسين رئيسا للعراق في عام 1979. وعلى الرغم من الشعارات الرنانة المتكررة عن أمة عربية واحدة، تحولت سوريا والعراق إلى دول قمعية تحكمها أقلية (العلويين في سوريا والعرب السنة في العراق) تسيطر على مقدرات البلد وتضطهد البقية.

لم تفلح محاولات الأغلبية في تلك الدول في تحدي الأنظمة القائمة ومحاولة تغييرها أو مطالبتها بالإصلاح على الأقل، حيث ووجهت تلك المساعي بقمع وحشي يجعل منها عبرة لكل من يفكر في التشكيك بالنظام الحاكم، ففي عام 1982 جرف النظام السوري مدينة حماة بأكملها بعد ظهور تمرد إسلامي فيها، وبالمثل  أطلق صدام حسين العنان لغضبه لسحق انتفاضة الشيعة في جنوب العراق بعد حرب الخليج في عام 1991.

يدعم الكثير من العلويين الرئيس بشار الأسد خوفا من انتقام الأغلبية السنية في حال إمساكها بزمام الأمور، وهو تخوف تغذيه داعش بتخييرها العلويين والشيعة بين الموت أو التسنن، وفي العراق دأبت الحكومات المشكلة منذ عام 2003 على اضطهاد الأقلية السنية التي كانت قوية في عهد صدام حسين، وهو ما سهل مهمة داعش في العراق وسرع احتلالها لمناطق سنية كثيرة بلا مقاومة تذكر، حيث كان براها بعض السكان المحليين أهون الشرين.

الشرق الأوسط الجديد

ويرى فالي نصر، عميد كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز ومستشار سابق في وزارة الخارجية الأميركية، أن “الحدود الإقليمية المرسومة ليست وحدها المشكلة، إنها أنظمة الحكم التي رسختها أوروبا، فاعتمدت قوى الاستعمار على الاٌقليات في إدارة تلك الدول، فقامت بتثقيفهم وتعليمهم وتوسيع صلاحياتهم، وعندما غادرت تركت مقاليد الحكم بيدهم”.

ويضيف “موازين القوى ليست متكافئة في العراق وسوريا وفي العديد من بلدان المنطقة، ولا توجد معادلة واضحة لتعديل هذا الوضع، فالمنتصرون لا يريدون مشاركة أحد، والخاسرون لا يريدون التخلي عن السلطة، يمر الشرق الأوسط بفترة من الاضطراب الكبير، وسينتهي ذلك بتكون شرق أوسط بتركيبة سياسية جديدة وحدود إقليمية مختلفة”.

هل هناك رغبة حقيقية في تغيير التكوينات الإقليمية الحالية؟ وكيف سيكون شكل الشرق الأوسط الجديد؟

من المتوقع أن يكون للأكراد دولة مستقلة في شرق تركيا وشمال العراق ضمن الشرق الأوسط الجديد، وهو ما أقر عام 1920 بمعاهدة سيفر بين الحلفاء الغربيين والإمبراطورية العثمانية، والتي لم تدم طويلا حيث نقضها القوميون الأتراك بقيادة كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة، بل إن تركيا حتى الماضي القريب كانت ترفض الاعتراف بالأكراد كقومية مستقلة.

يعيش الأكراد في أنحاء العراق وتركيا وسوريا وإيران، وقد تمتعوا بحكم ذاتي نسبيا لعقود في ظل حكومة مستقلة شمال العراق. أما الآن فلهم ثلاث مقاطعات في شمال سوريا.

وقول كريم سجادبور، محلل شؤون الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي “سأكون مندهشا إن لم يكن هناك بلد يسمى كردستان خلال 20 عاما من الآن، إنه موجودا بالفعل بحكم الأمر الواقع”.

وعلى الرغم من النزعات الانفصالية والتطهير العرقي في السنوات الأخيرة، فما زال السنة والشيعة يعيشون معا في أجزاء عديدة من العراق، بما في ذلك بغداد، بل وتجمعهم مع بعضهم البعض صلات قرابة ونسب لا يمكن فصلهما، كما يفضل عدد كبير من السوريين السنة العيش بمدن يسيطر عليها نظام الأسد منها على  العيش في المناطق المدمرة تحت سيطرة المتمردين.

ولعل ما حدث حدث في السودان بانفصال الجنوب ذو الأغلبية غير العربية عن الشمال العربي يشكل تجربة غير مشجعة على الإطلاق لإعادة رسم الحدود في الشرق الأوسط، فخلال فترة قصيرة انزلقت دولة جنوب السودان في غياهب حرب أهلية أودت بحياة عشرات الالاف وشردت حوالي مليوني شخص.

“لا يوجد بديل عن نظام الدولة”، كما يرى فواز جرجس بروفيسور دراسات الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد. “وإلا فقد تقع الدول في حلقة خطرة من الحروب الأهلية التي لا تنتهي، وهذا هو بالضبط ما يمكن أن يحدث في سوريا أو العراق”.

ويرى ستيفن هادلي، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي للرئيس جورج دبليو بوش، ويشغل الآن منصب رئيس مجلس إدارة معهد الولايات المتحدة للسلام، “من الصعب التوافق على مواثيق اجتماعية جديدة للدول بحدودها الحالية، ولا يتوقع أن يتم التوافق على ميثاق اجتماعي جديد إلا بعد أن يتعب أهل هذه الدول من الحروب التي لا تنتهي”.

Follow us on Twitter @beopendotme

leadالمصدر: Wall Street Journal

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن