تحطم الطائرة الألمانية: إلى أي حد يمكننا الوثوق بالأجهزة أكثر من ثقتنا بالبشر؟

drone

نشرت مجلة نيويوركر الأميركية موضوعاً للكاتب جون كاسيدي يبحث فيه آفاق التحول الآلي للعديد من الأعمال التي يقوم بها البشر خصوصاً في أعقاب حادث طائرة “جيرمان وينغز” الألمانية التي تحطمت في جبال الالب الفرنسية وعلى متنها مئة وخمسون راكبا في 24 مارس الماضي، بعد أن تعمد الطيار المساعد (الالماني اندرياس لوبيتس) اسقاط الطائرة في وديان جبال الألب جنوب فرنسا ليودي بحياة مئة وخمسين راكبا، ستة عشر منهم من الاطفال. وكانت الطائرة قد اقلعت من مطار برشلونة في اسبانيا في طريقها إلى مطار ديسولدورف شمال المانيا.

ويتحدث كاسيدي عن كتاب “عصر الآلة الثاني” الذي كتبه إيريك براينغولفسون وآندرو ماكافي من جامعة MIT، والذي يتناول موضوع تحول العديد من الأعمال اليومية التي يقوم بها البشر إلى أعمال آلية تقوم بها الأجهزة في مجالات كأعمال السائقين والأطباء وحتى الجنود. ومع التطورات التي أنجزت في مجال الروبوتات وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي يجزم المؤلفان بأننا على أعتاب ثورة صناعية ثالثة. إلا أن الكتاب لم يشر لوظيفة طياري الخطوط الجوية، ففي أنظمة الطيران الحديثة يقوم الطيار الآلي (Auto Pilot) بمعظم المهام الروتينية كتوجيه الطائرة والتحليق بها معظم الوقت، ويكاد يقتصر عمل الطيار البشري على تجهيز الطائرة للمغادرة وعمليات الإقلاع والهبوط وتولي السيطرة في حالات الطوارئ.

MFD_AP

ويبدو أن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) ووكالة الاستخبارات الأمريكية تسعيان لاستبعاد الطيارين من معادلة الطيران، وذلك عبر الاعتماد المتزايد على طائرات بدون طيار تستخدم لمهام الاستطلاع والقصف. ففي عام 2013 اختبر سلاح الجو الأمريكي بنجاح المقاتلة القاذفة QF-16 التي صنعتها بوينغ، والتي تعد نسخة بدون طيارعن طائرة F-16 المقاتلة يتم التحكم بها عن بعد. وستشارك هذه الطائرات في المهام التدريبية لطياري F-16 ويتوقع استخدامها لاحقا بالمهمات القتالية، ويمكن لمركبات جوية بدون طيار أن تخوض معارك محتدمة فوق منطقة معادية.

فإذا كان بالإمكان صنع طائرات من هذا النوع، ألا يمكن صنع أخرى أكبر حجماً لنقل المسافرين من مكان لآخر؟

تقنياً، لا يوجد هناك ما يمنع ذلك، إلا أن الخطر الذي أودى بالطائرة الألمانية لا يزال موجوداً، إذ يمكن للطيار الذي يقود الطائرة من على الأرض أن يسقطها، خصوصاً وأن حياته ليست على المحك كسائر المسافرين.

وفي أعقاب مأساة تحطم الطائرة الألمانية على يد طيارها فإنه يصبح من المنطقي التفكير بتسيير رحلات ركاب بلا طيار، وبغض النظر عن الاعتبارات التقنية، إلا أن المسألة هنا تتعلق بالثقة أكثر مما تتعلق بالتكنولوجيا.

حتى الآن، يرى العاملون في صناعة الطيران أن الإقبال على رحلات من هذا النوع –إن طرحت- سيكون ضعيفاً، إذ أن شركات الطيران تلجأ لتوظيف أكفأ الطيارين والطواقم الجوية لتؤكد مصداقيتها والتزامها بالسلامة، فتزداد مصداقية الشركة لدى الراكب لأن موظفيها يشاركون الركاب خطر الرحلة من خلال وجودهم على متن الطائرة.

بالرغم من ذلك، نرى توفر الثقة بالأنظمة الآلية في بعض وسائل النقل الجماعي كالقطارات التي تعمل بدون سائق، كما ستعمل السيارت من دون سائق –بعد التأكد من سلامتها- على تعويد البشر الاعتماد على الأجهزة في بيئة خطرة، إلا أنها قد لا تكون آلية بشكل كامل، فالسيارة التي تطورها غوغل –على سبيل المثال- ستحوي على ميزة تمكّن الإنسان من تخطي الحاسوب والتحكم بالسيارة يدوياً.

2010-2-14_16-47-4-451

ويبرز موضوع الثقة في التقنيات وحدود تلك الثقة في نواح عديدة أخرى كالطب والعمليات المالية وتقدير الأخطار. فهل ستثق في جهاز آلي أن يشخص أمراضك القلبية؟ أو في أن يجري لك روبوت عملية جراحية؟ وهل تثق في أن يعتمد نظام الدفاع الجوي لبلدك على جهاز يحدد الأخطار وفق عملية حسابية دون أي تدخل بشري؟

فيما يبدو أن لدى معظم الناس، حتى الآن على الأقل، شكوكهم حول التكنولوجيا. فهم يثقون ولكن إلى حد معين، فهم لا يمانعون من تشخيص مرض بسيط على الإنترنت، أما عند اشتداد المرض فهم يريدون رأي طبيب. وعلى الجانب الآخر، فإن من يستثمرون مدخرات حياتهم في محافظ وصناديق الاستثمار يفضلون وجود أحد ما لمراقبة الأجهزة والتأكد من عدم تدمير هذه المحافظ. وعلى الرغم من حوادث الطيران التي نجمت عن خطأ بشري كرحلة الخطوط الجوية المصرية -التي أطاح بها قائد الطائرة-، أو الطائرة الألمانية الأخيرة، فإن الركاب يشعرون بالارتياح لوجود عنصر بشري يجلس في قمرة القيادة.

قد تتفوق الأجهزة على البشر في بعض المهام المرتبطة بقوانين محددة، لكنها لا تستطيع مجاراتنا في مجالات تتطلب التفكير الخلاّق أو المناورة في أماكن ضيقة أو ردود الأفعال السريعة تجاه المواقف غير المتوقعة أو قراءة مزاج الأشخاص الآخرين. ويشير كتاب “عصر الآلة الثاني” إلى التطورات السريعة التي تشهدها التقنيات في مجال سرعة معالجة البيانات (Processing) وسعة التخزين، ويرى مؤلفا الكتاب أن هذا التطور المستمر “سيقود للحصول على حاسوب بقدرة معالجة وتخزين تفوق دماغ الإنسان.. وحال حدوث ذلك لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يحدث بعدها”.

إن ما قام به أندرياس لوبيتز، قائد الطائرة الألمانية، أثار أسئلة يصعب التفكير بها ناهيك عن إيجاد إجابات واضحة لها، فإلى أي درجة يمكننا أن نثق بالأجهزة أكثر من ثقتنا بالبشر؟

في مجال الطيران لا نزال بعيدين عن عبور عتبة الثقة.

Thrust_levers_of_an_Airbus_A320

المصدر: New Yorker

About Open Staff Writers

Contributions by a number of writers who wish to write under Open's name. مواضيع من مجموعة مشاركين اختاروا الكتابة تحت إسم أوبن